الاسم الضائع في مسألة قصيدة النثر

في الوقت الذي تذهب فيه القصيدة، في الشعريات الغربية، صوب 'جغرافيات' جديدة لم تألفها من قبل: الشعريات الرقمية، وما تنتجه هذه الشعريات من 'هدم' لبنى الشعر المألوفة، وما يصاحبها من صياغة للشعريات الإلكترونية، وإنتاج نص 'مرئيّ ومتحرك'، والعلاقة التي تربط بين صفحات الويب وتكنولوجيا الكتاب من جهة، والشعريات التجريبيّة من جهة أخرى؛ والتي من خلالها يتبيّن بأن أنواعًا معينة من بنى الويب لا تخرج عن كونها شكلًا من أشكال الكتابة، كما يقول لوس بيكويني غلاثيير.

الجديد  تحسين الخطيب [نُشر في 19/08/2015، العدد: 1، ص(124)]

الفنان: عبدالباسط الخاتم
في الوقت الذي كان فيه أنسي الحاج، في مقدمة "لن" (1960)، يقدم لنا، تنظيرًا واعيًا، ومدركًا تمامًا لقصيدة "متماسكة لا شقوق بين أضلاعها"، فإن معركة "الوزن/ لا وزن" التي رافقت ذلك، أو تلته، والتي ما زالت أصداؤها تتردد لغاية الآن، لم تنتج نصَّ "المختلَف" عليه، ولم ترحنا من حكمة الآباء و"أصالتهم"، ولا من عقوق الأبناء و"حداثتهم"‭.‬ فلو تم الانتباه، بما يكفي، لتلك المقولات، ليس على صعيد السمات "المقدسة" المشهورة الثلاث (الإيجاز والتوتر والمجانية) فحسب، وإنما على صعيد حدود شكل النوع الطباعيّ، وسماته الخارجية أيضًا، لكان لتاريخ النوع، في العربية، منحى آخر، مختلف تمامًا‭.‬‬‬

وعلى الرغم من أنّ أنسي الحاج قد صرح، بما لا لبس فيه، بأنه يستعير مقولاته "من أحدث كتاب في الموضوع بعنوان قصيدة النثر منذ بودلير إلى أيامنا"، إلاّ أن الكثيرين ممن هاجموا أنسي قد اكتفوا بالقول إنها منتحلة، بدون الانتباه إلى ما هو عميق فيها، وإلى ما هو "ثوريّ"‭.‬ يورد محي الدين اللاذقاني، في مقالته المهمة "القصيدة المظلومة: محاولة للاقتراب من ملكوت الإيقاع" (1989)، بأن أدونيس كان قد لخص الكتاب قبل أنسي، وذلك في العدد 14 من مجلة شعر لسنة 1960، ثم استخدمه أنسي لتنظيراته تلك‭.‬ ‬‬

التباس المصطلح

هنا، وبالمعنى الاصطلاحي، وفي سياقه التاريخي أيضًا، لا يكون توفيق صايغ شاعر نثر؛ سواء في "ثلاثون قصيدة" (1954)، أو في "القصيدة ك" (1960)، والتي علق عليها بدر شاكر السياب قائلاً: " لو أنّ كل الذين كتبوا قصائد نثرية (وهنا نلاحظ، دون شكّ، التباس المصطلح) بلغوا مستوى توفيق صايغ، لما اعترضنا عليها، ولا على الشعر المنثور"‭.‬ وكذلك هي الحال، على عكس ما هو مسلّم به، على نطاق واسع، بالنسبة إلى محمد الماغوط، سواء في "الحزن في ضوء القمر" (1959)، أو "غرفة بملايين الجدران" (1960)، أو حتى في "الفرح ليس مهنتي" (1970)، بينما نرى شوقي أبي شقرا، في نثره الفطري، الحار، والمتدفق، في "ماء إلى حصان العائلة" (1962)، يحقق أحد أهم النماذج المبكرة لقصيدة نثر "حقيقية" في اللغة العربية‭.‬‬‬

الآن، وبعد مرور أكثر من قرن ونصف، على إطلاق بودلير لتعريفه الأول للنوع بوصفه "معجزة نثر شعري، موسيقي بلا وزن أو قافية، مرن ولكنه متقطع بما يكفي ليتماثل مع انبعاثات النفس الغنائية، وانحسارات أحلام اليقظة وتدفقاتها، وعذابات الأنا الواعية"، وما نشهده اليوم، في الشعرية الأميركية، على سبيل المثال، من انبعاث نوعٍ "هجين، وتدميري، ومتطرف" ظلّ، حتى بداية خمسينات القرن العشرين، "على الهامش، منبوذًا، بل غير شرعي"‭.‬ وفي الوقت الذي تتقلص فيه محددات "الشعريّ"، وتصبح "المعايير الماضويّة" التي حكمت ذائقتنا الشعرية، كما يقول الناقد البلجيكي ميشيل ديلفيل، والتي ما زالت، إلى حد ما، غير صالحة للحكم على القصيدة، وأكثر إرباكًا من أي وقت مضى، فإنّه لا يمكن لما كتب، في العربية، وما يكتب الآن، خارج نظام التفعيلة: مقطعًا/مشطرًا، كما في الشعر الحر، ومهما بلغت "درجة" الشعري فيه، أن يندرج في إطار تاريخ النوع، أو ما اصطلح على تسميته بـ "قصيدة النثر"‭.‬ فإذا كان السطر (ومن ثم المقطع الشعري) هو وحدة بناء قصيدة الوزن عمومًا، وقصيدة الشعر الحر، بتنويعاته المختلفة (الشعر في الشكل المفتوح، الشعر العضوي، الشعر المجرد أو العاري) على وجه التخصيص، فإن الجملة (ومن ثم الفقرة) التي لا تتقطع في أسطر، وتتواصل في حركتها (الأفقية) حتى يكتمل المعنى، هي وحدة بناء قصيدة النثر وعماد وجودها‭.‬‬‬‬

هل تخرج قصيدة النثر العربية من أسر تلك التنظيرات الخاطئة التي مارسها الشعراء والنقاد على حد سواء

شعريات النثر

وإن كنت أتحدث، هنا، عن خصائص النوع الشّكلية، والتي هي جزء لا يتجزأ من معمار هذه القصيدة الصعبة والشاقة، والتي لا يقدر على تحقيق واحدة "جيّدة" إلّا خبير مجرب، فإن الحديث عن مسألة العثور على "تعريف واحد جامع للنوع" مسألة ليست أقل سهولة من تعيين تلك الخصائص أبدًا‭.‬ وما يزيد من هذه الصعوبة هي تلك المحاولات المتكررة من المشتغلين في/وعلى "شعريات" النثر، بإيجاد تعريفاتهم الاصطلاحية، ومسمّياتهم الخاصة، لـ "كتلة" النثر التي يكتبونها، أو تلك التي يقرأونها‭.‬ فهي، عند الإنكليزي توماس دي كوينسي (1859-1785) الـ "dream fugue": الحالة الحُلمية التي يكون فيه الشاعر مدركًا لأفعاله، واعيًا بها، ولكنه، حين يعود إلى نفسه، لا يتذكر أيّا منها‭.‬ وتشير الناقدة الإنكليزية نيكي سانتيللي إلى أنّ بودلير في "سأم باريس" كان تحت تأثير ترجمته وإعادة كتابته (1857) لسرديّات الصور الحلميّة المتدفقة لدي كوينسي في "اعترافات آكل أفيون إنكليزي" (1821)‭.‬ وأما الإرلندي جيمس جويس (1882-1941)، فتأخذ قصيدة النثر، عنده، شكل الـ "dream epiphany": لحظة الكشف والتجلي المباغتة‭.‬ فيما آثر تي‭.‬ إس‭.‬ إليوت (1888-1965) استخدام المصطلح "الأكثر حياديّة": النثر الموجز‭.‬ ثم نرى الشاعر الأميركي إي‭.‬ إي‭.‬ كمنغز (1894-1962) يستخدم مصطلح "النثر المكثف الموجز"‭.‬ بينما اقترح جاك كيرواك (1922-1962) مصطلح "النثر العفوي"، واضعًا تسعة مبادئ لذلك، أوردها في "ضرورات الشعر العفوي"، وقائمة أخرى من ثلاثين عنصرًا ضمنها رسالته الشهيرة إلى دون ألين، في العام 1958، عن تقنيات النثر الحديث‭.‬ وقد لجأ آخرون، كبورخيس، إلى إطلاق اسم الـ "شذرة" على قصيدة النثر التي يكتبونها‭.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

شعر اللغة

وليس بعيدًا عن ذلك، ما قام به الشاعر الأميركي الماركسي رون سيلليمن حين وضع مصطلحًا جديدًا للإشارة إلى قصيدة النثر التي يحلم بها: "الجملة الجديدة"، أو قصيدة النثر الجديدة"، وذلك في العام 1980، حيث "الجملة" ليست هي شكل القصيدة ووحدة بنائها فحسب، وإنما هي وحدة معناها أيضًا: فلا معنى للقصيدة خارج حدود اللغة التي تكوّنها‭.‬ تبنّى هذا المفهوم الشعري، وذهب به إلى أقصى تجريبية ممكنة، ما بات يعرف بـ "شعر اللغة" (وهي حركة انفجرت في سبعينيات القرن العشرين كفعل رفض وتمرد ضد جماليّات "قلاع" المؤسسة الأكاديمية الرسمية)‭.‬ فيما لجأ الناقد الأميركي ستيفن فريدمان إلى استخدام مصطلح "نثر الشاعر" للتأكيد على اختلاف شعر نثر أميركي يختلف عن مثيله الفرنسيّ، مؤكّدًا على أن "الشكل الفرنسي قد وقع ضحية علم جمال انعزاليّ، وأن الشعر الأميركي قادر على بناء منطقته الخاصة كتقليد جديد ومستقل"‭.‬‬‬‬

خلاصة القول، هل تخرج قصيدة النثر العربية من أسر تلك التنظيرات الخاطئة التي مارسها الشعراء والنقاد على حد سواء‭.‬ تنظيرات ترى كل كتابه خارج حدود التفعيلة هي قصيدة نثر‭.‬ فالتنظيرات الخاطئة التي مارستها نازك الملائكة حول "طبيعة الشعر" الحر، تمارس الآن، بعشوائيّة، ودون وعي، ضد شعريات النثر.


شاعر ومترجم من فلسطين