إعدام‭ ‬التاريخ

الجديد  [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(81)]

لم تكن أعمال إبادة وإعدامات جماعة للبشر وحسب تلك التي شهدها العراق وسوريا، خلال السنوات الأربع المنصرمة، بل وعمليات تطهير وإبادة للتاريخ، للحجر بوصفه وثيقة حضارية، وللمكتبات والارشيفات القديمة التي سجلت تاريخ هذين الشعبين العريقين‭.‬

ولئن كان موعد احتلال العراق والوصول بالدبابات إلى قلب بغداد حدثا مروعاً للعرب، فإن مشهد نهب المتحف الوطني العراقي في ظل الدبابات والأعلام الأميركية، كان المشهد المرجعي لغزاة الداخل الذين سيهون عليهم قصف مدنهم وقراهم بقنابل الطائرات والصواريخ العابرة للمدن وأخيرا بالبرامل المتفجرة، في عملية إبادة جماعية غير مسبوقة للبشر والحجر معا، للإنسان والوثيقة الحضارية الدالة على عراقته وعلى مكانته في تاريخ الامم‭.‬

إنه إذن إعدام التاريخ، بعد أن أمسى إعدام إنسانه حدثا يوميا تتناقله شاشات التلفزة كما لو كان شريطا سينمائيا مثيراً، لكنه الشريط الذي لا يتوقف، الشريط الذي بلا نهاية، وقد استبيحت معه كل القيم التي كرستها كخطوط حمر النتائج الوخيمة لحربين عالميتين‭.‬

هنا في هذا الملف يتكشف العار الإنساني كاملا، فقد شارك الجميع في عملية إعدام للتاريخ‭.‬ شارك الغرب وشارك الشرق‭.‬ شارك نظامان جائران في العراق وسوريا في هدم الآثار وسرقتها والمتاجرة بها، وشارك الغرب، أميركا، خصوصاً، بالصمت على الجريمة وغض النظر والسماح بها‭.‬ شاركت دول مجاورة للعراق وسوريا في الحملة على الإنسان وتراثه؛ إيران من جهة، وتركيا من جهة‭.‬ الأولى كغازية وراعية للعصابات الطائفية، والأخرى كمسهل لمرور الجماعات المتطرفة ولصوص الآثار الذين تقاطروا من كل حدب وصوب‭.‬

الجريمة كبيرة، والخسارة الحضارية مذهلة‭.‬ فالتدمير والنهب طال تراثا إنسانيا يشهد على فجر الحضارة البشرية‭.‬ لكن ما تعرض له هذا التراث يجعله يبدو، اليوم، تراثا محلياً يتيماً‭.‬ هنا ملف، بأقلام عراقية وسورية وشهادات دولية يروي القصة الأليمة

قلم التحرير


نحات‭ ‬وكاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬غرناطة