جبل‭ ‬الكهرباء‬

3 ‬قصائد‬

الجديد  مبارك وساط [نُشر في 19/08/2015، العدد: 1، ص(120)]

I

نعم،‭ ‬تمّ‭ ‬الأمر‭ ‬كما‭ ‬فكَّرْتِ‭ ‬فيه‬‬‬‬‬

فقد‭ ‬ذهبتُ‭ ‬إلى‭ ‬المصبنة‬‬‬

وجلبتُ‭ ‬ثيابنا‬

وفي‭ ‬طريق‭ ‬العودة،‭ ‬رأيتهم‭ ‬يغمسون‭ ‬رأس‭ ‬المهرّج‬‬‬‬‬‬

في‭ ‬رغوة‭ ‬الضّحك‭ ‬التي‭ ‬كانوا‬‬‬‬

قد‭ ‬ملؤوا‭ ‬منها‭ ‬جردلا‭ ‬كبيرا‬‬‬‬

وها‭ ‬أنا‭ ‬هنا،‭ ‬أُهْدِيكِ‭ - ‬فيما‭ ‬أنتِ‭ ‬تهيّئين‭ ‬‬‬‬‬‬‬‬

الغداء‭-‬‬

البارثينونَ‭ ‬وقوسَ‭ ‬آخيل‭ ‬ومبرهنةَ‭ ‬أقليدس‬‬‬‬

وجبلَ‭ ‬البرناس‭ ‬ومخطوطةً‭ ‬لإسخيلوس‬‬‬

حتّى‭ ‬تكون‭ ‬لكِ‭ ‬آثارُ‭ ‬خُطى‬‬‬‬

على‭ ‬ترابِ‭ ‬حدائقِ‭ ‬‬‬‬

اليونان‭ ‬القديمة‬

‭- ‬أنا،‭ ‬حديقتي‭ ‬قَدَمِي‭ ‬وأظفارُها‭ ‬‬‬‬‬‬

أزهارُها‭-‬‬

وبعد‭ ‬هذا‭ ‬سأجعلكِ‭ ‬خلفي‭ ‬على‭ ‬‬‬‬‬‬

درّاجتنا‭ ‬المُطهَّمة‬

ونمضي‭ ‬نحو‭ ‬بيتنا‭ ‬القديم‭ ‬الذي‭ ‬سكنّاهُ‭ ‬زمنا،‭ ‬وكلّما‭ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬

سكِرْتُ‭ ‬تحت‭ ‬سقفه،‭ ‬وقتَها،‭ ‬‬‬‬‬

كانتْ‭ ‬عظامي‭ ‬‬‬

من‭ ‬تحت‭ ‬الجلد‭ ‬واللحم،‭ ‬تشعشع‬‬‬‬

بومضٍ‭ ‬منتظم‭ ‬أصفر‭ ‬‬‬‬

وأحمر

وذاك‭ ‬كان‭ ‬يُضْحِكُنا‭ ‬كثيرًا‭ ‬إذْ‭ ‬يُذَكِّرُنا‬‬‬‬‬

بلعبة‭ ‬البلياردو‭ ‬الكهربائيّ‬‬

الآن،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ندخل‭ ‬مُجدّدًا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬البيت‬‬‬‬‬‬‬

قدْ‭ ‬يُباغَتُ‭ ‬حقًّا،‭ ‬كما‬‬‬

تقولين،‭ ‬لكنْ‭ ‬كُونِي‭ ‬‬‬‬

متيقّنة‭ ‬مِنْ‭ ‬أنّنا‭ ‬سنشعر‭ ‬فيه‭ ‬بنفس‭ ‬‬‬‬‬‬‬

الإعجاب‭ ‬بِـهَـيْـنَـمَـة‭ ‬النّمال‭ ‬التي‬‬‬

خلف‭ ‬أحد‭ ‬جدرانه‬‬

كانتْ‭ ‬دائمًا‭ ‬تتشكّى‭ ‬‬‬‬

من‭ ‬الأرق‬

بل‭ ‬إنّه‭ ‬سيحتضن‭ ‬بحنوّ‭ ‬حتّى‭ ‬درّاجَتَنَا‭ ‬‬‬‬‬‬‬

ويُعامِلُها‭ ‬ككائنةٍ‭ ‬حلَّتْ‭ ‬فيها‭ ‬رُوحُ‭ ‬‬‬‬‬‬

إلهةٍ‭ ‬قديمة‬

كائنةٍ‭ ‬جِسْمُها‭ ‬من‭ ‬معدن‭ ‬‬‬‬‬

ولِمِقْوَدِهَا‭ ‬‬

بَرِيقْ

II

في‭ ‬هذا‭ ‬الصَّباح‭ ‬شَبَبْتُ‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬أصابعي‭ ‬‬‬‬‬‬‬‬

وتطلّعت‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬جدار‬‬‬

إلى‭ ‬قبر‭ ‬سليمة‬‬

إنّها‭ ‬تركيّة‭ ‬وكانت‭ ‬قد‭ ‬حلّت‭ ‬ببلدتنا‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‬‬‬‬‬‬‬

كانت‭ ‬تُرى‭ ‬حاملةً‭ ‬ميزانا‭ ‬صغيرًا‭ ‬‬‬‬‬‬

أمام‭ ‬قاعة‭ ‬سينما‭ ‬وكانت‭ ‬تَعزف‭ ‬‬‬‬‬‬

على‭ ‬السّاكسو‭ ‬أمام‭ ‬مدخل‬‬‬

مغارة‭ ‬بالسّاحل‬

في‭ ‬منتصفات‭ ‬ليالٍ‭ ‬مُقْمِرة‬‬‬

وعلى‭ ‬العودِ‭ ‬في‭ ‬حانة‭ "‬التمساح‭"‬‬‬‬‬‬

المُطِلَّة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬والتي‬‬‬

كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أؤمّها‭ ‬في‭ ‬الأماسي‬‬‬‬

أتطلّع،‭ ‬الآن،‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬فيها‬‬‬‬

ثمّة‭ ‬البحر‭ ‬وطيورٌ‭ ‬‬‬‬

ساكنةٌ‭ ‬على‭ ‬أسلاك‭ ‬الكهرباء‬‬‬

كأنّما‭ ‬جمّدها‭ ‬الصّقيع‬‬

الهواء‭ ‬القارس‭ ‬يحمل‭ ‬إلينا‭ ‬رائحة‭ ‬الثّلج‬‬‬‬‬

وأنا‭ ‬متلفّع‭ ‬في‭ ‬معطفي‭ ‬وأرنو‬‬‬‬

حواليّ‭ ‬بِعَيْنِي‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬أنقذتْ‭ ‬عصافير‬‬‬‬‬‬

مُهَدَّدَةً‭ ‬في‭ ‬بِيدٍ‬‬

وطَرَدَتْ‭ ‬من‭ ‬أحلامي‭ ‬القناديل‭ ‬حاملةَ‭ ‬الجرار‬‬‬‬‬

والنّهر‭ ‬ذا‭ ‬المياه‭ ‬الحزينة‬‬‬

أمّا‭ ‬عيني‭ ‬الأخرى‭ ‬فتتملّى‬‬‬

الموجات‭ ‬الصّغيرة‭ ‬التي،‭ ‬حين‬‬‬

دفعتُ‭ ‬بظاهر‭ ‬كفّي‭ ‬طَرَفَ‭ ‬الطّاولة،‬‬‬‬

تكوّنَتْ‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬‬‬‬‬‬

الصّغير

أسير‭ ‬ِكأسي‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‬‬‬

فيما‭ ‬تستغرقُ‭ ‬حواسّي‭ ‬ذبذباتُ‭ ‬هذا‭ ‬الصّمت‭ ‬‬‬‬‬‬‬

سيّدِ‭ ‬هذا‭ ‬المكان‬‬

حيثُ‭ ‬لا‭ ‬سليمة‬‬

ولا‭ ‬موسيقى‬

كأس

مشيتُ‭ ‬تحتَ‭ ‬صفير‭ ‬غيمة‬‬‬

كانتْ‭ ‬تتلهّى‭ ‬‬‬

بتتبّع‭ ‬شريط‭ ‬ذكرياتي‬‬

وحين‭ ‬وقفتُ‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬بيتي‬‬‬‬

بدأتْ‭ ‬نمالٌ‭ ‬تقتاتُ‭ ‬على‭ ‬‬‬‬‬

مِلْحِ‭ ‬جفونِ‭ ‬‬‬

حديقتي‭ ‬‬

والقرويّة‭ ‬التي‭ ‬كانتْ‭ ‬عشيقتي‬‬‬

ذاتَ‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬بيدرٍ‭ ‬ما‬‬‬‬

ظهرتْ‭ ‬بدورها‭ ‬خلف‭ ‬نافذة‭ ‬بعيدة‬‬‬‬

باسِمةً‭ ‬ومحاطةً‭ ‬بالعصافير‬‬

باسِمةً‭ ‬وتعزف‭ ‬‬‬

على‭ ‬طبلة‭ ‬أذن‭ ‬الريح‭ ‬الرّصينة‬‬‬‬

‮ ‬يا‭ ‬عشيقتي‭ ‬يا‭ ‬عشيقتي‬‬‬‬

كوني‭ ‬لي‭ ‬خيمة‬‬

على‭ ‬جبل‭ ‬الكهرباء‬‬

بهذا‭ ‬رفعتُ‭ ‬عقيرتي‭ ‬وأنا‬‬‬

في‭ ‬غُرفةِ‭ ‬نَومي‬‬

أتهيّأ‭ ‬للإبحار‬

في‭ ‬كأسٍ‭ ‬غريبة.


شاعر من المغرب