مجزرة‭ ‬الحجارة

شهد موقع تل حلف الأثري الواقع في مدينة رأس العين عند منابع نهر الخابور على الحدود السورية‭-‬التركية، على بعد ‭(‬60‭)‬ كم إلى الجنوب من سلسلة جبال طوروس، والتابع إدارياً لمحافظة الحسكة أول مجزرة تاريخية‭.‬ راح ضحيتها العديد من اللقى الأثرية الهامة التي احتضنتها سوياته الأثرية يوماً ما من العصر الحجري النحاسي مروراً بالفترة الآشورية، الآرامية، الهلنستية والرومانية انتهاء بالعصر الإسلامي‭.‬

الجديد  ختام غبش [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(100)]

آثار كم نل حلف في المدخل الرئيسي لمتحف حلب
بدأت أعمال التنقيب في تل حلف الأثري منذ الأعوام ‭ ‬1911-1913‭ ‬ من قبل البارون الألماني ‭ ‬ماكس فون أوبنهايم‭ ‬ الذي تمكن من إدراك أهمية موقعه من خلال زيارة قام بها في حوض الخابور في العام 1899 عندما كان يشغل منصب دبلوماسي، وبعد اثني عشر عاماً عاد إليه وحاملا وثيقة رسمية تسمح له بإجراء أعمال التنقيب الأثري في الموقع حيث استطاعت أوثق الصلات التي كانت تربطه بابن ابراهيم باشا أن تؤدي دورها في إتاحة المجال أمامه‭.‬ يعود الفضل إليه في الكشف عن حضارة امتدت على الألف السادس والخامس قبل الميلاد، أعطت اسمها لثقافة انتشرت وتائر تطورها على مساحة شاسعة من سوريا، بلاد الرافدين والأناضول إلى جانب أماكن أخرى عثر بها على خصائص هذه الثقافة‭.‬ أجريت في الأعوام ‭ ‬1927-1929‭ ‬ سلسة جديدة من هذه التنقيبات التي أعطت العديد من المكتشفات الهامة والتي استطاع البارون أوبنهايم نقلها إلى برلين محتفظاً بها في مخزن تعرّض للقصف خلال الحرب العالمية الثانية لتكون الضحية الأولى الموثقة على مرحلتين‭:‬ الأولى كانت بنهبها وانتشالها من موطئها، والثانية تكمن في جريمة تدميرها‭.‬ خضعت بعدها هذه اللقى لأعمال الترميم وهي الآن تسكن متحف ألبير غامون في برلين‭.‬ يعد موقع حلف واحداً من مجموعة كبيرة من المواقع التي جردت من محتوياتها وهُجّرت هي الأخيرة نحو متاحف أوروبا وخزائنها‭.‬

انتهى القرن العشرون ليفتتح القرن الحادي والعشرون “2001“ بعملية تدمير ممنهج لآلاف من التماثيل البوذية القديمة من قبل حركة طالبان في افغانستان‭.‬ تحت بند “يمكن لهذه التماثيل أن تكون آلهة بالنسبة إلى الكفار، التي لازال حتى يومنا هذا هناك من يعبدها ويقدسها، لذلك لا بد من هدمها كي لا تعاود دورها كآلهة من جديد بالنسبة إلى هؤلاء” هذا التبرير الذي صرح به أحد قادة حركة طالبان “مولى محمد عمر”‭.‬

في الوقت الذي نهبت فيه آثار العراق إبان الاعتداء الأمريكي في العام 2003 حيث استبيحت حينها المواقع والمتاحف وباتت عرضة للنهب والسرقة‭.‬ ولازالت العديد من هذه القطع قيد المجهول بالرغم من استرجاع بعضها الآخر نتيجة المطالبة والملاحقة الحثيثة لها‭.‬

مثّلت هذه المشاهد الوجه الثابت، القاتم والمرافق لكافة مراحل الانحطاط والركود التي تعصف بتاريخ كل منطقة‭.‬

إلا أن التراث الثقافي السوري كان الأحلك واقعاً والأسوأ حظاً من بين جميع النكبات التي طالت البقايا الأثرية على اختلاف جغرافيتها‭.‬ فلقد تناسبت سوية الانتهاكات بحق هذا الإرث الحضاري طرداً ووتيرة المواقف السياسية المتصاعدة التي تبناها أبناء كل محافظة‭.‬

فإذا ما عدنا بالتاريخ إلى الجذور الأولى من أرشيف النكبة الأثرية فستظهر محافظة درعا على انها الفاتحة الأولى في قاموس التخريب والتدمير‭.‬ فالبداية هنا تنطلق من الاعتداء الذي تعرض له الجامع العمري في تاريخ ‭ ‬13/4/2013‭ ‬ من قبل القوات النظامية‭.

رسم على البازلت للقطة صيد، وجدت في تل حلف، مؤرخة 850-830 ق.م

يعود الجامع إلى الفترة الإسلامية الأولى، ارتبط اسمه بالخليفة عمر بن الخطاب، تعرض للتخريب وهُدمت مئذنته‭.‬ ويعتبر هذا التخريب هو البداية الممنهجة للتوغل بسياسة طمس الهوية وتدمير الرموز المقدسة كسياسة عقاب جماعية تم انتهاجها تباعاً وباتت هي السائدة لاحقاً‭.‬

وضمن إحصائية المواقع الأثرية المسجلة في درعا تم توثيق 74 موقعا أثريا تعرض للتخريب وأهم هذه المواقع ‭ ‬ نوى‭-‬ تل أم حوران‭-‬ تل الحارة‭-‬ قلعة مزيريب‭-‬ المدينة الأثرية القديمة‭-‬ تل عشترة‭-‬ تل شهاب‭-‬ تل الأشعري‭-‬ أجزاء من القلعة والمسرح في بصرى‭..‬ الخ‭ ‬ وغيرها من المواقع الأثرية الهامة التابعة لهذه المحافظة حيث تراوحت جلّ أعمال التخريب الأخيرة بين أعمال تنقيب سريّة غير مشروعة بغية الاستيلاء على الكنوز حسب الاعتقادات السائدة، سرقة للقطع الهامة، تدمير للسويات الأثرية الموثقة لتاريخ الموقع‭..‬

أما محافظة حمص التي عدّت من أكثر المحافظات السورية الثائرة وأكثرها عرضة لسياسة التدمير والتخريب الذي طال تراثها الثقافي، تعرضت أحياؤها القديمة ‭ ‬ القرابيص، جورة الشياح، الحميدية، جامع الدالاتي، باب السباع وأسواقها القديمة التي تعرضت بمجملها للتدمير الكامل سوق النوري، البازرباشي، الصاغة، الحرير، الفرو، العبي، الخياطين، جامع النوري ‭ ‬يشبه المساجد الأموية كان في الأصل معبد تحول لكنيسة وبعدها إلى جامع‭ ‬ إلى عمليات للقصف المتواصل أدت بموجبها إلى ضياع هويتها التي ميزتها على مدى عقود عمارة البيوت بحجارتها السوداء والمميزة لهيكليتها العمرانية وجمالية الزخارف المطرزة لسواكف النوافذ والأبواب‭.‬ هذا إلى جانب هدم البنية الديمغرافية للسكان وأسس المعتقد الخاص بهم من حيث إثارة النعرات الطائفية التي سرّعت من عملية تفتيت اللبنة الأساسية في تبلور الهوية الحقيقية لحمص‭.‬ في الوقت الذي تعرض فيه جامع خالد بن الوليد والذي يحمل رمزية خاصة بالنسبة إلى أهالي حمص للقصف بالأسلحة الثقيلة فتعرض لأضرار جسيمة في البناء والكسوة الداخلية إلى جانب أضرار إنشائية‭.‬ أما كنيسة أم الزنار التي تأتي رمزيتها من الكشف عن زنار السيدة العذراء في العام 1951 تعرضت هي الأخرى لأضرار جسيمة نتيجة القصف‭.‬ في حين تعرض ريف حمص‭:‬ حوضة الكوم، تدمر ‭ ‬معبد بل‭ ‬ الذي تعرض لأضرار في الجدار الداخلي للواجهة الغربية والجدار الجنوبي وإصابة عدد من الأعمدة وانهيار عمودين، والواحة التي تعرضت للحرق وهي تعود لعصور البرونز، المدافن الأثرية البيزنطية، بلغ عدد المواقع والمباني المتضررة في حمص الـ115 موقعا‭.‬

بينما بلغ عدد المواقع والمباني المتضررة في حماة حوالي 20 موقعا‭.‬ وكانت بالتالي حماة المحافظة الأوفر حظاً من حيث نسبة التدمير والخراب‭.‬ وأهم ما تضرر من مواقعها بشكل متفاوت بين الموقع والآخر ‭ ‬خربة الأندرين، قلعة شيزر، متحف طيبة الإمام، متحف آفاميا للفسيفساء حيث تم سرقة قطعة رخامية من حديقة المتحف الذي بني في عهد السلطان سليمان القانوني، ناعورة الجعبرية التي تعرضت لحريق في أخشابها، قلعة المضيق التي تعرضت لتجريف حول القلعة وتضرر كبير للبنى بداخلها، إلى جانب تعرض العديد من المدافن البيزنطية في الناصرية لأعمال التنقيب والحفر غير الشرعي‭.

الفاجعة الأولى في حلب بدأت بحرق الأسواق الأثرية “سوق الصرمايتية‭-‬ الصابون‭-‬ الطرابيشية‭-‬ الزرب‭-‬ العطارين‭..‬” التي تعد جزءاً هاماً من جغرافية حلب القديمة

في محافظة إدلب تعدُ المدن المنسية من أهم المواقع التي قدمت نتاجاً حضارياً لا يزال قائماً حتى يومنا هذا‭.‬ استوطنت هذه المدن خلال العصر الروماني والبيزنطي، وتتميز هذه المدن بوجود تنظيم معماري لها من خلال شبكة من الشوارع المتعامدة مع بعضها، والتقسيمات المساحية التي تؤلف الجزر فيها، بالإضافة إلى تواجد المباني العامة كالمسارح، الحمامات، الكنائس، الآغورا‭..‬ الخ‭.‬ أهم ما يميزها هو نوعية الزخارف التي تنوعت وكشفت اللثام عن العديد من الرموز التي كانت مهمة في تلك الحقبة إلى جانب التعرف على مخططات للكنائس ونوعيات السواكف التي زينت النوافذ والأبواب من خلال الدراسات التي أجريت من قبل العديد من الباحثين في تلك المنطقة حيث زيّنت هذه المباني باللوحات الفسيفسائية وأعطت معلومات هامة عن طبيعة تصنيع هذه اللوحات والتأثيرات الفنية الموجودة في المنطقة خلال العصر البيزنطي‭.‬ وتعرضت هذه المدن للقصف بكافة أنواع الأسلحة من قبل القوات النظامية‭.‬ إلا إن المأساة لم تنته هنا عند هذا الحد من الضرر فلقد تعرضت هذه المدن للعديد من الأضرار الكارثية لاحقاً بعد سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة عليها‭.‬

وفي إدلب أيضاً تعرض متحف معرة النعمان، الذي كان سابقاً بناء ‭ ‬خان مراد باشا‭ ‬ جرى تحويله إلى متحف عُدّ من أهم المتاحف من حيث اللوحات الفسيفسائية الموجودة به والتي تعود في أغلبها إلى الفترة الرومانية، إلى القصف الذي طال البنية الخارجية للبناء وتأثر البعض من هذه اللوحات، إلى جانب سرقة 30 قطعة من تماثيل وغيرها، وتكسير بعض التماثيل المعروضة في باحة المتحف والتقطت صور تصور عناصر من الجيش النظامي وهم يلعبون ببعض رؤوس التماثيل، أما في الوقت الحالي فهو مكان تمركز للمعارضة المسلحة‭.‬

وفي المعرة أيضاً تعرض الجامع الكبير الأثري إلى قصف طال سوره وتخريب في بعض أجزائه‭.‬ وتأتي أهميته من الأسس الأولى حيث كانت تحمل بقايا معبد روماني جرى تحويله إلى كنيسة، وعند دخول أبو عبيدة الجراح أخد عمارته النهائية التي هي عليه الآن‭.‬ وهنا أيضاً تقوم قلعة أثرية مؤرخة على ‭ ‬ 1235ميلادي‭/‬631 هجري‭ ‬ تعرضت هي الأخرى للقصف بالأسلحة الثقيلة‭.‬ وفي إدلب تعرضت العديد من المواقع الهامة أيضاً مثل ‭ ‬قلعة حارم‭-‬ تل مرديخ ‭ ‬إبلا‭ -‬ تل الكرخ‭-‬ تل آفس‭-‬ تل طوقان‮…‬الخ‭ ‬ لأضرار متنوعة من حيث السرقات والحفريات غير المشروعة، تخريب هائل طال السويات الأثرية، سرقات وتهريب للقطع إلى جانب أعمال التكسير للتماثيل الكبيرة‭.‬ وفي هذه المواقع انتشرت ظاهرة تكسير الحجارة الأثرية بهدف بيعها لإعادة استخدامها في البناء المخالف الذي انتشر ضمن الموقع الأثري ويستخدم في هذا العمل الآليات الثقيلة ‭ ‬بارة‭ ‬‭.‬ إضافة إلى انتشار الحفريات غير الشرعية باستخدام أجهزة حديثة لكشف المعادن والفراغات تحت الأرض وقد انتشرت العملات والقطع النقدية بين السكان‭.‬ لقد سجل تجمع المدن المنسية في جبل الزاوية على لائحة التراث العالمي في ملف القرى الأثرية شمال سوريا العام 2011 ووضع على لائحة الخطر في العام 2013‭‬.

الجامع الأموي بحلب قبل الحرب

أما المحافظة التي نالت النصيب الأكبر من حيث تعرضها لكافة أنواع التدمير والتخريب من كل الأطراف المتنازعة فكانت محافظة حلب فلقد سجلت المرتبة الأولى من حيث العدد الذي بلغ 267 موقعا ومبنى‭.‬ فهنا تمت عملية مسح لغالبية البنى والمواقع الأثرية، فالفاجعة الأولى في حلب بدأت بحرق الأسواق الأثرية “سوق الصرمايتية‭-‬ الصابون‭-‬ الطرابيشية‭-‬ الزرب‭-‬ العطارين‭..‬” التي تعد جزءاً هاماً من جغرافية حلب القديمة والتي أيضاً طالها القصف الشديد وغابت ملامحها المميزة كمدينة قديمة‭.‬ فهنا تقوم العديد من المدارس والجوامع إلى جانب وجود بعض الجوامع التي تضم داخلها مدارس حيث شاع هذا النوع من العمارة في الفترة الأيوبية والمملوكية، أهمها كان “جامع ومدرسة الفردوس الذي أنشأته جامعاً ومدرسة ورباطاً “ضيفة خاتون” زوجة الملك الظاهر ‭ ‬533ه‭-‬ 1235م‭ ‬، جامع ومدرسة العثمانية، جامع المهمندار، جامع السروي، جامع العادلية، السلطانية، جامع الحدادين، المدرسة الخسرفية، مدرسة الحلوية، متحف التراث التربوي، البيمارستان الآرغوني” بناه آراغون الكاملي “755ه‭-‬ 1345“‭ ‬ ولم تنجُ الحمامات والكنائس من أعمال القصف والتدمير فلقد نال حمام يلبغا الناصري ‭ ‬1491‭ ‬ ما نال غيره من التخريب والتدمير، وتعرضت كنيسة الأرمن الأرثوذكس التي كانت في العام 1831 أبرشية للأرمن الكاثوليك للقصف أيضاً‭.‬ وبالانتقال إلى ريف حلب كانت نسبة الدمار والتخريب لا تقل عن مدينتها إلا أن مناطق الريف ذات سويات أثرية أقدم بالمقارنة مع المدينة فهناك مواقع موثقة على العصور الحجرية، عصور برونزية، مرورا بالحديدي، الهلنستي، الروماني والبيزنطي أهمها ‭ ‬ تل حالولة، تل أحمر، تل القرامل، تل العبر، شيوخ تحتاني، شيوخ فوقاني، تل رفعت، سيروس، قلعة نجم في منبج حيث تقوم مجموعة متخصصة بالآثار بالحفر بالتريكسات الثقيلة، المدن المنسية ” قلعة سمعان، كالوتة، رفادة، براد”، جبل خالد‮…‬الخ‭ ‬ وهنا انتشرت سياسة حفر المقالع في الجبال والواجهات الحجرية واستخدم الديناميت في بعضها‭.‬

وبالانتقال نحو المناطق الشرقية والشمالية الشرقية وفيها تتمركز أهم المواقع الأثرية فإذا ما بدأنا بدير الزور التي كانت أيضاً من أكثر المحافظات التي لحقها الدمار والتخريب‭.‬ تعرضت للقصف الشديد بكافة أنواع الأسلحة‭.‬ بلغ عدد المواقع المتضررة فيها حوالي 83 موقعا، وكان الجسر المعلق الذي يقع في مركز المدينة أولى الخرائب التي نجمت عن القصف الشديد الذي طاله ويعود الجسر للعشرينات من القرن العشرين تم بناؤه في فترة الانتداب الفرنسي وهو الآن في حالة الانهيار الكامل، وتعرض أيضاً السوق المقبى “سوق الحدادين‭-‬ التجار‭..‬” الذي بني في العهد العثماني ‭ ‬1864‭ ‬ والذي يحتوي بداخله على باب أثري يعود للعصر نفسه إلى القصف الشديد وهو الآن على شكل بقايا من الركام‭.‬ أهم المواقع الأثرية هنا كان موقع ماري الذي يؤرخ فترة ازدهاره على الألف الثالث والثاني قبل الميلاد والتي عثر في سوياتها على أرشيف مسماري ضم حوالي 25000 رقيما قدمت العديد من الوثائق المهمة عن العلاقات السياسية القائمة في تلك الفترة بين الممالك القديمة‭.‬ جرى سرقة محتويات بيت البعثة، حفريات سرية في عدة أماكن من القصر الملكي، معبد عشتار وربة الينبوع‭.‬ في حين تعرض أيضاً موقع دورا أوروبوس للعديد من الأضرار التي تراوحت بين أعمال سرقة وحفر وتخريب للمباني القابعة فيه إلى جانب تعرض مسرحه إلى أضرار جسيمة‭.‬

موقع العشارة “ترقا قديماً” وهو من المواقع الهامة جداً والتي تعود إلى نهايات الألف الرابع قبل الميلاد تعرض لتجريف بواسطة التريكسات وإزالة لسور المدينة الأثري إلى جانب أعمال التنقيب السري‭.‬ أما قلعة الرحبة التي تقع على الضفة اليمنى من الفرات تعرضت أجزاء منها للتدمير بفعل المعارك الدائرة بين القوات النظامية وقوات المعارضة‭.‬ وفي موقع تل الشيخ حمد “دوركاتليمو” ويعد من أهم مواقع العصر الآشوري الوسيط تم استعادة تمثال نصفي ذو أهمية كبيرة عن طريق مؤسسة سعادة حيث تم استخراجه بطريقة الحفر الجائر وتهريبه خارجاً‭.‬ في حين تعرض المتحف لأضرار مادية وتم افراغ المتحف من محتوياته وهي الآن محمية في مستودعات‭..‬

محافظة الحسكة تم تخريب 89 موقعا سجلت فيها‭.‬ تضم هذه المحافظة مواقع غنية بالوثائق المهمة وأغلبها يقع على منابع نهر الخابور وفروعه وأهمها “تل حلف، تل الفخيرية، تل ليلان، تل بيدر، تل خزنة كبير، تل أبو حجيرة، وجسر عين ديوار‭..‬” وهي مواقع في معظمها تعود إلى بواكير الحضارة بدءاً من العصر الحجري النحاسي وحضارة أوروك حتى العصور الإسلامية‭.‬

من أخطر المشاهد التي شهدها التراث السوري هو سياسة عدم الوعي وغياب ثقافة المجتمع المحلي الذي لم ينظر إلى هذه البنى أو المواقع إلا على أنها مصدر للكنوز وتحوي في طيّاتها العديد من الحلى الذهبية والعاجية وغيرها من أحجار كريمة ذات قيمة مادية كبيرة، لم توجد يوماً مؤسسة تعنى بترسيخ هذه الثقافة والتعريف بأهمية هذه التلال التي كرس لحمايتها حراساً عملوا بها طيلة أوقات السنة خوفاً من تعرضها للاختراق والتخريب، وبعضهم الآن بات شهيداً كونه اختار البقاء هنا لحمايتها بعد الاطلاع على مخزونها الهام باختلاف أدواته‭.‬

هذه الثقافة الغائبة كرّست سياسة عدم الاكتراث بأهميتها ونتيجة لعدم الإدراك هذا فلقد جرى تحويلها لتكون ساحات للمعارك وتأتي الأسباب بالمرتبة الأولى كأهمية مواقعها الاستراتيجية حيث تشكل نقاط ارتكاز عالية تشرف على المناطق المجاورة وتكشف حدودها‭.‬ وخير مثال على ذلك قلعة حلب التي تتموضع على تل مرتفع اتخذتها القوات المعارضة مركزاً لها‭.‬ لم تتوان القوات النظامية عن قصفها فتعرضت الأجزاء الخارجية منها للتخريب ولا بد من الإشارة إلى أن قلعة حلب تضم في سويات مؤرخة على عصور مختلفة‭.‬ وتعرضت أيضاً للقصف من قبل قوات المعارضة بعد إجلائهم عنها لتتمركز القوات النظامية بها‭.‬ فقصفت قلعة حلب من كلّ الأطراف كأغلبية المناطق المنكوبة في الوقت الحالي‭.‬

نموذج آخر يمثل هذا المشهد أيضا تركز بقلعة الحصن الواقعة في محافظة حمص والتي تعد من أكبر القلاع السورية والمسجلة على لائحة التراث العالمي‭.‬ خضعت القلعة لتمركز مسلح من قبل قوات المعارضة وهنا أيضاً أعيد المشهد ذاته فتعرضت للقصف الذي محا العديد من زخارفها النادرة وخاصة تلك التي كانت تزنر قناطر “قاعة الفرسان”‭.‬

ركزت في بداية هذا البحث على التحدث عن المواقع التي تعرضت للقصف بكافة أنواعه الممثلة بالطائرات والدبابات لترتسم النهاية قاتمة غير متنصلة من بنية المشهد بل وتحمل العديد من خبايا سيناريو موغل في الجريمة‭.‬ فكان لكلّ فعل إجرامي طبق بحق هذه الأوابد مذبحة مدروسة تم وضع أسسها من قبل مفتعلي الجريمة الأولى، شارك في صنعها العديد ممّن دخلوا البداية راغبين في إنهاء كل مدلول يمت للهوية بصلة، والتي تبلور خطها لاحقاً بقوى ظلامية أخذت على عاتقها متابعة خطوط النسف والتدمير وكل ما يمت لها بصلة‭.‬ فكان التراث الحضاري في كل من سوريا والعراق بشكل خاص موطئا لها والتي ساهمت الفوضى الحالكة بإنتاج ممراً لها، تم تجسيدها لاحقا بشبح استطاع أن يفرض وجوده ويصبح فزاعة المرحلة إنه “الشبح العقائدي”‭..‬ لعبت فيه التيارات الإسلامية المتشددة الدور الأساسي في منظومة هذه المرحلة والتي يأتي في مقدمتها “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” الذي تابع الخطوات الأولى التي تم العمل عليها، من محو للهوية الأساسية للحضارة والمجتمع السوري مستعينا بشعائر الإسلام وقوانينه في تطبيقها للأحكام الجائرة بحق الإنسان والتاريخ وشكلت إحداثيات المكان تربة خصبة لتفاقم هذا الوباء‭.‬ فبدأت انطلاقته كباقي الحركات المشوهة للتراث من مبدأ تحريم الأوثان والأصنام ليجد في هذا البند مبرراً لسياسة الهدم والتكسير بحق العديد من هذه الرموز التاريخية، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك حينما قرر إحياء شعائر الإسلام المموهة ونبذ الأديان الأخرى فبدأ بتجريف مقدساتهم وسلب معتقداتهم‭.‬ وامتد جزره نحو هدم المقامات والمزارات المقدسة في العديد من المناطق بتهمة تحريم تقديس الأشخاص‭.‬ ففي درعا وبالدقة في مدينة “نوى” وبتاريخ ‭ ‬7/1/2015‭ ‬ تم تدمير مقام الإمام النووي من قبل جبهة النصرة‭.‬ لم يكن المقام مزاراً ولا مكاناً للتعبد ولا التبرك بل كان موقعاً أثرياً أكثر منه دينياً‭.‬

وفي حلب أيضاً تم تدمير ضريح أحد الأولياء الصوفيين “قبر الشيخ محمد النبهان وعائلته” في جامع الكلتاوية من قبل جبهة أنصار الدين‭.‬ يوجد داخل المدرسة مسجد النبهانية الذي يحوي الضريح‭.‬ إلى جانب القيام بعمليات تفجيرية في محيط المواقع الأثرية راح ضحيتها العديد من المباني الأثرية الهامة‭.‬ وفي السويدا أيضاً تم هدم مقام ديني في قرية الحقف بريف السويداء الشرقي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية‭.

الجامع الأموي بحلب خلال الحرب وقد زالت مئذنته من الوجود

في الوقت الذي كانت فيه محافظة الرقة الضحية الأكبر في تاريخ هذا التنظيم فلقد كانت عاصمة لهم أجري إخلاء القوات النظامية من معظم أجزائها لتملأ عناصره هذه الفراغات‭.‬ وهنا تمكن المتطرفون من الاستيلاء على كافة المواقع الأثرية التي عدت بالنسبة إليهم إلى جانب حقول النفط وريداً يمول أعمالهم‭.‬ ففي أغلب مواقع الرقة تم القيام بأعمال حفر جائر وسرقة للقطع الأثرية وتخريب التسلسل التاريخي للسويات إلى جانب استخدام المعدات الثقيلة في الحصول على هذه القطع‭.‬ من أهم هذه المواقع ‭ ‬الرصافة “هدمت أجزاء من السور الأثري في الجهة الغربية لإحداث فتحة لمرور الآليات‭-‬ تل الشيخ حسن‭-‬ تل الصبي أبيض” أهم المواقع المؤرخة على الألف السادس قبل الميلاد”‭..‬‭ ‬ في الوقت الذي تعرض فيه متحف الرقة للقصف من قبل الطيران النظامي وتعرض للتخريب في بعض أجزائه‭.‬

في نهاية المطاف والجدير بالذكر أن سياسة الإهمال والآلية الكارثية في التعامل مع الكنوز الأثرية لم يكن وليد المرحلة الراهنة التي ألقت بظلالها في السنوات الأخيرة، فالقلاع التي لم تطلها القذائف ولم تكن على احتكاك مع مناطق الصراع المسلح كانت قيد الإهمال وطيّ النسيان‭.‬ فقلعة القدموس التي تقع في مدينة القدموس ‭ ‬تبعد عن مدينة بانياس 30 كيلو مترا شرقا و70 كيلو مترا عن مدينة طرطوس‭ ‬ والتي يجب إدراجها ضمن قائمة المواقع المنكوبة تعرضت للتخريب‭.‬ فلقد جرى إعادة الاستفادة من حجارة القلعة في بناء مبان للسكان المحليين، إلى جانب استيطان بعض الأقسام وتحويلها إلى مطابخ، قن دجاج ومناطق لشي اللحوم‭.‬ والمنظر الأكثر تشوهاً هو ترهل حجارة أقسام أخرى وتراكمها فوق بعضها البعض حيث تمت الاستفادة من المشهد في جعل المكان مكباً للقمامة وهي تمتد على مساحة لا بأس بها‭.‬ إلى جانب قلعة المضيق الواقعة على تل مرتفع في الجهة الشرقية من سهل الغاب الذي يمر منه نهر العاصي بالقرب من مدينة آفاميا الأثرية، تعود القلعة إلى ما قبل العهد السلوقي وهي حتى الآن مأهولة بالسكان الذين يقدر عددهم بحوالي 18000 نسمة‭.‬ ولم تتخذ الاجراءات اللازمة بهذا الخصوص حيث لازالت القلعة تخضع للعديد من الأعمال التي تهدد تاريخها‭.‬

في هذا الوقت تجري به عملية محو ممنهجة لهوية دمشق التاريخية منذ وقت ليس بالقليل، ففي هذه المدينة نفسها العديد من البنى الأثرية الآئلة للسقوط والتي يعود أغلب عقود ملكيتها للدولة وهي من أهم الرموز التي لازالت تحافظ على هوية دمشق وهويتها كأقدم عاصمة في التاريخ، هي الآن مهملة ولم يبقَ منها سوى بعض البقايا التي توحي بمدى أهمية زخارف أسقفها وقناطرها التي صمدت على مدى التاريخ ونكباته‭.‬ فآلية محو وتدمير الدلالات والرموز التي تميز هوية مدينة عن مدينة أو شعب عن شعب يمهد لمسح كامل لهذه الهوية‭.‬

فبناء الفصول الأربعة الذي نُصّب في مركز مدينة دمشق حيث أبنيتها التاريخية الممثلة بـ”بناء تكية سليمان القانوني، وبناء المتحف الذي يعود للعام 1919 م، بناء الجامعة وغيره من الأبنية التاريخية‭ ‬ يظهر بشكل مخل ومشوه لروح المكان‭.‬ جرى جرف العديد من مباني هذه البقعة التي كانت متخمة بأبنية تحمل روح دمشق، إلى جانب تجفيف وريدها الممثل بنهر بردى الذي لم يبقَ منه سوى بضع بلاطات ترصف أعمدة الباطون والإسمنت‭.‬

نهاية لا بد من التذكير بأن الحكومة السورية لم تصادق على اتفاقية لاهاي للعام 1954 المختصة بحماية التراث الثقافي في حال النزاعات المسلحة، ولم توقّع أيضاً على التعديل الذي حصل عام 1999 ولم تصادق على اتفاقية باريس للعام 1970 ومضمونها حماية الممتلكات الأثرية وحظر منع استيرادها ونقل ملكيتها.


‭ ‬خبيرة‭ ‬بالآثار‭ ‬من‭ ‬سوريا