القتل‭ ‬بالكلمات

تعتبر اللغة من أهم ما ابتكره الإنسان ومن أهم ما يميزه عن بقية المخلوقات، فهي الأداة التي أتاحت نشأة المجتمعات والحضارات وتحقيق كل التطور الذي عرفه الإنسان قديما وحديثا، يعني هي “أمّ الظواهر الإنسانية جميعا”، ومع ذلك فإن اللغة قابلة أيضا للاستخدام في غير صالح البشر، بل وحتى لقضائهم على بعضهم بعضا، شأنها في ذلك شأن الأشياء الكثيرة الأخرى التي أبدعها بنو آدم‭.‬ لكن ليس معنى هذا أن اللغة تؤدي في حد ذاتها وظيفة القتل، فالمسؤول الأول عن تحويلها من أداة تواصل إلى أداة فتك وقتل، هم البشر أنفسهم‭.‬ لكن لا نعني هنا البشر على وجه الإطلاق، بل فئة معيّنة منهم، وبالضبط من يملكون السلطة، فاللغة في حد ذاتها، إذا ما استثنينا قواعدها المتعارف عليها، لا سلطة لها في حد ذاتها على الإنسان‭.‬

الجديد  إبراهيم سعدي [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(28)]

رسمة لسمعان خوّام
ذلك أن اللغة تستمد سلطتها من خارجها، أي من السلطة التي يملكها الناطق بها، فوفقا لما يراه بيار بورديو “ليست سلطة الكلام إلا السلطة الموكولة لمن فوض إليه أمر التكلم والنطق باسم جهة معينة”‭.‬ والسلطة التي تهمنا هنا هي السلطة ذات الصبغة السياسية، فهي التي تتجلى فيها أساسا ظاهرة توظيف اللغة كأداة من أدوات القتل، فاللغة السياسية، كما يؤكد الروائي والباحث الإنكليزي جورج أورويل “مصممة على نحو يجعل الأكاذيب تبدو حقيقة والقتل محترما‮…‬”‭.‬

ولعل أكثر مظهر من مظاهر توظيف اللغة كأداة تبيح القتل وتشرعنه وتجعله شيئا “محترما”، وفق تعبير أورويل، وذلك قديما وحديثا، هو نزع صفة الإنسان عن الضحية، أي تحويله بواسطة اللغة إلى حيوان أو نحوه، حيث لا يسري على القضاء عليه مفهوم الجريمة أو صفتها‭.‬ فالمستعمرون مثلا وصفوا الشعوب التي استعبدوها ودمّروها بالشعوب المتوحشة، بمعنى أنها أقرب ما تكون إلى الحيوانات التي تعيش وفق قانون الغاب، منه إلى البشر، أي هي بمثابة شبه حيوانات تعيش في الغابة، الأمر الذي من شأنه أن ينفي صفة الجريمة عن استعبادها أو القضاء عليها، لأن القضاء على حيوان متوحش لا يعد جريمة‭.‬ لهذا نجد فيكتور هيغو، الكاتب الفرنسي الكبير، مؤلف رواية “البؤساء” المشهورة، الذي كان أيضا برلمانيا، المالك بالتالي لسلطة مزدوجة بوصفه شاعرا وسياسيا في آن واحد، يتوجه إلى المارشال بيجو الذي تنسب إليه أكثر من محرقة في الجزائر، قائلا له في دفاعه عن الاستعمار الفرنسي‭:‬ “إنها الحضارة ماشية على أنقاض الوحشية”‭.‬ وفي خطاب آخر له ألقاه في “مؤتمر السلم” (‬21 أوت 1849)‬ يقول في ذات السياق بأن “إفريقيا ستعاد إلى الإنسان”، مشيرا هكذا على نحو مبطن، وتحت ستار “المهمة الحضارية” للإمبراطورية، إلى أن إفريقيا ما قبل قدوم الكولونيالية لم يكن يقطنها بشر، أو على الأقل بشر بمفهوم الغرب آنذاك، وعليه فإن ما يقترف فيها من جرائم ومجازر لا يجب النظر إليها كما لو أنها أفعال تتناقض مع “الأنوار” التي أسست مبادئ “حقوق الإنسان” التي نادت بها الثورة الفرنسية، أو الشعور بالذنب، وباختصار لا يجب وصف هذه الأعمال بالإجرامية، لأن الضحايا ليسوا من البشر أصلا أو ليسوا كذلك تقريبا‭.‬

وهذه الظاهرة ليست في الحقيقة حكرا على تاريخ الغرب، إذ نجدها مثلا تتكرر أيضا في العالم العربي، كما يمكن أن نلمس ذلك منذ التقلبات التي صارت تعيشها المنطقة العربية ابتداء من عام 2011‭.‬ فقد حدث في بلد عربي أن وصَفت السلطة القائمة آنذاك المتظاهرين بـ”الجرذان” وأكَّدت “بأنه ستتمّ إبادتهم” “زنقة زنقة‭..‬ دار دار”، مما يعني أن القضاء عليهم ليس جريمة، لأنهم ليسوا بشرا أصلا حتى يصح إطلاق تلك الصفة على هذه العملية، فقتل الجرذان لا يعد جريمة‭.‬ ولا داعي للحديث عمّا جرى بعد ذلك، فالجميع يعرف‭.‬ وعندما استعمل في بلد عربي آخر، وفي ظروف مماثلة، تعبير”القضاء على الجراثيم”، إشارة إلى اعتماد الحل الأمني لمعالجة مشكلة ذات طبيعة سياسية، فإن الأمر لم يكن يتعلق بمجرد تشبيه لغوي، بل بعملية نزع رمزي لصفة الإنسان عن الضحية المعلنة، تمهيدا لنفي صفة الجريمة عن قتله والقضاء عليه‭.‬ فإبادة الجراثيم ليست جريمة‭.‬ إن أول مظهر للجريمة السياسية أو العقائدية أو العنصرية له دائما شكل لغوي، يتم من خلاله نزع صفة الجريمة عن فعل القتل أو التدمير من خلال نزع صفة الإنسان، بهذه الدرجة أو تلك وعلى هذا النحو أو ذاك، عن الضحية‭.‬

ويتحدث جورج أورويل في مؤلفه “السياسة واللغة الإنكليزية” ‭(‬1946‭)‬ عن هذه الظاهرة، ظاهرة توظيف اللغة بغرض ما يمكن تسميته بتبييض القتل والتدمير، فيقول‭:‬ “قُرى لا حول لها ولا قوة تتعرض للقصف الجوي، ويُشرّد سكانها في الخلاء، وتُرشّ قطعانها بنيران الرشاشات، وتدمّر أكواخها بقنابل نارية، فيطلق على كل هذا اسم التهدئة‭.‬ ملايين من الفلاحين يُطردون من منازلهم ويلقى بهم في الطرقات دون مؤونة خلا ما استطاعوا حمله، فيسمى كل ذلك تحويل سكان أو تعديل حدود‭.‬ أفراد يسجنون دون محاكمة مدة عدة سنوات، أو تخرق قفاهم بطلقات الرصاص، أو يرمى بهم في معسكرات الحطابين في القطب الشمالي ليموتوا بداء الحفر، فيطلق على ذلك تعبير‭:‬ تصفية عناصر مشبوهة”‭.‬ قول يذكّر، إن على صعيد الصور وإن على صعيد اللغة المستعملة (‬لغة التبييض)،بما يجري اليوم في العالم العربي‭.‬

غير أن نزع صفة الإنسان عن الضحية، وقتله بالتالي رمزيا قبل قتله فعليا، ليس بالضرورة الإجراء الوحيد المعمول به في طقوس القتل في الإطار الذي يعنينا، بل يمكن القول بأن لكل عصر ولكل سياق عام لغته المشرعنة للقتل الرمزي، الممهدة للقتل الفعلي‭.‬ ففي العالم العربي والإسلامي، نجد أيضا، ليس فقط نزع صفة الانتماء إلى البشر، باعتباره قتلا رمزيا، كما سبق وأن أشرنا، بل قد يتمّ ذلك أيضا من خلال نزع “الإيمان” عن الضحية، أي تكفيره، وبالتالي نفي صفة الجريمة عن قتله‭.‬ وهذا النوع من التبييض، والذي يمكن وصفه بالتبييض “الديني”، لا يختلف كثيرا في الحقيقة عن التبييض القائم على نزع صفة الإنسان عن الضحية لنفي وجود جريمة القتل التي يكون موضوعا لها‭.‬

والحقيقة أن اللجوء إلى هذا التبييض، أو التلطيف وفق تسمية جورج أورويل لهذه الظاهرة، سببه في مثل هذه الحالات العجز عن تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية أو المتوافق عليها من طرف البشر، ذلك أن تسمية الأشياء والأفعال، في مثل هذه الظروف، بأسمائها الحقيقية، سيحول اللغة إلى أداة إدانة، فداخل كل لغة يوجد ضمير أخلاقي‭.‬ فلم يكن بوسع المستعمِر مثلا أن يقول‭:‬ “سنستولي على أراضي إفريقيا ونبيد سكانها إذا ما اعترضوا مشروعاتنا الرامية إلى الاستيلاء على خيرات بلادهم”‭.‬ من هنا يأتي التحايل على اللغة والالتفاف عليها وانتهاكها هروبا من سلطتها كضمير أخلاقي وقانوني بشري عام‭.‬ نفهم لهذا السبب لماذا يرى جورج أورويل أن هذا التبييض اللغوي “ضروري إذا ما أردنا تسمية الأشياء دون استدعاء الصور الذهنية المتطابقة معها”‭.‬ لكن يمكن أن نضيف أيضا بأنه ضروري أساسا إذا ما أردنا الإفلات من مجابهة السلطة الأخلاقية للغة، ومن خلالها السلطة الأخلاقية بكل بساطة‭.‬

والحقيقة أن من بين ما تسببه الحروب والنزاعات الداخلية من خراب، هناك أيضا اختلال وظائف اللغة، إذ تفقد الأشياء، في مثل هذه الظروف، أسماءها التي تواضع عليها البشر، يعني تفقد الأسماء والكلمات صلتها المتوافق عليها بمسمياتها، تتفكك العلاقة بين الدال والمدلول، فتطغى على اللغة⊇وظيفة التضليل والخداع وتتحول بدورها إلى أداة فتك، يعني تصبح، في ظروف غير طبيعية كالحرب، هي نفسها غير طبيعية‭.‬ تنشأ لغة جديدة هي لغة الموت والدمار‭.‬


كاتب من الجزائر