تونس‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬بقليل

الجديد  نائل بلعاوي [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(138)]

كلما اشتد بيَ الحنين إلى الأماكن الأولى، تلك الغارقة في القرار الأخير للروح والذاكرة‭:‬ اخترت تونس، حملت متاع الوقت وأحماله وقصدتها، لا لأن اقتراحات مثيرة للأقدار والصدف، ربطتني بها، فحسب، بل لأشياء أخرى تخصها هي وتدعوني أنا‭.‬ فأستجيب، طائعا مستسلما أستجيب، وأعود، مرة تلو الأخرى، لأكتشف من جديد؛ شيئاَ من أناي أنا فيها، وأشياء، لا تُحصى أو تعدّ، منها لديّ، من حضورها، عالِي الهيبة والسطوة في النفس، في المحفوظ من صور عتيقة للذاكرة، وفي‭:‬ ما يبشر به الأفق ويشير إليه‭.‬

في تونس، تونسي الشخصية، يصعد الإيحاء إلى حدوده المؤثرة القصوى، يصير المكان انعكاساَ، تلقائي الوقع لأمكنة أخرى، ممتدة ببهاء وحبور على أطراف الشريط المتوسطي الطويل من عكا وحيفا إلى بيروت واللاذقية

والإسكندرية وطرابلس، وصولاَ إلى قرطاج والمرسى وحلق الوادي، حيث تدعو الجغرافيا زوارها من هناك إلى الصعود الشعوري والحسي، في آن، نحو اللقاء العبقري بين فتنة المتوسط وبهاء الجبل الذي يتشكل منه سيدي بوسعيد‭.‬ فهناك، في نقطة التقاء البحر باليابسة تحديدا، تبدو الطبيعة وقد أخرجت دفقة مميزة من مخزونها الجمالي البديع وحولته إلى ذلك الألق‭:‬ سيدي بوسعيد‭.‬ وكأن تونس، عبر ذلك الإيحاء المثير، وبطاقته على استدعاء ما هو كامن في الروح والجغرافيا من فرح ومواجع‭.‬ وكأنها تختصر تلك المدن الجميلة كلها في شخصها هي، بإرادة فاتنة تختصر وبمثلها توحي، وتشير إليّ، أنا الابن الخارج من أرحام المدن المتوسطية الأخرى؛ أن امكث أكثر، وأطيل التأمل أكثر، لأعرف أكثر فأكثر بأنّ دوافع الاستحضار، تلك الساحرة، ماثلة أمام العين وقريبة مثل الحاجب منها، وما عليّ الآن سوى إطالة المكوث والتأمل، فالمكان نداء المكان، يتكفل بالباقي، فاتحا على الفور باب الدخول إلى ما فيه من مكونات رفيعة البعد، وما فيك أنت من حنين وهوى‭.‬

هنا عكا‭.‬ تقول تونس‭.‬ هنا على هاذي الطريق القصيرة بين المرسى وحلق الوادي، تجيء عكا، تُودّع المكان شيئاَ من فتنتها وجمالها الأخاذ وتعود إلى وقته، إلى حلمها البحري المكبل بالجنون وهلوسات الآلهة‭.‬

هنا عكا، وهناك يافا، وتلك الحزينة الشبقة، في الركن الضيق من قرطاج، بين البحر وشارعه المقابل، هي بيروت‭.‬ أشمّ رائحة الموج والرغبات الدفينة، فأدرك بيروتية المشهد، حضوره الطاغي ومعانيه العميقة، فأمكث أكثر، فرحا وحزينا، فهنا بيروت‭:‬ دمعة المتوسط الحارقة، واللهاث الأبدي خلف الألق‭.‬

بيروت في قرطاج‭.‬ كيف تفسر الجغرافيا تجلياتها الغامضة هذه؟ كيف تتيح لهذا اللقاء، حسيّ الأثر، بين الأماكن أن يتم؟ وكيف لي أن لا أطيل المكوث وأتابع البحث‭:‬ في قمرت ورواد عن اللاذقية والإسكندرية، لأرى الأولى دامعة وحزينة، شهية وأنيقة، على امتداد الشاطئ الدامع والحزين في رواد، في الأناقة اللافتة لقمرت، في حين ترتفع الثانية، بهيبة أنثوية عالية، على الجهة الأخرى من الساحل، في حمام الأنف، المعد بدوره لغواية ثانية تعيد له الفرح‭.‬

مدن الروح جميعها في قطعة منتقاة من الجغرافيا هي تونس‭.‬

جلال المتوسط وتنوع حواضره في لحظة توحد استثنائية على شاطئ واحد‭.‬

رجع الأمكنة واكتمال التماثل

أترك البحر وأبتعد‮…‬ قليلا ابتعد لأعود ثانية إليه، وما بين ابتعادي المؤقت والرجوع الحتمي، في الفاصل الزمني القصير‭/‬الطويل ذاك، أفتش تونس القديمة عنها‭..‬ وعني، وعن ذلك التناغم المهيب بين ما تراه وتحسه وتشمه، وبين ما يقترحه عليك المكان ويشعله فيك، فهناك، عند نقطة اللقاء المعمارية الجميلة لشارع الحبيب بورقيبة مع القوس الحجري لباب بحَر، تأخذ المدينة بالكشف عن صورة أخرى لوجهها، عديد الصور‭.‬ ويأخذ التاريخ بالنزول من بين دفات المعاجم والكتب إلى الفضاء المرئي والمحسوس، في رحلة انسجام مذهلة مع الحاضر وطقوس الحياة‭.‬

تونس الأخرى إذاً، وهي تونس ذاتها وإن تنوعت المشاهد والصور، أو تناقضت أحيانا‭.‬ فهنا المدينة بكامل زينتها ولا حدود تجلياتها، بفوضاها الصاعدة إلى تخوم النهاية، وبإحزانها المعلنة، بخجل مرة، وبغضب طبيعي مرات أخرى، على وجوه المارة، في صرخات الباعة‭.‬ في فنون المساومة بين البائع والمشتري، وفي البحث اليومي لربات البيوت عن أسعار مناسبة للخضار والفواكه المحمولة، من مطلع الفجر إلى الليل، فوق عرباتها المتجولة في باب جديد وباب سويقة، وفي النزوح الجماعي اليومي للرجال إلى المقاهي الشعبية حيث القهوة والشيشة وألعاب قتل الملل واصطياد الوهم‭.‬

هنا تونس وهناك في قرطاج تونس‭:‬ حبل الولادة السرّي يجمع بين المشهدين‭.‬

لحظة خلابة من التاريخ هناك، وأخرى هنا، في هذا التشكل الأخطبوطي لأزقة السوق العربي الضيقة، المتلاصقة، المكتظة بالناس وبكل أنواع الحرف الشعبية التي ورثتها تونس عن نفسها، ولا تزال تحترف إلى اليوم فنون صناعتها وتقديمها‭:‬ أواني الفضة والنحاس‭.‬ قلائد من أحجار صغيرة ملونة‭.‬ مسابح إسلامية‭.‬ وما لا حصر له من أدوات الزينة الشخصية والمنزلية‭.‬ إلى جانب صناعة السجاد وإصلاحه وخياطة الجبب المحلية ولوازم الأعراس والإنجاب والطهور إلى آخر القائمة المتنوعة والفريدة، فالتنوع هو الرافعة المركزية لهذي السوق، والفرادة هي قلبها وما تود أن تقول‭.‬

أمشي، بين الحلم ويقظة الحالم أمشي، وأترك للمكان قراره الشخصي، قدرته العظيمة المكتسبة على البوح والاقتراح، دون تدخّل مني، دون أن أخلع عليه أنا أناي وما تخزنه من رغبات‭.‬ وهو يقترح، يبوح، يستدعي ويستحضر ويقول لك‭:‬ هذا اكتمال المشهد الشامي فيّ‭.‬ هذا اختصار الإرث الروماني والبربري والعربي والتركي ثم الفرنسي في لقطة مثيرة واحدة تحيلك من جديد على دمشق، لتسير في أزقة أسواقها العتيقة وتشم رائحة القهوة وأنواع التوابل‭.‬ كما تحيلك على بيروت ودكاكين الساحات‭.‬ وترجعك إلى عمّان العالية، الغارقة في فوضاها الجينية وامتداد جبالها السبع، لتصعد من هناك، من هنا، عبر هذا الزقاق المؤدي إلى جامع الزيتونة العريق، إلى بهاء القدس، فتنة القدس، واكتمال معانيها‭.‬

إحالة تلو الأخرى يقدمها المكان المعمد بانصهار الأمس باليوم‭.‬

رسمة لرفيق الكامل

إحالة تقصيك وأخرى ترجعك، وأنت الرهينة في الحالتين، لهذا الانسجام الروحي‭:‬ كليّ المعنى وحسيّ الوقع، بين المكان وأمسه‭.‬ بين ما يقوله ويقدمه، وذاك الذي يرفع لحظة بلحظة من طاقة استحضاره‭.‬ وما عليك سوى التواصل والتلقي، سوى انتظار الدفقة الجمالية التالية وتلك التي تتبعها، فبعد قليل، ستأخذك الأزقة دفعة واحدة إلى الشاهد الباقي على حقبة عقلانية فريدة في التراث العربي‭:‬ إلى الزيتونة، سيد المكان بلا منازع، وحامل أسراره ونجواه‭..‬

للاماكن أسرارها تلك الساكنة أبدا في الأحجار والساحات وجذور الأشجار‭.‬ تلك التي تُحس ولا تُرى، وتفعل فعلها الآسر فيك، تدعوك وتدعوك، تشدك مثل الفراشة إلى مدار الضوء، مدارها الحتمي، نار غوايتها الموقدة، فادخل إليها الآن واحترق‭.‬ احترق لتعيد اكتشاف الوصل‭.‬ واحترق لتصير امتدادا للمكان وسرهِ‭.‬ لتصير جديرا به، فهناك، فقط، ستدرك المعنى‭.‬

أمرّ على الزيتونة، أدخله مثل الفراشة وبغموض دوافعها‭.‬ وبمثل استسلامها الطوعي أسلّم نفسيَ، أتركها تدور كما تشاء في بيت الصلاة، بين أعمدة الرخام الجميل، الكثير، الذي يرفع السقف ويرتفع، واصلاَ أرض المواجع هذه بالسماء الوديعة، بفكرة النجاة الأثيرة والرجوع الأخير‭.‬

أدور بين الأعمدة‭.‬ أمرّ على الحلقات الصغيرة التي انعقدت تحتها، حيث يدرب بعض الشيوخ تلاميذهم على النطق الصحيح للكلمات في الآيات، وأصغي قليلا لمخارج الحروف، لوقع الضاد في الضحى، وارتفاع الجرس في سين السلام، فألقي السلام على الشيوخ بهزة خفيفة للرأس، وأستعيد معهم، عبر طقسهم الرفيع هذا، ما كانه الزيتونة ذات يوم بعيد، وما مثّله في الوجدان والعقل العربيين من سعي حثيث لإعلاء مرتبة العلم والرغبة فيه، بثوب التسامح وحده، برفع الفارق العصبي بين العقيدة والعقيدة الأخرى‭.‬ بين الفكرة والفكرة الأخرى، وبين واقعية الأرض وحاجات السماء‭.‬

أدور في الزيتونة البسيط، الأنيق، المتواضع مثل الفكرة، والرفيع مثلها، وأفتش عن أسراره‭.‬ أحاول ما استطعت قراءة المشهد، تفسيره، لأعرف ما أريد، وعن أيّ شيءِ سأبحث‭.‬

لا شيء لي في المكان سوى أنا‭.‬ كل شيءِ في المكان هو أنا، وما بين الأنا وبهاء المكان، تستعيد الروح شيئا من ألفتها وبحثها الفطري عن نفسها، وعن ذلك الذي لا يُفسر‭.‬

ألقي على الزيتونة السلام، على ابن خلدون الكثير من السلام، وأمضي عائدا للأزقة، إلى النهار التونسي المشمس، لأقول لشريكتي في التسكع والسفر، تلك التي انتظرت بصبر أنثوي هناك، أعتذر، المكان هو السبب، أو ربما أنا‭!‬ فتجيب‭:-‬ لا بأس، فقد كنت بين يدي الله‭.‬

بين يدي الله، أكرر من خلفها وأضيف‭:‬ كل الدروب تقود إلى الله، ولكن الزيتونة مختلف‭.‬ نمشي، نتابع المشي البطىء، صعوداَ، إلى – عزيزة عثمانة – ذلك المشفى القديم القديم، لندور، دقائق معدودة، في رحاب مبناه التاريخي المعد، إلى الآن، لتقديم المعونة للمرضى‭.‬ ثم نواصل من أمامه، نزولا هذه المرة، إلى القصبة، لنرجع من هناك، مرة أخرى وأخرى، إلى أبواب تونس‭.‬

هنا الفوضى

فوضى في كل ما تحده العين وتشتهيه‭:‬ على الرصيف‭.‬ في قلب الشارع‭.‬ أمام أبواب الحوانيت التي تبيع كل شيء‭.‬ فوق البسطات الخشبية المتناثرة بحذر وترقب، فقد يأتي العسس ويصادرون ما وصلت له الأيدي من بضائع رخيصة وأفكار رزقٍ سريع‭.‬ فوضى من حول العربات الخشبية العامرة بالغلة والخضار وأنواع الحلوى‭.‬ كم مرة مررت بهذه العربات‭.‬ كم مرة توقفت لتناول الهندي‭/‬الصبار الشوكي‭/‬المُقشر من بين أصابع باعتها الشباب، كل باعة البسطات والعربات من الشباب‭.‬ كم مرة مررت من أمامها وتوقفت ولم أنتبه‭.‬ لم أحدس‭.‬ لم أفكر لحظة أو أنتظر‭.‬ كيف لي أن أنتظر‭.‬

ما ستحدثه هذه العربات وأصحابها من ألق خرافي التصور، تُحيل به الجسد العليل إلى التوهج‭.‬ ما ستنطق باسمه وتُعلي من مداه‭.‬

هي الفوضى، وهي اختصار الحلم والرغبات في العيش المخاتل والعبور المشتهى لأبواب الحياة، هي الحياة‭.‬ وها أنذا أفتشها من زقاق إلى آخر، من شارع مزدحم إلى شارع ضيق ومزدحم، وأدخل ما استطعت طقوسها، طقوسي الأخرى الدفينة المحببة، لأحتفي بها، بالخروج المؤقت من رتابة الوقت‭.‬ من فداحة اللافوضى هناك، حيث أتيت، وحيث عليّ أن أعود‭.‬

مرت الساعات مثل فكرة عابرة، مثل الفتاة الشهية قرب الرصيف المقابل‭.‬ فلم تترك ليَ الأبواب فرصة أن أودعها وأرجع من جديد إلى البحر‭:‬ عليك أن تبقى تقول الأمكنة‮…‬ لساعة أخرى، لساعات تمر كأنها الفكرة، فعندي ما أدل به عليك، ما أدل به عليَّ أنا وأنت، وهذا التوحد السحري في فتن المكان‭.‬

فأبقى، أواصل التجوال من باب لباب، من ساحة لباعة الخضار والضجيج هنا، إلى زاوية لبيع عصائر الليمون والبرتقال هناك، من باب جديد إلى باب بنات وأسأل، بين هذا الباب وذاك‭:‬ ‭-‬ألم نمُرّ من هنا قبل قليل‭.‬ ألم نساوم بائع الصور القديمة، ها هنا، وقتا ونمضي؟

لا، تجيب شريكتي‭:-‬ هي المرة الأولى‭.‬ ولكن الشوارع تشبه بعضها بعضا، وكذا الأزقة والوجوه‭.‬ تعال لنأخذ قهوة بالحليب في المقهى، هناك‭.‬ فربما تعبت من المشي الطويل وسطوة ما يدور فيك، تعال‭.‬

وندخل قهوة بالحليب وبعض السجائر‭.‬ قهوة ثانية والمزيد من السجائر‭:-‬ أعرف هذا المكان، كنت هنا ذات يوم بعيد‭.‬

‭-:‬ لا فرق بين هذا المقهى وذاك، تردّ هي، مقاهي المدينة العتيقة تتشابه هي الأخرى، روائح القهوة والشاي الأخضر وأنواع الشيشة والتبغ المحلي‭.‬ التلفاز الكبير على الجدار، أم كلثوم والهادي الجويني، وعبدالباسط أحيانا‭.‬ حتى الأصوات العالية لها الإيقاع عينه‭.‬‭.‬ وكذلك الهمسات‭.‬

‭-:‬ ربما، لعله التشابه، أو الرغبة في الخضوع اللانهائي لشروط المكان‭.‬

حدثيني عن تونس أقول لها‭.‬

‭-:‬ هي بين يديك الآن‭.‬

‭-:‬ تونس الأخرى، تلك التي لا يقدر الغرباء على سبر أغوارها، ولا يعرف تلك الأغوار غير أهلها‭.‬

خصلة شعرٍ قمحيٍ تتهدل فجأة وتلامس سطح الطاولة‭.‬ رشفة سريعة ومرتبكة من القهوة شبه الباردة ترافق المشهد‭.‬ في عيون رفيقتي التونسية بعض الوجل، أو التحضير الفطري لدمعة قادمة‭.‬

‭-:‬ أنا تونس، وها أنذا أشاركك القهوة والتسكع اليومي في قلبي، وأبحث عني معك‭.‬

أنا الجميلة والحزينة الخائفة أنا القلقة‭.‬ تعبت من دوامة السعي الحثيث إلى الحياة، وكثرة الخيبات‭.‬ تعبت من هذا الجدار الغريب الفاصل بيني وبيني، ولكني، كما ترى، أشرب قهوتي‭.‬ في كل يوم أشرب قهوتي، وأستعد لقهوة أخرى غدا‭.‬ أنا تونس، لا شيء أكثر أو أقل‭.‬

هي تونس‭.‬

خصلة الشعر التي سقطت ثم عادت للوراء

عيون النسوة لحظة البوح، وانتظار الموج‭.‬

هي تونس، نقطف من بين أصابعها الياسمين نشرب عسل الأمس واليوم عن كتفها، ونركض خلفها‭.‬

سنرجع مرة أخرى، لقهوة أخرى بالحليب هناك‭.‬ سندور من جديد في أزقة الأبواب

ونبحث، مرات، عن كتب، لن نجدها، في سوق الوراقين العريقة‭.‬ ثم نترك العاصمة، لندخل متعة الترحال في شبق الجنوب، متاهة الجنوب وروحه المختلفة‭.‬

لأسبوع واحد شديد الكثافة، جنوبي المعنى، سنبقى هناك، لنعود بعد مروره الضوئي إلى المرسى، ونستعد لرجفة الوداع، لطعم القبلة الأخيرة، المريرة، المثيرة، فغدا، حين تحط الطائرة في البعيد‭:‬ بعيدا عن البحر، عن سؤال الوصل، عن بيروت، عن عكا وحيفا، بعيدا عن مدن الروح المتوسطية كلها، وعن تونس؛ سأعرف حينها، أن المسافة بين ما تحب، من الأمكنة، وما عليك أن تحب، هي المسافة عينها بين الهوى الفعلي، هواك المُشتهى، وهذا البحث، بحثك الأبدي عن جدواه‭.‬ هي المسافة، وحدها، تدميك، ترسم ما تسعى إلى تفسيره، منذ البداية، ولا تستطيع‭.‬ هي المسافة وحدها، تلك الشفيفة الغريبة الصادمة البديعة، تفعل فعلها السحري فيك وترجعك‭:‬ حيث عليك أن تكون غدا‭:‬ بين الحقيقة والوهم، بين الرغبات وأضدادها، لترتدي، مرات أخرى؛ ثوب البعيد البعيد‭.‬

غدا، حين تحط الطائرة وتعود إلى حيث عليك أن تحب وترضى، إلى هوس الحراسة القديم للذكرى، ستعرف أن هذا الآن، هو الغد‭.‬ وأن التفاصيل العادية التي أدمنت، هي استحضارك المحموم، ليس أكثر، للامس واحتمال الغد‭.‬ وعليك أن ترضى وأن تنتظر، فقد تعود الأمكنة، كل الأمكنة التي أحببت، إليك، وقد تعود أنت، لتشرب قهوتك الدافئة بالحليب هناك، تغازل كل ما تصبو إليه، وتمشي، ببطء الغريب الأليف، بين الأزقة والنساء، وتسأل مرة أخرى، عن بائع الصبار الشوكي في الباب العتيق، لتعرف حينها، للمرة الأولى ستعرف، أن أكوام الصبار المتراصة بأناقة فوق أسطح العربات هي الطرف الجلي، فحسب، من حكاية البيع والشراء الجميلة هذه، وأن هناك، ما لم تعنى جيدا بحضوره من قبل، ويكمل الحكاية‭.‬ هناك العربات الخشبية القديمة المهملة، تلك التي تحمل الصبار والخضار وغلال الموسم على ظهورها وتجرها إليك، كي تتذوق المعنى الكلي وتكتشف أن الحياة أسيرة برمتها لذلك الخفي في بساطة الأشياء بساطة الصبار وحبات التين، بساطة الوجوه على الأرصفة، بساطة العربة الفقيرة في الجنوب التونسي ونداء صاحبها، ذاك الذي شغلته أسئلة العيش المرير وخفة ما تجره من أجوبة، فأشعل لأجلها الجسد الفقير وأشعل الرغبات فيك، في الحنين التونسي إلى الحياة، في ذاك التلاقي العبقري بين حال المكان اليوم وحاله بعد حين، حالك أنت أنت الذي تنتظر، ها هنا في البعيد، لحظة الوصل العظيمة بالشريط الساحلي، من بيروت إلى قرطاج، فقد تجيء في هذا الهزيع الأخير من الليل، في الملذات العجيبة للسهر، وقد تجيء غدا، أو بعد غدِ، لترجع أنت، مرة أخرى، إلى تونس، كي تسير، كما فعلت، فوق رمال شريطها الساحلي‭.‬

شريط الحنين‭.‬ وتحتفي بالبهاء.

تونس – فيينا 2011


كاتب من فلسطين مقيم في فينا

مقالات أخرى للكاتب:

  • عزلة اليهود وفكرة العزلة