نخبة‭ ‬الضياع‬

صحيح ان الظواهر النخبوية كالذهب العتيق تحتاجه وقت المحن؛ ولكن ماذا تفعل عندما تجد من سعى لسحق كل صوت مناوئ وإخفائه أو حالة قابلة لأن تكون مرجعية توفّر الوقود الفكري والذهني اللازم لأي تغيير أو ثورة؟ إذا كانت البوذية نبع إلهام لغاندي جعلته يتحوّل إلى نبراس هداية هزمت الإمبراطورية الأقوى في العالم حينها، لماذا لم يتوفر ذلك الغاندي في بلدان “الربيع العربي” ليطرد على الأقل الطغاة المحليين؟

الجديد  يحيى العريضي [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(53)]

تفصيل من عمل للفنان ياسر أبو الحرم
هنا يظهر السؤال الأصعب: هل المثقف أو النخبوي هو ذاك الذي يبدع جملة فقهية معمقة بمفردات منتقاة منشاة تستند إلى فلسفات ونظريات تربط الظواهر عبر منهجية علمية تخرج بخلاصات وتوصيات تتحول إلى قوانين ونواظم تحدد وتوجه التفكير والسلوك البشري في سمت معيّن؟ أم نحن أمام انكشاف وانفلاش حياتي يشهد تدفقاً للأحداث كل دقيقة فيها تحمل فلما سينمائياً مرشح لـ”الأوسكار” ورواية “تولوستوية” وقصيدة “هومرية” أو “جواهرية”؟

يرى كثيرون أنه حتى لو أوجدْت لأهل زمننا العربي هذا أمثال الكندي والجاحظ وابن الهيثم وابن رشد والفارابي وابن سينا، فلن تراهم يلتفتون إليهم كثيرا‭.‬ وقد تصل الأمور بالبعض أن يفعل بهؤلاء ما فُعل بهم في عصرهم‭..‬ قد تجد من يكفّرهم‭.‬‬‬‬

ألسنا في عصر يستطيع فيه من لازال يخطئ بقواعد وإملاء لغته أن يدلو بدلوه (وبفخار، وفجور أحيانا) بكل ما يمكن أن يأخذ المثقف أو النخبوي ساعات لخط سطر فيه؟ ألسنا أيضاً أمام وضع تحتله حقائق الكل شاهد عيان عليها‭..‬ حقائق تفقأ العيون؛ لا تحتاج إلى راصد مميّز نخبوي راسخ في الثقافة والعلم ليتحفنا بما يُبدع؟ ألسنا أمام سحر الاسم المطبوع إلكترونياً؟ فالكل أصبح يرى اسمه مطبوعاً، وأحيانا مذيلاً بقرصنة من طه حسين أو الكواكبي أو زكريا تامر، لتضيع الفواصل والوهدان والوديان بين ملك العبارة المنفلوطية والجملة الشوارعية في سباق محموم لضخ إعلامي لا يسمح بالتقاط الأنفاس النخبوية والثقافية والتأمل الفكري‭.‬‬‬

في الحالة العبثية هذه، لا نمو للثقافة ولا للنخبوية‭.‬ إننا في عصر النخبوية “الماكدونالدية” التي تلتهم دقائق الحياة ولحظاتها الإبداعية كالتهام “الهامبرغر”‭.‬ إنه الزمن الذي لا يرى مثقفاً فوق “غوغل” أو”الآي فون”‭.‬ وغير موجود ذاك الذي يمكن أن يؤثر أكثر من “الفيسبوك” أو “تويتر”‭.‬‬‬‬‬

هناك آلاف الكتب الأشد خطراً بآلاف المرات على الإسلام ونبيّه من رسم كاريكاتوري فاشل لفنان بائس في مطبوعة منسية‭.‬ إلا أن وسائط التواصل الاجتماعي جعلت الأخير يهز الكرة الأرضية سبع عشرة مرة‭.‬‬‬

لقد تغيّر الزمن؛ إنه الزمن الأميركي حيث التناغم بين “الفاست فود” و”الفاست ثقافة”؛ الزمن الذي يدفع مثقفاً نخبوياً عبقرياً كـ”تشومسكي” جانبا، ويجعل من “أوباما أو كيري أو لافروف أو بوتين” يحددون بـ”عبقريتهم” عدوّ العالم‭.‬ كل ذلك رغم أنك قد تجد ألف “كيري أو أوباما أو بوتين” كل يوم؛ ولكن تشومسكي ممكن أن يظهر مرة في كل قرن‭.‬‬‬

مصادرة المصطلح

في الحالة السورية، بعد حكم عثماني دام أربعة قرون، وانتداب فرنسي لربع قرن، شهدت سوريا “المستقلة” ومضات بسيطة من الاستقرار الوطني؛ لتعيش بعده فترة عقد من الزمن في قلق شديد، حيث كانت تنام على انقلاب لتصحو على آخر‭.‬‬

كان لا بد من أن يهدأ غليانها، ولكن ليس كدولة تنمو وتنتعش وتنهض وتسود فيها الحرية والمدنية والعدالة، بل لتُحكم بالحديد والنار من قبل سلطة تبطّحت على صدرها لأربعة عقود من الاستعباد المطلق والألوهية لرأس الدولة الذي اختصر سوريا باسمه، واسمه بالدولة‭.‬ أضحت أيّ منارة أو شعلة نخبوية أو ثقافية أو تعليمية أو عمرانية أو صحية أو فنية برعاية “الحركة التصحيحية المجيدة” وقائدها الملهم‭.‬

ألسنا في عصر يستطيع فيه من لازال يخطئ بقواعد وإملاء لغته أن يدلو بدلوه (وبفخار وفجور أحياناً) بكل ما يمكن أن يأخذ المثقف أو النخبوي ساعات لخط سطر فيه

فأيّ منجز إن لم يكن أسدياً مصيره العزل والنفي والإقصاء: الولادة برعاية الحركة التصحيحية، وديوان الشعر يُهدى للأب القائد، وجائزة التفوق لراعي العلم والعلماء، والرواية تهدى للقائد الملهم، والبحث العلمي من عطاءات صاحب نظرية التطوير والتحديث، والتحفة المعمارية يوحي بها الفكر المتوقد لقائد الأمة الذي يجب أن يقود العالم (برأي عضو مجلس شعب سوري). على المرء في حال كهذه أن يترحّم على العلم والعلماء والثقافة والمثقفين والنخبة والنخبويين‭.‬‬

كهف الاستبداد

أضف إلى ذلك أن هناك مفارقة عجيبة حدثت في سوريا خلال عقود حكم الأسد؛ جذّرها استدراك النظام لتركيبة سوريا الإثنية؛ حيث تُشكّل الغالبية المسلمة ثلاثة أرباع السكان، وتميل بحكم وجودها ومنشئها للتدين‭.‬ فما كان من النظام إلا أن لعب على هذا الوتر الحساس بكثير من الخبث والدهاء‭.‬ شهدت سوريا إشادة أكبر عدد من المساجد من أيّ دولة إسلامية؛ وانتشرت عملية تحفيظ القرآن الكريم بشكل منقطع النظير‭.‬ ولكن من قام على تلك الجوامع كان من صناعة المخابرات الأسدية؛ وعمليات التحفيظ كانت بصمية دون شروحات أو تفسير أو بثّ لروح الإسلام المتسامح الرحب الإنساني‭.‬ يكفي أن تفكر بـ”رجل دين” كـ”حسون” ليعرف المرء ما فعله النظام‭.‬‬‬‬‬‬

مع غياب العدو الشيوعي السوفيتي للعالم، ومع بحوث "هنتنغتون" و"لويس"، ومع اختيار الإسلام كعدوّ جديد للعالم الغربي؛ ركب النظام الموجة، وبدأ بتصديره حالات الإرهاب؛ وكانت البداية من العراق؛ ثم أطلقه على السوريين، وهدد به العالم؛ ونفّذ‭.‬‬

في ظل وضع كهذا، كيف يمكن للمرء أن يستمر بالحديث عن نخب فشلت؛ كيف لن تفشل أيّ قوة نخبوية أم غير ذلك في ظل يد حديدية نارية خبيثة كهذه؟ كيف يمكن أن تنشأ في ظل سقف وطن ارتفاعه معدة الإنسان؟ أوليس حتى بروز ظاهرة كـ”محمد الماغوط” أو “زكريا تامر” غريبة‭.‬‬

الواقع والفكر

في سوريا، عندما خرجت الأصوات المنادية بالحرية ونبذ الاستبداد والفساد، توقّع كثيرون انتفاضة نخبوية موازية وقائدة لهذه الصرخة‭.‬ للأسف لم يحدث ذلك، والعذر واضح فيما سبق‭.‬ يضاف إلى ذلك تغيّر الأزمان والأدوات والوسائل والملهمين والنخبة أيضاً‭.‬‬‬‬

لقد كانت بطلة الساحة وسائل التواصل الاجتماعي وما حملت‭.‬ وكانت مرجعيات الثورة السورية ورعايتها اللاحقة حالة سليقية لا علاقة لها بالكتب أو المسرحيات أو الشروحات أو التنظيرات‭.‬ لقد كان صبر أهل الثورة واستيعابهم، بأنّ من ثاروا عليه- وقد سخّر فكر الكثيرين من المستأجرين ليبطش بهم ويقصفهم بالسلاح الكيميائي ويساوم محتل الأرض على البقاء- أقوى من أيّ نخبة أو فكر‭.‬ وهنا بالذات تحوّل صبرهم إلى المرجعيات الثقافية والمنارات الفكرية التي تعلّم العالم دروساً في هزيمة الدكتاتورية والظلم‭.‬‬‬‬‬

مهما ارتقت عصارة أفكار النخبة ومهما سمت في تألقها وجوهرها، إلا أن أيّ منتج فكري أو ثقافي يبقى قاصراً عن التضحية بالنفس أو بالغالي في وجه الطغيان والاستبداد

أما بخصوص تغيّر الأدوات، فإن كانت معادلة النخبة والمثقفين تُقاس بعدد الذين يتبعون فكرهم ورؤاهم وتنظيراتهم، فالنتيجة ستكون حتماً لصالح أبطال وسائل التواصل الحديثة‭.‬ إن كان عدد من اطّلع على الكواكبي يصل إلى مئة مليون إنسان، فإن من يتبعونه لا يزيد على المليون‭.‬ بمقياس زمننا سيكون فيصل القاسم، الذي يتبعه مئة مليون، وبجدارة، بطل الزمن الحاضر وملهماً للثورة السورية‭.‬‬‬‬

لا يستقيم أن نسقط معايير زمن على زمن آخر‭.‬ إن جزئيات الثقافة عند الآلاف تشكل الظاهرة‭.‬ الثورة السورية لم تقدم فيها النخبة أو المثقفون منارة الهداية؛ وهم بدورهم -إن وُجدوا- لم يوفّروا القيادة اللازمة‭.‬ لقد تُرك الناس نهباً للمنظومة القمعية وليس للفكر الصحيح‭.‬ لقد كانت بوصلة البقاء -بأي ثمن- هي القرار؛ وأول الأهداف زوال الآخر‭.‬ والآخر بدوره ينشد البقاء ويريد زوال النظام‭.‬ لقد كانت المعادلة صفرية؛ وهنا غاب تأثير أيّ نخبوي أو تنويري‭.‬‬‬‬‬‬‬‬

النخبة والضياع

أخيراً، مهما ارتقت عصارة أفكار النخبة، ومهما سمت في تألقها وجوهرها؛ إلا أن أيّ منتج فكري أو ثقافي يبقى قاصراً عن التضحية بالنفس أو بالغالي في وجه الطغيان والاستبداد‭.‬ لقد حسبتها النخبة التي توفرت، فضاعت بين (الجمود أو الصمت أو الانسحاب) وبين (تقديم ما بدا هزيلاً غير مقنع أمام العملاق والهرم الذي صرخ في وجه المستبد القاتل والظلم المتكلس والفساد المستشري) وبين (الهجوم على بدائية حراك أو انتفاضة أو ثورة بلا فلسفة)… وها هنا ترى الأنامل النخبوية الفكرية الثقافية قد آثرت الاختباء في الظل الآمن العفن على الانكشاف والسقوط الأكبر والنهائي؛ فأي محاولة للقفز فوق الفعل الشعبي العفوي الثوري وأدوات تعبيره البسيطة الجبارة -لغة ومسلكاً- محفوفة بنهاية فجائعية أدبياً أو فلسفياً أو فنياً أو فكرياً‭.‬ لا ندري أهو ضياع النخبة؟ أم نخبة الضياع؟.


كاتب من سوريامقيم في عمان