الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 20/08/2015، العدد: 1، ص(159)]

الفنان ياسر أبو الحرم
ليس للسلفيين الجهاديين من غاية سوى إقامة مملكة الله على الأرض، ليس بالهداية والإقناع والموعظة الحسنة، فهم لا يملكون أسبابها، بل بالإكراه والعنف، لأنهم يؤمنون إيمانا رسّخه في أذهانهم الساذجة دعاة متزمتون، بأنهم هم المهتدون والناس من دونهم غنم شاردة، حتى أولئك الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويحجون إلى بيت الله الحرام‭.‬ فالغاية عندهم ليست المواظبة على الشعائر أو التحلي بمكارم الأخلاق، بقدر ما هي تأسيس مجتمع طوباوي يأتمر فيه الناس راغبين أو راهبين بما يملى عليهم‭.‬ مجتمع تطهير عقدي لا بقاء فيه إلا لمن امتثل للفكر السلفي وطبقه بحذافيره‭.‬ وقد رأينا مآل ذلك النزوع الطوباوي إلى مجتمع "فاضل" على طريقة طالبان وبوكو حرام وداعش، حيث يسلب الناس أبسط حرياتهم، وترتكب أبشع الجرائم باسم الدين‭.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬

إن للطوباوية وظيفة مزدوجة داخل الخطاب السياسي فهي تقترح قطعا راديكاليا مع النظام القائم، وتقترح في الوقت نفسه نموذج المجتمع المثالي، فليس التطور البسيط المتدرج هو ما يشغل الطوباويين، بل القفزة النوعية الراديكالية والقطيعة التي لا لبس فيها ولا محيد عنها‭.‬ والمعروف أن الطوباويات على اختلاف مشاربها تقوم على فكرة التخطيط لمستقبل أفضل يطيح بالواقع ويقلبه رأسا على عقب، ولكنها من فرط حرصها على الامتثال لمنظومة من القيم تعتقد أنها الأصلح، والأجدر بتحقيق الكمال على وجه الأرض، تنقلب إلى آلة جهنمية تسحق كل مخالف وتدمر كل معارض، دون أن ترى في ما ترتكبه جرائمَ، بل وسائل لفرض نمط مجتمعيّ جديد، ولو بالإخضاع والغصب، وسفك الدماء إن اقتضى الأمر، كما هي الحال الآن في ليبيا وسوريا والعراق‭.‬ ‬‬‬‬

في كتابه "الطوباوية والجريمة"، يعتقد المؤرخ الفرنسي فريديريك روفيلوا أن الطوباوية ليست الفردوس الجميل الذي يكون فيه كل شيء على ما يرام، ويعانق في أعطافه البشر الأسوياء السعادة، وإنما هي، كما صورها من قبل توماس مور في كتابه "يوطوبيا" (1516)، بناء مصطنع لمدينة فاضلة يؤدي حتما إلى خسائر جانبية حسب التعبير الرائج في هذه المرحلة، كوضع حدّ للحريات ودحر الأعداء، أو الذين يُحسبون كذلك، ثم القضاء عليهم‭.‬ ويضيف : "إذا أردنا تحقيق الكمال في هذه الدار الفانية، فسوف نجد أنفسنا منقادين لتحقيق الجحيم‭.‬" ويضرب مثلا على ذلك بالنازية (رغم أن بعض المفكرين والمؤرخين يستثنونها من هذا الحقل، لرفض رموزها أنفسهم هذه المصطلح منذ عام 1850، بعد أن حاد عن معناه، وصار في نظر ماركس وأنغلز مرادفا للفكر اللاعقلاني وللشيء المستحيل ) فيقول: "لما كانت الطوباوية التحام الحلم بالمشروع الذي يراد تحقيقه، عدّت النازية نوعا من الطوباوية‭.‬" وما الكلّيانية في نظره إلا طوباوية حققت أهدافها، أي أنها رصدت ما يكفي من العناصر المناهضة للحريات، وأرست قيما جديدة هي أشبه بالقوانين التي لا حق لأحد أن يجترئ عليها، فدون ذلك هلاكُه‭.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬

جاء في كتاب "هتلر قال لي"، لهرمان راوسشنينغ أن الفهرر من خلال تمجيده العرق وإشادته بالدم وعبادته الدولة عمل على تمكين الآريين من استعادة مجدهم الآفل‭.‬ وهو ما يحرص عليه الجهاديون، والرؤية التي أوحت بذلك المشروع تحمل كل علامات اليوطوبيا، أي كل ما يساهم في أن يوجد على هذه الأرض حكومة مثالية تجسد الفكرة النظرية‭.‬ ولكن اليوطوبيا التي توحي في الظاهر بالسعادة والفرح والحرية والغد الباسم والإنسان الجديد والعالم المثالي عادة ما تتكشف عن واقع مغاير حال وضعها موضع التطبيق، وتتحول إلى آلة قتل وتدمير، كما نرى الآن في كل ساحة ترفع "الجهاد" شعارا‭.‬ ‬‬‬‬‬‬

كذلك ستالين وموسيلّيني وماو تسي تونغ وكيم إيل سونغ وفيديل كاسترو وسائر الطغاة الذين وضعوا كتيّبات بكل ألوان الطيف (بيضاء وحمراء وخضراء‭...‬ ) حمّلوها أفكارا توحي بأن سبيل الإنسان إلى حياة الكِفاية والعدل والحرية والكرامة مرهونة بتطبيقها، فإذا هي تشرّع للقهر والجور، وتسلب الإنسان حقه في مواطنة كريمة، ليصبح عبدا منزوع الرأي والإرادة، باسم الفضيلة حينا، والنقاء حينا آخر، وتعاليم "شرعية " ليست من الدين في شيء في أغلب الأحيان‭.‬ وليس مهما ما تحويه اليوطوبيا، فكل شيء مباح لإقامة جنة الخلد على الأرض وتعهّدها والمحافظة عليها‭.‬ ‬‬‬‬‬‬

ولا نعجب بعدئذ أن نرى الرؤوس تتطاير بحدّ السيف، وترفع كغنائم حرب مع صيحات تكبير عالية، وأجساد النساء ملطخة بالدم تحت أكداس من الحجارة، وأعضاء الأطفال مبتورة أو مشوهة، لأنهم لم يمتثلوا لمن يزعمون قيادهم إلى الجنة.


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس فرنسي
  • خارج‭ ‬الجنة‭ ‬الفرنكفونية
  • ماذا يتبقى من مايو 68؟
  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية