الجغرافيا‭ ‬المستباحة

للقصَّةِ بدايتان أو أكثر، إحداهما تنطلقُ من الأراضي التركية الحدودية مع سوريا حين يأتي الأمرُ من خبيرٍ بالآثار يتبعُ عصابةٍ تشتغل باقتناص الفُرَص المواتية للبدء بحفرِ الأرضِ من أماكنَ مُناسبةٍ يعتقدون جازمين أنَّها تحوي في باطنها كنوز الأقدمين، أمّا البداية الثانية فهي تأتي مُصادفةً حين يقوم عنصرٌ مُسلَّحٌ بالحفر اعتباطاً قُربَ الأماكن الأثرية ليجدَ كنزاً دفيناً لم يرَهُ أحدٌ منذ مئاتٍ و ربما آلاف السنين‭.‬

الجديد  عبدالله مكسور [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(106)]

منحوتة ذهبية تعود إلى مملكة 'قطنا' السورية القديمة
نزيف الآثار السورية والعراقية بلغَ أقصاهُ في الأشهر الأخيرة ولكنَّهُ بدأ منذ انطلاق عمليَّات التنقيب الأثرية في المنطقة عام 1923 عندما كانت البعثات الأجنبية تُشرِفُ على استخراج اللُقَى التاريخية القديمة بعد الاتفاق مع السلطة القائمة حينئذٍ على نسبةٍ يتم تحديدها من مُجمَل اللُقى ليكون نصيب الأسد الثمين راحلاً إلى المتاحفِ الأجنبية، تلك الآثار التي تحمِلُ في طيَّاتِها التكوين الحضاري للإنسان الحالي المُعاصِر، ومن هنا يُمكِن القول إن آثار سوريا والعراق تعرَّضت لعمليات سرقَة مُنظَّمَة بشكل مُستمِر منذ ما يُقارِب ثمانية عقود مُتواصلة ولكنَّها أخذت تحديداً في العراق شكلاً جديداً واضحاً بعد نيسان أبريل من عام 2003 م أي منذ الاحتلال الأميركي لبلاد الرافدين حيث وقف جند المارينز وقوات التحالف مُتفرِّجين على أكبر عملية نهبٍ تمَّت في وضح النهار، فالعراق وحدَهُ بحسب الإحصاءات العلمية تعرَّض في الفترة بين عامي 1991 م و2003 م إلى سرقة أكثر من أربعة آلاف قطعة أثرية بينما فقدَ أكثر من خمسة عشر ألف قطعة أثرية تتنوَّعُ بين التماثيل والألواح التي تحمل نقوشاً كتابية بعد الحرب الأميركية التي وقعت عام 2003.‬

أما على الجانب السوري فإن الإحصاءات عن عمليات تهريب الآثار مُغيَّبة أو غير موجودة لأنَّ هذه الصفقات كانت تتم كما تقول الكثير من المصادر تحت إشراف النظام السوري أو عناصر لها نفوذ كبير في بنية الدولة الحاكمة‭.‬ ولكن بعد مرور أشهر على وقوع الانتفاضة السورية بدأت الآثار السورية بالظهور بشكل كبير جداً في الخارج، ونشطت عمليات التهريب والنهب التي باتت تسير بشكل ممنهج وبعمليات منظمة عبر شبكات عالمية لها جذورها في الأرض السورية وامتدادها في العمق التركي أو دول الجوار السوري‭.‬ وفي هذا الاتجاه تعرّض أكثر من أربعة عشر متحفا سوريا للنهب أو القصف أو التكسير بين عامي 2011 م و2012 في خطوة كانت الأولى علنيّة لاستباحة الكنوز التاريخية التي تحتويها هذه الأماكن التي لم تكن تحظى بالحماية اللازمة، نحن إذن أمام تواطؤ حكومي سوري رسمي أدّى إلى انهيار الكتلة التاريخية الموجودة في المتاحف مع انطلاق الانتفاضة السورية وبعد ذلك مع تعقُّد الملف السوري وظهور الحركات الراديكالية الإسلامية التي رسمَت حدودها خارج التاريخ والجغرافيا معاً بدأت القوات السورية النظامية باللجوء إلى الأماكن التاريخية لتكون مقرَّاً لها فلوحظ انتشار الكتائب العسكرية و القناصين في قلعة حمص وقلعة حماة والمئذنة السلجوقية للجامع الأموي في حلب وكذلك القلعة الكبيرة في حلب شمالِ سوريا، أمام كل هذا الاستهتار بالمكوِّنات الأثرية للتاريخ السوري برزت عصابات الاتجار بالآثار والكنوز القديمة لتجد من الساحة السورية والعراقية مكاناً ملائماً لنشاطها العابر للحدود‭.‬

المواجهَةُ الصادِمة

إنَّ مواجهة الحقيقة الصادمة تُحتِّم علينا أن نقول إنَّ كل هذه الخسارات التي نراها أو نسمع عنها في رحلة النزيف المستمر للإرث الحضاري التاريخي في البحث عن قطعٍ معدنيَّةٍ وأوان برونزية أو ذهبية ما لبثت أن اتَّخذت شكلاً احترافياً بعد أن تمَّ بناء شبكة علاقاتٍ عنكبوتية بدأت من الأرضِ التي يتم العثور فيها على كنزٍ حقيقي وانتهاءً بالعلبة الزجاجية التي يتم عرضُ التحفةِ فيها خلف إضاءةٍ وفيرة على مِنصَّةٍ في أحدى مدن العالم البعيدة عن الحرب، مستخرِجو هذه الكنوز من الأرض هم سكّان القرى التي تحيط بالموقع الأثري الذين يحصلون على موافقة مقاتلين من ضفّتي الحرب فقدوا الأمل بمستقبلِهم فباعوا ماضيهم بالسعر الذي تمَّ طرحُهُ وسط صمتٍ مُذهلٍ من الجميع ، قريبين وبعيدين، ممن وقفوا مُراقِبينَ ما آلت إليه هذه الرحى التي دارت على الإنسان بماضيه وحاضرِه على حدٍّ سواء‭.‬

بحسبِ الإحصاءات العالمية فإنّ ما تمَّ إخراجه من سوريا يتعدّى بكثير ألواحاً تعود للعصر البرونزي منقوشٌ عليها بالكتابة المسمارية فضلاً عن الفسيفساء التي تمّ إخراجها من كنيسة القديس سمعان وأفاميا والتي يؤرَّخُ عمرها في عمق التاريخ لأكثر من ألفي عام وتلك التي وُجِدَت في ريف حماة وريف إدلب أيضاً، ولم يقف النزيف ها هنا بل تعدّاهُ إلى دقَّة عاليةٍ بدأت بمعرفةٍ بسيطة ثم غدَت علماً قائماً يعرف ممارسوه أين يحفرون مثل عمليات الحفر غير الشرعية التي تمّت في موقع دورا أوربوس على الفرات حيث قام سكان القرى المجاورة للموقع والذين كانوا يعملون مع البعثة الأثرية السورية – الفرنسية بفتح مربَّعات تنقيب نظامية ضمن قطاعات معيَّنة بشكل يُشبه إلى حدٍّ كبير عمل الآثاريّين المحترفين دون أيّ توثيق لأنَّ غايتهُم تنحصر في إيجاد اللقى الآثارية لبيعها أو تهريبها، نحن هنا أمام حالة من اللاوعي الذي يسيطر عليه الجشع المادي بكلِّيَتِه ليكون التاريخُ سلعةً بعد أن سقط قدسيته مع ما سقط من قدسية حياة الإنسان‭.

فنحن أمام حالة من اللامبالاة تبدأ من لحظة عرض القطعة الأثرية في الريف السوري أو العراقي وصولاً إلى المسارح في المزادات العالمية

بدأ ناقوس الخطر العالمي بشكل حقيقي بالتنبُّه إلى هذه المجازر التي تصيب الكنوز الأثرية والتي لا تقلُّ بشاعةً عن تلك التي تصيب الإنسان بفعل الطائرات والصواريخ والرصاص العسكري بعد أن احتدّت الاشتباكات العسكرية في حلب شمالي سوريا وتحديداً في المدينة القديمة وحين اشتعل الجامع الأموي وما حوله ناراً‭.‬

الفوضى القاتلة

أمام كل هذه الفوضى وانتشار سماسرة التهريب بين مختلف المدن السورية والعراقية والتواصل مع المدن المحاذية للحدود في دول الجوار السوري والعراقي لا توجد إحصائيات حقيقية دامغة واضحة المعالم لما تمَّ الإجهاز عليه أو استخراجِه من لقى وكنوز أثرية، وذلك يعود للصعوبات الجمَّة في الوصول إلى الأماكن التي يتم التنقيب فيها لوقوعها على خط اشتعال الجبهات فضلاً عن تستُّر من يقع على الكنوز دون اطلاع أحد عليها وبمراجعةٍ بسيطةٍ للتاريخ القديم والحديث للمنطقة نجد أنَّ الحروب التدميرية منها والاستعمارية أطاحت بالتاريخ أيضاً من خلال استباحة الموروث الآثاري الموجود سواء في المتاحف أو في الأرض فإن كان الجانب العراقي منذ عشرينات القرن الماضي يخضع لاتفاقيات مُلزِمة مع بعثات التنقيب أو سلطات الانتداب فإن الجانب السوري أيضاً لم يستطع النفاذ من هذه الشبكة والذي عزَّزها فيما بعد فساد المنظومة السياسية الحاكمة التي أدَّت إلى انهيار أخلاقي في العقد الاجتماعي ساهم بشكل كبير في التفريط بالكنوز التاريخية التي كانت تتمُّ صفقاتها فيما مضى في الظلام أما اليوم فهي تتم في النور المُطلّق وأمام الجميع بعد انتشار الحركات التي اتَّخذت من هذه التجارة باباً كبيراً لتمويل عملِّياتها العسكرية‭.‬

في فيديو نشره عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الشهير الذي هاجموا فيه متحف الموصل ومدينة نينوى الأهم في العالم بين أقرانِه تمَّ خلال خمس دقائق تدمير ما بقيَ من حضارة الدولة الآشورية والذي احتفظ بها المتحف لعقودٍ طويلة وهذا الفعل يصفه الدكتور شيخموس علي رئيس الجمعية السورية للآثار بالكارثة الإنسانية والذي يُضاف إلى الجرائم بحق الإنسان السوري والعراقي على حدٍّ سواء حيث تمَّ في تلك الواقعة تم تدمير تماثيل قديمة ونسخ حديثة لتماثيل قديمة نُقِلَت إلى المتحف العراقي في العاصمة بغداد عام 2003 م، فضلاً عن مُقتنيات هامَّة اكتُشِفَت في مملكة الحضر مثل تمثال هرقل و الملك سنطروق والملكة آثال بالإضافة إلى تمثالَي الثور المجنّح أو لاماسو التي كانت تُزيِّنُ مدخل بوابة نركال في نينوى التاريخية وطال التخريب والتدمير أيضاً بحسب شيخموس المنحوتات التي كانت تُزيِّنُ قصر الملك سنحاريب في تل قوينجق بنينوى وبهذا الفعل التدميري تكون الدولة الإسلامية في العراق والشام وعناصرها قد نسفوا جزءاً كبيراً من المُقتَنَيات التي تعودُ للعصر الآشوري الحديث‭.‬

هذا السقوط الأخلاقي ليس وليد اليوم فالمُتطرِّفون الذين يسعَونَ إلى نشر الخراب في العالم كان لهم مقابل ومرادف في العصر القديم‭.‬ وهنا يعود رئيس الجمعية السورية للآثار إلى ذكر مسلَّة حمورابي الشهيرة التي تعود للعصر البابلي القديم حيثُ تمَّ نهبُها من قِبَلِ ملوك عيلام الذين اقتحموا بابل عام 1155 قبل الميلاد ونقلوا المسلّة برفقةِ كثيرٍ من إرثِ بابل إلى سوزا في إيران ولا ينسى الدكتور شيخموس ما قام به هولاكو خان الذي دمّرَ بغداد بعد دخولها عام 1258 م‭.‬

ثقافة التدمير نابعةٌ من رغبةٍ في إنهاء كل شيء لفرضِ أمرٍ واقعٍ يُدرِكُ مُفتَعِلُوهُ أنَّه لا يُمكِن أن يستمر فالإحساس بقرب الفناء الذي يُسيطِرُ عليهم يجعلهُم يحثُّون الخُطى سريعاً لإزالة أو إخفاء أو تهريب الآثار عبر شبكاتٍ تمَّت هندستُها بعنايةٍ مُطلَقة، لحظة إنجاز هذا التحقيق من المؤكَّدِ أنَّه في ظل الفوضى التي تعصِفُ في سوريا والعراق هناك عنصرٌ مُسلَّحٌ يعرضُ تماثيل أو مقتنيات ذهبية تعود إلى عصورٍ مُختلفة، سيطلُبُ أرقاماً ماليةً تتناسبُ مع طموحاتِهِ الحالية بينما سيجني المهرِّبُ المال الكثير جرَّاء شراء ما هو معروض، هناك عشرات الحالات التي تمَّت متابعتها وفشلت عمليّات البيع والشراء وظلّت اللُقى بحوزة العنصر المسلَّح الذي فرضَ نفسهُ أمراً واقعاً في تلك البلاد بينما هناك آلاف الحالات التي نجحَ القائمون عليها في نقل التُحف الأثرية إلى المسارح العالمية وهذا ما يجعلنا أمام الحقيقة الثابتة اليوم بحسب الإحصاءات العالمية حيثُ تُدرُّ تجارة التحف والآثار على مستوى العالم ما يتراوح بين 6 و7 مليارات دولار جلُّها يأتي في السنوات الأخيرة من الجانب السوري و العراقي، وهذا يضعنا أمام واقع يكشِفُ عشرات الآلاف من الصفقات التي تمّت بنجاح بعد استباحة البلاد سواء في سوريا أو العراق‭.‬

بعيداً عن الحالة التاريخية التي تُمثِّلُها هذه المقتنيات فإن الخسارة الاقتصادية التي تُحقِّقُها تسرُّب 6 أو7 مليارات دولار من السوق العالمية سنوياً ستؤدي حتماً إلى نوع من الدخول في عجلة الركود الاقتصادي، فنحن أمام حالة من اللامبالاة تبدأ من لحظة عرض القطعة الأثرية في الريف السوري أو العراقي وصولاً إلى المسارح في المزادات العالمية وبمراجعة سريعة للقوانين الدولية في هذا الشأن فإننا نجد استحالة دخول أيّ من المقتنيات التاريخية أو الأثرية دون تسجيلها رسمياً وبالتالي فإنَّ عملية التسجيل التي تتم عبر العديد من الدول خارج الإطار السوري أو العراقي ما هي إلا منظومة فساد جديدة تُضاف إلى الشبكة العنكبوتية التي رُسِمَت بعنايةٍ ومهنيَّةٍ عالية لإكمال دورة نزيف الآثار في سوريا وبلاد الرافدين، خاصةً إذا وُضِعَ في الاعتبار أنَّ هذه الأموال التي يتم جنيُها من عمليات التهريب تذهب لتمويل عمليات عسكرية تؤدي إلى قتل الإنسان أو تشريده ونزوحه ولجوئه فالفعل التخريبي أو التدميري أو التهريبي للمكوِّن التاريخي المتمثِّل بالآثار لا يقل عن فعل القتل الذي تُمارسُه الآلة العسكرية ومن يديرها‭.‬

التدمير يأخذ أشكالاً مُتعدِّدة على يد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية فبدءاً من استخدام الجرافات لتدمير تمثال الأسد في حديقة الرشيد بالقرّة والذي اكتُشِفَ في أرسلان طاش وكسر التماثيل الآشورية التي عثر عليها لصوص الآثار في تل عجاجة جنوب الحسكة السورية وكلُّنا تابعنا ما حدث في متحف نينوى الشهير في الموصل وصولاً إلى استخدام الجرّافات مع تمثال الموسيقار عثمان الموصلِّي كما كانت الجرّافات آلةً لتدمير مدينة نمرود التاريخية ومدينة الحضر وفي تحدٍّ صارخٍ قامت كتائب الدولة الإسلامية في ديسمبر الماضي بتفخيخ وتفجير قلعة تل عفر لتنسفَ مساحةً كبيرةً منها وتُدمِّر أبراجها الجانبية كاملةً، هذه الطرق التي اتخذتها داعش للتخريب كان لها على الطرف المُقابل منها طرقاً أخرى للتهريب الذي اعتمد على أساليب تنوّعت في الحفر الذي اعتمد على أبعادٍ صغيرة وأعماقٍ بسيطة في الأرض بدايةً ليصلَ إلى حفرٍ ذات أبعاد واسعة وأعماق كبيرة تخترق مختلف السوريّات الأثرية وهذا واضحٌ في العديد من المواقع التي يتم فيها الحفر الآن في مختلف المناطق السورية أو العراقية كموقع مملكة ماري على نهر الفرات، وفي مقطعٍ عرضيٍّ آخر للمشهد نجدُ أنَّ هناك عمليات حفر تتمُّ ضمن نقاطٍ مُحدّدةٍ باستعمال الأجهزة الالكترونية وأخطر أنواع الحفر هو ذلك الذي يتم اعتماداً على عملياتٍ منهجيَّةٍ ضمن مربَّعات تُشبِهُ إلى حدٍّ بعيد ما يقوم به المُتخصِّصون في التنقيب، وإذا كانت عمليات التدمير المباشرة تؤدِّي إلى زوال المُقتنيات التاريخية فإنَّ الحفر غير الشرعي الذي يتم بأشكالٍ مُختلفة يقوم على فكرة النهب والسرقة التي تستهدفُ القطَعَ الأثريَّة الأغلى ثمناً بغض النظر عن قيمتها التاريخية أو ما قد يطولُ من خراب للسويّات الأثرية التي تساعد في فهم طبيعة القطعة التاريخية وتُقدِّم الكثير من المعلومات التي تساعد على فهم الموقع الأثري وتاريخه بشكل أفضل وأكمل، وهذا يضعنا أيضاً أمام مواجهة ضياع السويّات التاريخية المكوَّنة من البقايا العضوية والفخاريات الأخرى وكل ما يحتويه التراب المُحيط باللُقى التي يتم سرقتُها و بالتالي حدوث فجوة في التاريخ لا يمكن إصلاح عطَبِها أبداً‭.

أربع لقطات من الجو عبر غوغل لموقعين في حلب قبل قصف النظام بالبراميل المتفجرة وبعده

هل هذه الحفريات تتم بمعزلٍ عن السُلطَةِ القائمة في سوريا أو العراق؟ للإجابة عن هذا السؤال سأستعرضُ قصة مدينة أفاميا السورية التي تقع في محافظة حماة وسط البلاد والتي بُنيَت عام 301 قبل الميلاد في عهد سلوقس الأول نيكاتور الذي تولّى السلطة في الشرق بعد وفاة الإسكندر المقدوني وباتت في وقت لاحق عاصمةً عسكريةً للدولة السلجوقية وقد اتخذت منذ بنائها شكلاً يُشبِهُ رقعة الشطرنج حيث تم تقسيمها إلى أحياء سكنيّة مستطيلة الشكل مع شوارع مستقيمة بالإضافة إلى إحاطتها بسور دفاعي كبير يزيد طوله عن 7 كيلومترات، ومع انطلاق الاحتجاجات في الانتفاضة الشعبية بسوريا قام رئيس مفرزة الأمن العسكري في المنطقة بحسب الناشطين بحث المُتظاهرين على إخلاء الشوارع مقابل فتح الأماكن التاريخية لهم لتكون عُرضَةً للنهب، وأمام الثقافة الاجتماعية القائمة التي استغلَّها تُجار الآثار الذين استخدموا أهل المنطقة ليكونوا أدواتٍ للحفر والنبش عن اللُقى التاريخية على مرأى من قوات النظام السوري التي أقامت حاجزاً هناك أسمتهُ حاجز الآثار، نحن إذن أمام حالة من التزاوج بين السلطة وتجّار الآثار بعلاقةٍ يحكمها الفساد وبناء على هذه الحالة يُمكِن القياس على أغلب إن لم نقل كل الأماكن التاريخية التي تعرّضت للتدمير أو النهب و تأكيداً لما حدث في أفاميا فقد أظهرت لصور الجويّة للمدينة أماكن حفر عشوائية رهيبة فاقت مساحتها أضعاف المساحة التي نقبتها البعثة البلجيكية على مدار خمسين عاماً‭.‬

فعل التدمير أو النهب الذي يمارسُه من يُدمِّر الآثار التاريخية يعتمد في فِعلِهِ على نصٍّ ديني يقوم على حديث منقول عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم في وصيَّتِه لعليّ بن أبي طالب بألاّ يدع صورةً إلا ويطمسها ولا قبراً مُشرِفاً إلا ويُسوِّيه وهنا يؤكِّد الباحث الإسلامي رياض درار أنَّه لا يوجد ما يحرم الفنون من رسم ونحت وتصوير، وما نهي عنه في المسألة هو الرجس (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) والرجس هو الاختلاط، ورجس الأوثان هو عبادتها وليس هي بحد ذاتها، إذ لا يمكن اجتنابها، ولكن يمكن اجتناب الاختلاط فيها، فالتماثيل والنصب لا غبار عليها طالما لا يختلط الأمر علينا بأنها لا تنفع ولا تضر، وحطمت الأصنام التي كانت تُستَخدَمُ للعبادة أمَّا ما كان موجودا ولم يعبد تركه المسلمون من أهرامات وتمثال أبي الهول وكثير من آثار الشعوب الماثلة حتَّى اليوم فيما لو حرم الرسول الكريم وجود التماثيل والصور لما تركت الفتوحات الإسلامية الأهرامات وأبو الهول ولوحات الفسيفساء في المعابد الرومانية ، ويجزم درار أنَّ ما ورد من أحاديث هي موضوعة في ذلك ويُفنِّدُها التاريخ على عهد الأمويين حيث أنهم لم يعملوا بها لأنَّهم لم يسمعوا بها حيث كانت لديهم تصاوير ورسوم، أمَّا مشكلتنا اليوم بحسب الباحث الإسلامي فهي مع من لا يتدبَّر الأمور ويطبق أقوال السلف التي أطلقوها وفق أرضية معرفية تجاوزها الزمان‭.‬

الكاتب والباحث السوري تيسير خلف يرى أنَّهُ حين بدأ هوس جمع آثار الشرق في أوروبا وتحديداً مع نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، لم تكن السلطنة العثمانية تتملك رؤية عن هذا التراث، وكانت الأفكار حول القطع والأبنية الأثرية يشوبها الكثير من الأساطير، ويردُنا أنّ الدكتور أوليريخ سيتزن في العام 1804 زارَ منطقة المشرق العربي وبدأ بجمع القطع الأثرية وإرسالها إلى برلين تحت سمع وبصر رجال الدولة العثمانية، وكثيراً ما أهدى سلاطين بني عثمان للأوروبيين القطع الأثرية ومنها التعريفة الجمركية التدمرية والجسر الأبيض في منطقة الصالحية‭!‬ وخلال فترة الانتدابين الفرنسي والبريطاني للمنطقة نقلت أهم القطع والمعابد الأثرية إلى متاحف الغرب، وربما هذا ما حماها من خطر العبث والتدمير الذي كان قدر المنطقة منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، يؤكِّد خلف أن الأنظمة الاستبدادية لم تُعامِل تراث وآثار المنطقة بقدر بسيط من المسؤولية فالحروب التي خاضتها هذه الأنظمةُ ضد شعوبها كلَّفت تراث المنطقة الكثير ولعلَّ مثال حماة 1982 م حاضر في الأذهان قبل انطلاق الثورة السورية، النظام بحسب خلف لم يراعِ حرمة أيّ موقع أثري أو تراثي فكان القصف العشوائي يطال كل شيء ليصير إلى تدمير مواقع كانت من ضمن التراث العالمي وبالتالي ظلَّ نهب المواقع الأثرية مستمراً على الدوام ولم ينقطع ، والآن كما يرى الكاتب والباحث السوري أنَّ الحرب الدائرةَ في أرجاء المدن السورية تشكِّلُ فرصة لجميع أنواع المافيات لتهريب وبيع هذا التراث الذي يعد ملكاً للبشرية جمعاء‭.‬

الانعكاس الثقافي القادم في المستقبل هو الباقي بعد أن ضاعت كل تلك الأماكن التي لن نعود لرؤيتها حقيقةً إلا عبر الصور المُتبقِّية عنها، ففقدانها سيشكِّل فجوةً حقيقية في فهم الثقافة

أمامَ كلِّ هذا يُمكِن القول إنَّ فعل التدمير يأتي من الإحساس بالعدَم حين يتحوَّلُ المحاصِرُ إلى المُحاصَر بالعبث بكل شيء ناشراً ثقافة الدمار متذرِّعاً بنصوصٍ لا وجودَ لها و ليقينِهِ بأنَّه لا مكان له في الحاضرِ أو المستقبل يسعى لتحطيم التاريخ كي يعمَّ الخراب، فهو شبحٌ يعيشُ بدولةٍ خارجةٍ عن التاريخ والجغرافية فكيف يسيلُ منه الدم إن دمَّرَ تاريخاً ليس له، هو الدخيل على كلَّ شيء قاتلاً شرساً بدبابَّةٍ أو بنصٍّ ديني، هذه القراءة النفسية تجعلنا نتَّجِهُ نحو التحليل النفسي للعاملين والسماسرة في شبكات تهريب الآثار حيث تحكُمُهُم ثقافة الجشع والطمع والرغبة في الكسب غير المشروع والثراء السريع كما تقول الدكتورة خولة الحديد كما تؤكِّد أنَّ المهرِّب أو السمسار يفقدون الإحساس بالانتماء للمكان وفقدان الصلة بالجذور الأمميَّة التي تُمثِّلُها هذه الآثار التي يتم تهريبها وهي في قيمتها العالية لا تعني شيئاً لمن فقد صلتَهُ وانتماءهُ لحضارتِهِ وبيئته وهنا تبرُز حالةٌ من التغريب عن روح المكان التي تحكُمُها الكثيرُ من العوامل ربّما أبرزها حسب أخصائية التحليل النفسي الأفكار الأيديولوجية في فقدان الرمزية للمكان مثل المُعتَقدات الدينية التي تُحرِّم التشخيص والتصوير والتجسيد للكائنات الحيّة لذلك لا مانع لديهم من التخلُّص منها و تحقيق الربح المادي فالمعتقدات الدينية في هذه الحالة غالباً ما تتحكّم بشكل لا شعوري بالمشاعر والانفعالات التي تحكُم سلوكَ هؤلاء وتمنحهم مبرِّر أخلاقي لأفعالهم فضلاً عن عامل الجهل وعدم المعرفة بقيمة هذه الآثار التي يتم تهريبها يجعلُ من قيمتها المادية مطمعاً ومكسباً كبيراً في ذات الوقت تجزم الحديد بأنّهُ عبر التاريخ القريب والبعيد فإنَّ الهجمة البدائية كانت أهم منجزاتها تدمير الحضارات القائمة والحرق والنهب والقتل وهذه الصفات المجتَمعة لا تصنع دولاً ولا تبني مجتمعات حرّة مهما كان اللبوس الذي تلبسه والرايات التي تحملها أو تُعلِنها‭.‬

الانعكاس الثقافي القادم في المستقبل هو الباقي بعد أن ضاعت كل تلك الأماكن التي لن نعود لرؤيتها حقيقةً إلا عبر الصور المُتبقِّية عنها، ففقدانها سيشكِّل فجوةً حقيقية في فهم الثقافة التي اعتمدت في حدودها وإطارها على ما كان قائما، أو استمدت وجودها ممَّا كان بشكلٍ أو بآخر، لقد كانت تلك الآثار مدخلاً حقيقياً لفهم الواقع الحالي والمستقبل القادم ونحن اليوم أمام ضياع حلقة من سلسلة الوجود البشري التأريخي بعد انهيار المنظومة التاريخية وتتابع الأماكن التي انتهت بفعل الصراع العسكري بين مختلف الكتائب في سوريا والعراق وتداخل المصالح الأممية التي ترغبُ بعضها بتزوير التاريخ بإزالتِهِ كُليَّاً عن الوجود ووضع بديل لهُ يتماشى مع الطُروحات التي يتم ترويجها، ومن البديهي القول إنَّ الصراعات الطائفية التي استشرت في البلاد السورية والعراقية قد لعبت دوراً أساسياً في انفلات الأوضاع لتصل إلى هنا، والسؤال الذي يجب مناقشتُه بحزم بعد أن انهارَ ما انهار من تراث وتاريخ بلادنا، ماذا يجب فعله لنحفظ ما تبقَّى وهنا تبرز العديد من الطروحات أحدها يدعو الغربَ لوضعِ يدِه على كل الأماكن التاريخية بهدف حفظِها بعد أن فشِلَ الشرقُ في حمايتها والآخر يدعو لتشكيل كتائب عسكرية أممية تكون مهمّتها في إبعاد الصراع العسكري عن الأماكن التاريخية وتيَّارٌ ثالث يدعو القوى المُتحاربة إلى تحييد هذه الأماكن عن جبهات المعارك التي امتدت على كل التراب هناك بينما يسعى آخرون لمتابعةِ المقتنيات التي يتم تهريبُها وبيعُها لإعادتها وهذه بطبيعة الحال تأخذُ وقتاً طويلاً وتحتاج جهداً وصبراً مديداً، وفئةٌ تسعى لإيقاف الفساد الموجود في صفوف الأنظمة الحاكمة أو المعارضة التي تسهِّل بدورها عمليات التهريب، وبين كل هذه الاتجاهات المطروحة يبقى أمامنا حقيقة واحدة هي ضياع تراث تاريخي وحضاري فريد تكمن فرادته في أهميَّتِهِ التاريخية لنا وللأجيال القادمة وإن استمر الحال على ما هو عليه لن تبقَى في سوريا والعراق قطعة واحدةً تدلَّ على حضارة الأمم التي نمت و ازدهرت وأقامت مجدَها في هذه المنطقة.


كاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬بروكسل