الوسيلة‭ ‬والجنون

الجديد  رياض رمزي [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(154)]

لو قيّض لأحد ما سماع دعاء أحد أو مجموعة من مسؤولي دولة إسرائيل كل صباح لسمعهم ولرأى أبصارهم متجهة نحو أميركا، وهم يدعون بالموت على نورمان فنكلشتاين وبأيّ طريقة سواء بالموت بحادث سيارة أو بسقوط حجرات من حائط من الطوب عليه، لأن دولتهم تحت مرمى هجومه المتواصل عليهم‭.‬ فأقل خدمة تقدمها لهم السماء أن تسرّع من نهايته‭.‬ لأنه، وذلك منطق قوته، يجابه خطابهم ويفككه بمنطق بسيط ومتماسك مثل مدفع يحدث ثغرات في جدار الأعداء‭.‬ فهو على سبيل المثال يرد على المنطق الإسرائيلي الذي يقول إن الإرهاب عطّل حلول السلام التي طرحتها إسرائيل بالقول “لكن الإرهاب لم يكن ظاهرة خلقت منذ الأبد كي تعطّل مخططاتكم‭.‬ ماذا فعلتم قبل أن يكون هناك إرهاب لمنظمات فلسطينية راديكالية، وعندما وافق الفلسطينيون على عقد صلح معكم؟”‭.‬ وعندما يقول له المؤيد لإسرائيل أن حماس في وثائقها تطالب بتدمير إسرائيل يرد عليهم بأن “العلاقات بين أميركا والاتحاد السوفيتي لم تتأثر بالبيان الشيوعي الذي كان يدعو إلى إزالة الرأسمالية”‭.‬ ليس ذلك فحسب بل هو يحوز على معرفة كاملة بتاريخ فلسطين وجغرافيتها يعز على اختصاصيين متمرسين في هذا المجال الإلمام بهما‭.‬ إنه البروفيسور نورمان فنكلشتاين اليهودي الذي مات جزء كبير من عائلته في محارق النازيين‭.‬ بما أنه معصوم من تهمة معاداة السامية فقد قامت ماكنة الدعاية الإسرائيلية باختراع مصطلح “اليهودي الكاره لذاته” لمجابهته‭.‬

قام هذا المدافع الشجاع عن القضية الفلسطينية بإصدار عدة كتب أحدها بعنوان “إسرائيل، فلسطين، لبنان‭:‬ رحلة أميركي يهودي بحثاً عن الحقيقة والعدالة”، الصادر عن دار الآداب ترجمة سماح إدريس‭.‬ ثم كتاب “التمادي في المعرفة‭.‬ لماذا تشارف العلاقة الحميمة بين اليهود الأميركيين وإسرائيل على نهايتها؟” (شركة المطبوعات للنشر والتوزيع). شق على اللوبي اليهودي وجود منشق بينهم، وخاصة وسط الجامعات الأميركية العريقة في الديمقراطية (كذا)، ينغص عليهم صفوهم فقرروا شن حرب عليه‭.‬ حيث تم منعه من الحصول على وظيفة دائمة في الجامعات الأميركية عقابا على مواقفه السياسية‭.‬

قام فنكلشتاين أواخر عام 2014 بإصدار كتاب جديد عنوانه “الوسيلة والجنون‭:‬ السبب الخفي وراء الهجوم الإسرائيلي على غزة”‭.‬ دار نشر ‭(‬O R‭)‬‭.‬

يدرس فنكلشتاين في هذا الكتاب الأسباب التي تقف وراء قيام إسرائيل بشن ثلاث حروب مدمرة على غزة خلال ستة سنوات، تم خلالها تحويل القطاع إلى خرائب ومقبرة كبيرة راح ضحيتها النساء والأطفال، جاعلين من غزة الاقتصاد الوحيد في العالم (كما الضفة الغربية) المعتمد كليا على الخارج، محوّلين سكانها ومعظمهم من اللاجئين أصلا إلى لاجئين مرة أخرى في أماكنهم‭.‬ هذا هو جنون تدمير المدمُّر حيث يقول “إن الجنون يتلخص في جعل سكنة المخيمات دون خيم”‭.‬

يؤرخ الكاتب هذا الجنون الفعلي على الأرض معتمدا في ذلك على وثائق وبيانات منظمات دولية رسمية وموثوقة تقرير غولدستاين على سبيل المثال. يخلص فنكلشتاين في تحليله إلى تحديد أسلوب ثابت تعتمده إسرائيل في حروبها‭:‬ استفزاز الفلسطينيين، وإجبارهم على الرد، ثم الرد على الرد بطريقة تصفية الحساب، وبعنف لا تتواءم مع رد الضحية‭.‬
ما يميز هذه الحروب أنها ردود مباشرة على مبادرات السلام الفلسطينية‭.‬ لكن ما يميز الحرب الأخيرة (الجرف الصامد) أنها رد مباشر على اتفاق تشكيل حكومة وحدة وطنية بين فتح وحماس، الذي أسقط حجة أساسية في تهرّب إسرائيل من استحقاقات السلام، حينما تدعي غياب طرف يفاوضها على قضايا الحل النهائي وذلك عن طريق اللجوء إلى أسلوب قديم جوهره المصادرة على مطلوب‭:‬ تحويل الاهتمام عن سياسة قضم الأراضي بتوجيهه نحو منظمة حماس “الإرهابية”‭.‬ عندما يحاججه مؤيدو إسرائيل أن حماس تقف حجر عثرة في طريق السلام يرد عليهم “ولكن حماس لم تكن موجودة منذ الأزل‭.‬ لماذا لم تنهوا احتلالكم قبل مولدها”‭.‬

هذه طريقته في الجدال فيردون عليها قائلين‭:‬ لكن حماس في نظامها الداخلي تنادي بتدمير إسرائيل‭.‬ كيف إذن يمكن التفاوض معها؟‭.‬ فيرد عليهم “ولكن منظمة التحرير الفلسطينية ألغت ذلك من ميثاقها، فهل شفع لها ذلك بإقامة اتفاق معها؟”‭.‬ يمضي فنكلشتاين في رده الذكي قائلا “إن كان الأمر كذلك لماذا لم ترفض الولايات المتحدة التفاوض مع الاتحاد السوفيتي آنذاك وهو الذي يؤمن بالبيان الشيوعي الذي يدعو إلى إزالة الرأسمالية”‭.‬

إنه يعرف أن محادثيه يميلون إلى البلف أكثر من اهتمامهم بالمنطق، ثم إنهم يستغلون جهل الأوروبي الذي لا يستفيض في شرح ما يدور خلف الواجهة وعن طريق استغلال مخاوفه من الإرهاب والأنظمة غير الديمقراطية ومن ثمة طرح بديهيات قابلة للتداول فقط في الولايات المتحدة، مستخدمين المنطق الإسرائيلي القديم” إظهار إسرائيل أمام الرأي العام الغربي كحمل وديع بين ذئاب، والتلويح بالقوة الماحقة أمام جيرانها، أي تذكير دول المنطقة بسياسة اليد الطولى وقوة الردع التي جعلتها سيدة المنطقة منذ زمن طويل‭.

نورمان فنكلشتاين

الفتك المنفلت من عقاله وبقلوب نزعت منها الرحمة مُصمم ‭-‬كما يؤكد‭-‬ لجعل من يتجرأ على التفكير على مجابهة الدولة القوية سوف لن يحصد غير الخسران والندم، ومن يلوذ بالصمت سيفتخر بصمته، لأن من يقف أمامهم منيع ومتعذر النيل منه‭.‬ هذا هو المنطق‭:‬ تضييق الخناق على العدو سيشعره بدرجة ضعفه ومن ثمة هوانه‭.

حسب الموروث الشرقي الذي تربى الإسرائيليون وتعاملوا وفقه مع جيرانهم العرب، فإن الخنجر الموضوع على الخصر ليس للزينة‭.‬ يجب ألا يشكنّ أحد عند النظر إلى حامله بوجود تردد لديه في استخدامه‭.‬ وهو تفكير سيخلق تلبكا في أمعاء من يقف في طريقه، فينتهي من يفكر بمجابهته إلى الإيمان بأن التنحي على الجانبين عند قدوم حامل الخنجر إنما هو انسحاب له فوائد‭.‬
يورد الكاتب مثلا على ذلك‭:‬ حادثة السفينة التركية التي تعرف إسرائيل وجهتها وخلوّها من الأسلحة، لكنها قررت تحويلها إلى عبرة، لأن السكوت مرة واحدة سيسمح لذلك الطفل المعاقب الذي أدار وجهه للحائط منذ بداية درس الصراع أن يظهر لامبالاة ستفضي به حتما إلى تمرد‭.‬ من الأفضل لمن عاقبه إذن أن يُريه أن للتململ نتائج وعواقب خيمة ولها تأثير على زيادة عقابه‭.‬

هكذا فسياسة الردع بحاجة إلى عملية تشحيم متواصلة‭.‬ حدث ذلك عندما كان الفلسطينيون يواصلون دك إسرائيل بمقترحات سلام لم تعد إسرائيل قادرة على تحمّل عواقبها‭.‬ فابتدأت باغتيال أحمد الجعبري ثم أتبعتها بحرب عمود السحاب عام 2012‭.‬ اتّبعت إسرائيل هذه الطريقة بقسوة متصاعدة ومطردة وبطريقة مفادها أن ما سيحدث في المرة المقبلة لم يحدث ما يماثله أبدا وويل لمن يخطر على باله أن يجرب نوايا حامل الخنجر، الذي لم يضعه صاحبه ليكون عرضا لتسلية الجمهور، ثم نحن الإسرائيليون لسنا من النوع الذي يحذر‭:‬ حذار، اذهب وفكر مرتين ثم عُدْ ثانية‭.‬
ثم إن إسرائيل كانت في كل مرة تنجح في التخلص من الحساب على ما اقترفته بحق الفلسطينيين‭.‬ أي أنها طريقة لإفهام من يحاول القول بوجود رأي عام يحاول ثنيها عن إنزال العقاب بهم بأنه ليس سوى واهم‭.‬ فكل اللجان تساقطت تباعا، فلا جدوى إذن من التعويل على أيّ من تلك الأوهام‭.‬ لكن فنكلشتاين قام بتوظيف تقرير غولدشتاين وغيره من منظمات حقوق الإنسان بما فيها الإسرائيلية لصالح براهينه على جوهر الدولة العبرية التي أنتهى بأسانيد متعذر دحضها بأنها دولة تمييز عنصري بامتياز‭.‬ وذلك بالضبط ما يخشاه الإسرائيليون الذين بنوا دولتهم كواحة للديمقراطية وسط منطقة يسودها العسف والعنف‭.‬

هكذا فما يورده فنكلشتاين من اتهامات هي أشد همومهم شأنا‭.‬ فهو يسقط من أيديهم ذلك الادعاء، عندما يقول لهم ببراهين موثوقة إن صرخاتكم ليست صرخات مظلومين يطالبون بالحق‭.‬ ثم من هو هذا الذي يجاهر بذلك؟ يهودي من أهل الدار ومن الصنف الذي لم تسمعه أذن ولا وقعت لهم عليه عين فيما مضى، خلا رفيقه اليهودي الآخر العالم الجليل تشومسكي‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬لندن