النخب‭ ‬العربية‬‭ ‬وضياع‭ ‬فرصة 'الربيع'

في العقد الأول من هذه الألفية كان الشرق الأوسط خاضعاً بشكل أو بآخر لتجاذبات دولية وإقليمية همشت العالم العربي‭.‬ بيد أن انطلاق حركات الاحتجاج مع بدايات العقد الثاني كان يفترض أن يغير المعادلة‭.‬ وهذا الغليان العربي لم يحصل حصريا بسبب انعدام الكرامة والحرية وفشل دول الاستقلال، بل إن “الانتفاضات” ضد “أنظمة الاستقرار بالقوة ” كانت أيضاً بمثابة رد على الضعف البنيوي العربي وعلى تغييب الموقع العربي ضمن المعادلات الإقليمية والدولية وتهميشه‭.‬‬‬‬

الجديد  خطار أبو دياب [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(50)]

موفق قات
على الصعيد العربي، لم تتطابق حتى الآن حسابات الحقل مع حسابات البيدر عند شباب انتفاضات “الربيع العربي” وعدا الحالة التونسية المتفاعلة حتى الآن، تبدو العودة إلى الأوضاع الكلاسيكية من مصر إلى اليمن وكأنها أمر لا مفر منه على ضوء انتكاسات المراحل الانتقالية المتعثرة‭.‬‬

أين هي مسؤولية النخب وعدم قدرتها على لعب دورها في صناعة تاريخ متسارع في مصر أمكن إقصاء تيار “الإخوان المسلمين” ومن يقف وراءهم من المتشدّدين بتحالفٍ بين الجيش غير المنخرط في أي حرب أهلية وبين المصريين العاديين ونخبة مدنية علمانية ليبرالية موجودة في الحياة السياسية بعدما استطاع هذا التحالف أن يستحصل على تفويض شعبي ضخم‭.‬ لكن كيف يمكن تفسير التحولات السريعة وتغيير ميزان القوى؟ إن التجربة التي صنعها الشعب المصري ولا يزال ابتداء من 25 يناير 2011 حتّى اليوم مروراً بالتفويض الشعبي للقوات المسلحة في 30 يونيو 2013 والإعلان عن خارطة الطريق في 3 يوليو من نفس العام، تمثل تجربة تعبر عن صعوبة الخروج من معادلة الدائرة المغلقة ما بين الأنظمة القوية المستندة إلى المؤسسات العسكرية والأمنية من جهة والتيار الإسلامي من جهة أخرى‭..‬ ربما لن تقتصر نتائج هذه التجربة على مصر لأنها تصنف كحركة تغيير وطنية ساهمت في تطوير نظام سياسي بل يمكن أن تنعكس آثارها على منطقة الشرق الأوسط على المستويات كافة، وربما ستكون التجربة المصرية معياراً لإعادة تركيب النظام الإقليمي العربي الذي تهاوى ما بعد حرب العراق عام 2003، بعدما سبق له تلقي الضربة في الصميم عند خروج مصر من جامعة الدول العربية إثر توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل‭.‬‬‬‬

العالم العربي قبل ثورة يناير 2011

ساد الاعتقاد طويلاً أن العرب ظاهرة صوتية نتيجة تفكك نظامهم الإقليمي والضعف البنيوي المتراكم والتأخر في السباق التكنولوجي والعلمي‭.‬ وكان المشهد السياسي العربي مستعصياً على التغيير وكأن الديمقراطية التي مرت بكل أصقاع الأرض بعد نهاية الحرب الباردة ممنوعة من الصرف في ديار العرب، مع الإدراك بأن الديمقراطية ليست هي الترياق للمشاكل البنيوية ولمعضلة إيجاد صيغة الحداثة الملائمة، لكن التساؤل كان ملحّا عن أسباب عدم لحاق العالم العربي بالركب، فبالرغم من المآخذ على تصدير الديمقراطية عبر مشاريع القوة العظمى (مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد حرب العراق عام 2003) أو عبر أشكال جديدة من الاستتباع الثقافي والاقتصادي، استمر المأزق السياسي والأيديولوجي الذي كان يمنع الشعوب والأفراد من التمتع بحقوقهم وعيش مواطنتهم والاشتراك في صنع مستقبلهم‭.‬‬‬

بيد أن آلية التفسير الأقرب للواقع عن سبب استمرارية الأنظمة وتعميرها ضمن مجتمعات منهكة ومنظومة جيوسياسية مضطربة، تستند إلى علم الاجتماع العمراني وإلى الواقعية السياسية الماكيافيلية‭.‬ في الكثير من الحالات اعتمدت المجموعة الحاكمة على روابط العصبية (حسب مفهوم ابن خلدون) في تعزيز وحدتها، وأخذت تهيمن على القطاعات القوية في المجتمع عبر ارتباطها بسلسلة من المصالح، على أن يخضع كل ذلك لإشراف أجهزة أمنية تمسك بالكثير من مفاصل القرار‭.‬ ولا يستند الولاء لاعتبارات الانتماء والعصبية فحسب، بل يشترك أيضاً من خلال النفعية الشائعة‭.‬ وتكتمل الدائرة في التفتيش عن شرعية قومية أو دينية مصطنعة للحكم‭.‬‬‬‬‬

إن الدولة العربية ما بعد الاستقلال هي في الغالب ثمرة نكبة 1948 في المشرق وصعوبات نزع الاستعمار في المغرب، وعدا حالات محدودة لم يكن من مكان لدولة القانون أو لـ (دولة الحق) من التي تعكس تمثيلاً حقيقياً لمجتمعاتها وتكون الأولوية فيها لمفهوم المواطنة (على حساب الرابط الديني أو الفئوي)‭.‬‬

على صعيد التسلسل التاريخي فشلت أول محاولة نهضوية عربية في أواخر القرن التاسع عشر والتي أتت كردة فعل على الاستبداد العثماني، وأخفقت بعد ذلك دول الاستقلال إثر انتكاسات التيار القومي العربي الذي بلور مشروعاً نهضوياً كردّ على النكبة في فلسطين، لكنه كان يفتقد إلى الديمقراطية والتمثيلية كأدوات صالحة للحكم‭.‬ وهكذا فإن نكسة حزيران ـ يونيو 1967 معطوفة على انعدام الحريات الأساسية قوضت المحاولة الثانية‭.‬ وتأكد مأزق عدم وجود ديناميكيات قادرة على التغيير نتيجة عدم بلورة مشروع ديمقراطي عربي ينهل من التراث العريق ويتأقلم مع متطلبات العولة في عالم تسوده التجمعات الكبرى، خاصة أن الحلول للأزمات ضمن إطار الكيانات لم تكن ناجعة‭.‬

الدولة العربية لما بعد الاستقلال هي في الغالب ثمرة نكبة 1948 في المشرق وصعوبات نزع الاستعمار في المغرب، وعدا حالات محدودة لم يكن من مكان لدولة القانون أو دولة الحق

وأتت تقارير التنمية الإنسانية العربية للعام 2002 تحت عنوان: “خلق الفرص للأجيال القادمة”، وللعام 2003 كان التقرير يتمحور حول “نحو إقامة مجتمع المعرفة”، وللعام 2004 تحت مسمى “نحو الحرية في الوطن العربي”، لكي تدق نواقيس الإنذار حول الوضع العربي المتخلف إن من ناحية ضعف الإنتاج القومي الصافي (إنتاج النفط لم يجعل المنطقة غنية وفي عام 2002، كان دخل أسبانيا لوحدها يعادل كل مداخيل الدول العربية)، أو من ناحية آثار غياب الحريات السياسية أو لناحية عدم تمكين المرأة من لعب دورها السياسي والاقتصادي إلى ما هنالك من عناصر ضعف الاندماج الاقتصادي والإبداع الفردي‭.‬ وقبل عامين من حركات “الربيع العربي” لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي إيمانويل تود أن “الطبقة الوسطى الصاعدة المدعومة بالنجاح الثقافي وأثر العولمة على الاتصالات، في كل من مصر وتونس وسوريا، ستكون يوماً قاطرة التغيير”‭.‬‬‬

وفق إحصاءات 2010، كان الشباب يشكل أكثر من ثلثي عدد السكان في العالم العربي، فيما يبلغ المعدل الوسطي للحكام 60 سنة‭.‬ وهؤلاء الشباب الغائبون عن مراكز القرار وسوق العمل كانوا يبحثون عن حلم ومثالات وهوية، بعضهم مأخوذ بأهمية العودة إلى الدين وبعضهم يتأثر بكل ما هو غربي‭.‬ ومنذ انهيار بقية مقومات النظام الإقليمي العربي بعد السيطرة على العراق، أصبح العالم العربي أكثر من أي وقت مضى في عين العاصفة ومسرحاً لفصل جديد من لعبة الأمم، لكن التذرع بالقضية القومية والضغط الدولي لم يكن ليبرر أبداً عدم سلوك درب الإصلاح والتغيير‭.‬ وجاءت الأزمة المالية العالمية في سبتمبر 2008، لتزيد من حدة تفاقم الأوضاع الاجتماعية في دول مضروبة بالفساد ونهب المال العام وارتفاع معدلات البطالة‭.‬‬‬‬‬

إزاء هذا الوضع بدأ الحراك في سيدي بوزيد مع مشهد اختلطت فيه القداسة البطولية مع الفقر المدقع عند تضحية البوعزيزي بنفسه ليصبح المشعل لشباب أمّة مسحوقة ومهمشة على الصعيد الدولي‭.‬ وهكذا سقط جدار الخوف في تونس أبي القاسم الشابي، ومن ثمة تصدّع السد السلطوي في مصر نجيب محفوظ‭.‬‬‬

كما في مجمل المسارات الثورية لا نعلم متى يبدأ الحراك الثوري ولا متى ينتهي، لكن غالباً ما يكرر التاريخ نفسه وما قيل قبل أكثر من قرنين من الزمن عن الثورة التي “تأكل أبناءها” ينطبق على عدة أوضاع عربية‭.‬‬

يبدو أن الحلم الكبير الذي كان يراود صناع اللحظة الثورية في مصر تبدد نسبياً‭.‬ لقد انبهر العالم بالطابع السلمي المميز وبقدرات الجماهير على صناعة التغيير في ميدان التحرير عبر ضغط الكتل البشرية الذي كان ينظر إليه علماء الاجتماع السياسي – من أبرزهم غوستاف لوبون- بحذر، وأصبح مثالا يحتذى لانتفاضات الكرامة (أو حركات الناقمين Les indignés) من مدريد إلى وول ستريت‭.‬ كان كل شيء يؤشر إلى أن نشوب لهيب الحرية ونهوض شباب مصر، سينتج عنه بناء مشروع حداثي يتأقلم مع أحوال مصر والعالم العربي لأن العيش الكريم والتحول الديمقراطي واحترام الفرد والحرية، تندرج ضمن منظومة القيم التي تتجاوز الحضارات والثقافات والحدود، وكانت هناك قناعة بأن ذلك سيعيد “أم الدنيا” إلى دورها المركزي في محيطها ويحقق آمال المنتفضين‭.‬ لكن الطبقة السياسية لم تكن على مستوى طموحات المصريين بل كرست انقسامات ومجابهات مثلت أفضل الوصفات لضرب المراحل الانتقالية ومنع قيام الدولة البديلة‭.‬‬‬‬‬

بعد البدايات المبشرة للحراك الثوري في مصر عملت عدة قوى لاستيعابه أو تحوير مساره‭.‬ لقد رأى البعض في تصرف الإسلاميين مسعى مباشرا لمصادرة الثورات أو تحريف مسارها‭.‬ بيد أن المبالغة في التجاذب بين التيارين الإسلامي والمدني كانت أفضل وصفة لضرب المرحلة الانتقالية‭.‬ من الناحية المثالية، من الأفضل أن يكون هناك مواثيق شرف وعهود تحدد الثوابت من أجل عدم الوقوع في شرك الاستبداد بوجوه جديدة‭.‬ وهذا يتطلب المزيد من الحوار والواقعية في فهم طبيعة المجتمعات والتدرج في إتقان التمرين الديمقراطي‭.‬ وما المشاكل التي اعترت المراحل الانتقالية إلا الدليل على الفراغ الموجود، وهي تقدم دليلا على أن غياب الأحزاب خلال عهود الاستبداد، زاد من الشلل الفكري وغياب الرؤى‭.‬‬‬‬‬‬‬

غالباً ما يكرر التاريخ نفسه وما قيل أكثر من قرنين من الزمن عن الثورة التي "تأكل أبناءها" ينطبق على عدة أوضاع عربية

كشف عبدالرحمن بن خلدون، ابن أفريقية (كما كانت تسمى تونس)، عن العلة المؤدية لخراب المراحل الانتقالية في “الصحوة العربية ” الراهنة والمتعثرة عندما وصف في “مقدمته” الاستبداد بـ”العسف الذي يؤدي إلى خراب النفوس وفساد النوع″، هذا الاستبداد الذي عاد الكواكبي ابن حلب وتمعن في تفصيل طبائعه ومآلاته، إنه لا يقتصر على طغيان الحاكم وجوره، بل يمتد لعدم الاعتراف بالآخر وإنكار حقوقه وتعميم ثقافة الإقصاء باسم الأيديولوجيا أو تحت ستار الدين‭.‬‬

في مراقبة لأحوال دنيا العرب يمكننا إجراء مقارنة بين لبنان(وسوريا استطراداً) وتونس (ومصر استطراداً) حيث تتعدد نقاط التشابه الثقافي والتفاعل الفكري وإشكاليات الهوية والحداثة‭.‬ وإذا أردنا فهم أسباب الانشطار السياسي الحاد وتفاقم العنف السياسي، لا بد من العودة للخلفية الثقافية للمجتمعات العربية‭.‬ وفي هذا الإطار كان ابن خلدون قد تبنى نظرة موسوعية للتاريخ العربي تفيدنا اليوم في فهم أسباب التخلف وعدم القدرة على اللحاق بالعصر‭.‬ وحسب الأنثروبولوجي الأميركي الراحل إيريك وولف: “حلل ابن خلدون في القرن الرابع عشر عملية بناء التحالفات وتفككها ببراعة فائقة، فلقد رأى الأمر في شكل تناوب متصل بين تضامن القرابة “العصبية القبلية” من جهة، وتنوع المصالح الملازم لحياة الاستقرار من الجهة المقابلة”‭.‬ وذهب ابن خلدون بعيدا في منهج يتخطى الاعتبارات القبلية والعرقية والدينية ويعتمد على الفروع الفاعلة المؤثرة المساهمة في صوغ النهر العام‭.‬‬‬‬‬‬

بيد أن التبني السلبي لنظرية العصبية جعلها معبرا للاستبداد والتحكم بدل أن تكون عنصر قوة للدولة والجماعة‭.‬ ويسري ذلك على إعطاء الغلبة للحسابات الفئوية والقبلية والمناطقية والأيديولوجية والدينية في مراحل تحول تفترض التفتيش عن القواسم المشتركة في مراحل البناء الانتقالي‭.‬‬‬

إذا بقينا في المجال الفكري وطرحنا أسئلة ملحّة حول صلة الشورى بالديمقراطية ضمن المسار القاضي بضرورة تحديث نظام الحكم، ودور الدين والتراث في عالم متحول، نستنتج بسرعة أن مرحلة الحكم القوي حولت عالم العرب لصحراء فكرية‭.‬ وتكمن الخطورة في التركيز على مؤامرات دون التحلي بالشجاعة لممارسة النقد الذاتي وتحمل المسؤولية في المخاض الانتقالي الذي لن يكون دربا مفروشة بالورود بل مرحلة يزدحم فيها اللااستقرار مع الجدل الفكري والمتاعب الاجتماعية‭.‬‬‬

انطلاقا من النجاح التونسي المعقول وبداية الاستقرار المصري، الفرصة ليست ضائعة كليا والمهم اليوم إنتاج أحزاب جديدة يتمثل فيها الشباب ومشروع عربي جديد يحيي الحلم العربي في النهضة المؤجلة مرارا.


كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬باريس