المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(156)]

بارت ناقدا مسرحيا

“كتابات عن المسرح” هي نصوص جمعها وقدّم لها جان لو ريفيير، أعيد نشرها في طبعة جديدة بمناسبة الاحتفال بمئوية ميلاد السيميائي الشهير رولان بارت ‭(‬1915- 1980‭)‬، الذي أقام حوارا متصلا مع الخطابات النظرية والحركات الثقافية على تنوعها، منددا بكل خطاب مكرّس‭.‬

والمعروف أن بارت كان شغوفا بالمسرح، كمتفرج وشاهد وناقد ومنشط لمجلة متخصصة، في فترة عرفت بداية تشكل الخطوط الكبرى للمشهد المسرحي الحالي‭.‬

في هذه النصوص، وهي في مجملها افتتاحيات ومقالات نقدية، نشرها بارت متفرقة بالصحف والمجلات، وتتناول بالنقد والتحليل المسرح الإغريقي القديم، والمسرح البريختي الذي أحدث ثورة عميقة في المسرح الفرنسي، وخاصة مسرحية “الأم شجاعة” التي عرضت أول مرة بباريس عام 1954، وتلامس جوهر المسرح كما ينبغي أن يكون في علاقته بالذات والكينونة الاجتماعية‭.‬

ديانة القرن

في كتابها “عبادة حقوق الإنسان”، تستعرض المؤرخة وعالمة الاجتماع الفرنسية فالنتين زوبر ظروف ظهور إعلان حقوق الإنسان والمواطن في صيف 1789، وتكريسه رمزا للثوريين في فرنسا وخارجها، قبل أن يصبح أشبه بإنجيل يضمّ المبادئ المقدسة للجمهورية الفرنسية، وعقيدة لكل تشكيلة سياسية تنشط داخلها‭.‬

هذا التقديس في رأيها يطرح مسألة وجود شكل من أشكال الديانة المدنية داخل الجمهورية، رغم علمانيتها المعلَنة‭.‬ ذلك أن هذا الإعلان، الذي صيغ في الأشهر الثلاثة الأولى للثورة الفرنسية، تكرّس على مرّ الأجيال، حتى صار جزءا لا يتجزأ من التقاليد الجمهورية، منذ 1889 إلى تاريخ الاحتفال بمرور قرنين على اندلاعها عام 1989، كديانة مقدّسة يعبدها الجميع، ويعبرون عن انتمائهم إليها واعتزازهم بها، والإشادة بها في المحافل الدولية، حتى باتت فرنسا تعرف ببلد حقوق الإنسان‭.‬

حركات التحرر النسائية

في “ثورة الأنثى” تؤكد كميل فوادفو ميتري أستاذة العلوم السياسية بجامعة رانس، أن الحركة النسائية لم تخلق دينامية المساواة بين الرجل والمرأة فحسب، بل أعادت أيضا تشكيل عالمنا المشترك، في مسعى لا يزال ساريا تهجر فيه الأدوار العائلية والوظائف الاجتماعية انتماءها لهذا الجنس أو ذاك‭.‬

وبصرف النظر عن العراقيل التي تمنع مساواة صارمة بين الجنسين، تسجل الكاتبة ما نشهده من تحوّل حقيقي على صعيد التاريخ الإنساني، خصوصا في المجتمعات الغربية، حيث أن التعيينات والوظائف التراتبية ما عادت خاضعة للجنس، بل للكفاءة وحدها‭.‬ دون أن يعني ذلك تسوية بين مصائر الرجال والنساء، نظرا لإصرار الأفراد على تقديم أنفسهم بوصفهم رجالا أم نساء‭.‬ وخاصة أولئك اللاتي يتزعّمن الحركات النسوية المطالبة بحقوق المرأة، بدل حقوق المواطن‭.‬ وفي رأيها أن المواطَنة غير المحدّدة بجنس، تبدو مثالا لما ينبغي أن يكون عليه الوضع البشري‭.‬

بوتور والنقد الجغرافي

لميشيل بوتور كتابان في أدب المقالة لا يزالان يحظيان باهتمام النقاد‭.‬ الأول هو “التعديل” والثاني هو “عبقرية المكان” الذي صدر أول مرة عام 1958 وأعيد طبعه مؤخرا‭.‬

هذا الكتاب جمع بورتريهات أدبية راقية لسبع مدن متوسطية هي قرطبة وإسطنبول وصالونيك ودلفي ومليلة ومنتوفا وفرّارا، إضافة إلى جزء خاص بتأمّلات وأشعار وطرائف يرويها الكاتب عن مصر، التي أحبها وأقام بها‭.‬

هي مقالات أدبية بديعة استوحاها الكاتب حول تاريخ المدن التي زارها وآدابها، ويجعل مما سمّاه “النقد الجغرافي” عملا فنيا، مذكرا بأن المدن ليست من معجزات الطبيعة، بل هي تحف بديعة من صنع الإنسان، يشيّدها أباطرة ويدمّرها فاتحون، ولكن فيها نحاتين أقاموا أصناما، وكتابا ألفوا كتبا، وفنانين صاغوا ألحانا خالدة‭.‬ ومن ثَمّ لا غرابة أن نلتقي ببورخس في عطفة شارع من شوارع صالونيك، أو ابن رشد في ساحة بقرطبة‭.‬

أعداء الإنسانية

يستعرض الفيلسوف الفرنسي فرانسوا غيري في كتاب “أركيولوجيا العدمية” تاريخ هذا التيار الذي نشأ في روسيا، منذ مقتل الإسكندر الثاني قيصر روسيا عام 1881 إلى ظهور الحركات الجهادية الإسلامية؛ من شياطين دستويفسكي إلى “انقلاب القيم” النيتشوي، ومن “موت الرب” إلى كل المنافحات الإجرامية ذات العنف الذي يمارس كفداء‭.‬

يقدّم الكاتب خبايا فكر عدمي ما انفك يضرم النيران في العالم، مستدعيا مفكرين عالجوا المسألة مثل ألبير كامو وأورتيغا إي غاسيه ومقابلهما إرنست يونغر وهرمان راوشينغ، لتسليط الضوء على هذه النظرية الراديكالية، القائمة على الدعوة إلى إبادة الآخر المختلف عرقيا أو إيديولوجيا، كما هو الشأن مع النظم التوتاليتارية كالشيوعية والنازية، والجماعات الإسلامية المتشددة كتنظيم القاعدة وداعش وبوكو حرام، التي لا تملك غير رغبة مجنونة في سفك الدماء وتخريب البيئة وتدمير العمران‭.‬

فرنسا وتصفية الخصوم جسديا

جديد الصحافي فنسان نوزيل، كتاب بعنوان “قتلة الجمهورية” يفضح فيه سرا من الأسرار التي تتكتم عليها الدولة الفرنسية، ألا وهو لجوؤها إلى تصفية الخصوم جسديا، باستعمالها فرق موت خاصة، كما في الأفلام، بدعوى أنهم يشكلون خطرا على مصالحها، أو يهدّدون أمنها القومي‭.‬

ولا تقتصر العمليات على التراب الفرنسي وحده، بل تتعداه إلى مناطق نفوذها الواسعة، سواء في الشرق الأوسط، أو في مستعمراتها القديمة بأفريقيا السوداء‭.‬ وتأتي هذه العمليات في شكل انتقام موجه، أو سلسلة اغتيالات، أو القضاء على زعماء تنظيمات إرهابية، أو إشعال صراعات قبلية وحروب أهلية، أو عمليات يوعز بتنفيذها قصر الإيليزي نفسه إلى مجموعة من المرتزقة، أو إلى أعوان من المخابرات الصديقة التي تحفظ الأسرار‭.‬

اعتمادا على الوثائق واعترافات شهود، يكشف الكاتب عن الساهرين على “عمليات هومو” والمقصود بها قتل البشر، التي تمت تحت سائر رؤساء الجمهورية الخامسة، من ديغول إلى فرانسوا هولاند‭.‬

أوكتافيو باث الشاعر الرحالة

بمناسبة إحياء مئوية ميلاد شاعر المكسيك الأول، صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب الباحث المكسيكي كريستوفر دومنغيث ميخائيل “أكتافيو باث في قرنه” الذي يتوقف فيه مؤلفه عند أهم المراحل التي طبعت صاحب نوبل 1990 من مواقفه ضد وحشية الجنرال فرانكو وعلاقاته بمالرو ونيرودا وأليخو كاربنتييه وقصائده مثل “حجر الشمس″ التي يحفظها المكسيكيون عن ظهر قلب، و”بين الحجر والزهر” التي تصور بؤس المزارعين المايا، إلى كتابه السجالي “متاهة الوحدة” الذي يجمع بين المقالة الأخلاقية والثقافية، والبحث الأنثروبولوجي والسيرة الذاتية‭.‬ ليستخلص أن آثار باث أعمال متشظية يفتح بعضها على الآخر، حيث يتقاطع أو يتصادم صوت الصمت وصوت الصخب، الحكمة المجنونة والجنون الحكيم، الهمس الحميم في المخدع وهدير الجماهير في الساحة العامة‭.‬ “الاستماع لتلك الأصوات إصغاء للزمن نفسه”‭.‬ يقول باث، عبر هذه السيرة الذاتية الراقية التي تمكّن القارئ من الإنصات لصوت شعري متفرد‭.‬

درس في الحياة

“لن أملّ في الآخرة” سيرة ذاتية عميقة للمؤرخ بول فين، المتخصص في العصور القديمة التي ألّف فيها كتبا قيّمة، وصاحب الترجمة الرائعة لإنياذة فرجيليوس (عن اللاتينية). هو تأمل في الحياة المعرفية كما عاشها بين عهدين، عهد التعلم وعهد التعليم، قبل أن ينتقل إلى التأليف وترجمة آثار بارزة لعصور ما قبل التاريخ‭.‬ وفي خلاصة ما جناه من الاطّلاع عليها والاستئناس بأعلامها، وحديث عن “مرضه” الذي سبب له شوهة، وانخراطه في الحزب الشيوعي، وعلاقاته ببعض رموز الفكر في فرنسا، ميشيل فوكو مثلا، ودروسه التي كان يلقيها في الكولاج دو فرانس، وكذلك عن مسراته الوجدانية وهمومه الوجودية‭.‬ والمعلوم أن هذا الكتاب حاز إعجاب القراء لما فيه من علم غزيز وثقافة عميقة وصدق في البوح حتى بالأشياء الحميمة، مصوغة بلغة واضحة وأسلوب سلس، وتوّج بجائزة فيمينا لهذا العام‭.‬

عبقري اللغة الإنكليزية

“ويل الرائع“ هو كتاب للأميركي ستيفن غرينبلات، أستاذ الأدب بجامعة هارفرد، صاحب نظرية التاريخ الجديد، التي ترى أن الأثر ينبغي تحليله على ضوء زمنه والظروف التي هيأت لخلقه.‬ يحاول من خلاله أن يرصد سيرة وليم شكسبير من خلال الوثائق النادرة التي تركها، مثل وثيقة ميلاد، ووصية مسجلة لدى أحد العدول، وقوائم ممثلين، وبورتريهات بعض الشخصيات الحقيقية أو المتخيلة‭.‬ والكاتب إذ يحمل القارئ إلى لندن في العصر الوسيط وصخب شوارعها وعنف سكانها في شكل مشاهد وفصول طريفة، يتعقب المعنى في أشعار شكسبير، كالسونيتات التي يعتبرها “صناديق أسرار رائعة”، ولكن ضالته يجدها في مسرحياته، حيث يقبل على الدراما التاريخية، تراجيدية كانت أم كوميدية، يحللها ويبين علائقها بسيرة شكسبير وأهله وذوي قرابته، ليكتشف الإنسان الذي ألّف الآثار الأكثر أهمية في القرون العشرة الأخيرة‭.‬

المعلم أرسطو

عن دار فلاماريون، صدرت طبعة جديدة من الأعمال الكاملة للمعلم أرسطو، تحت إشراف بيير بيلّيغران‭.‬ هذا الفيلسوف الذي لم يوجد كفؤا له – باستثناء سقراط ربما‭-‬ في تأثيره في تاريخ الفكر الإنساني كافة، وقد اعترف بمكانته فلاسفة من شتى الحضارات ومن مختلف العصور، من الفارابي وابن رشد العربيين إلى ابن ميمون اليهودي‭.‬ ومن توما الإقويني الذي ينعته بـ”الفيلسوف بامتياز“ ودانتي الذي يعدّه “سيّد جميع العارفين” إلى هيغل الذي أخذ عنه الميتافيزيقا وهايدغر الذي اعتبر فيزيقا أرسطو الكتاب الأساس في الفلسفة الغربية‭.‬ حتى الفلاسفة المحدثون من آنا أرنت وألاسدير ماكنتير إلى ريمي براغ ومارتا نوسبوم يقرون بفضله عليهم‭.‬ في تقديمه للأعمال يرى بيلّيغران أن أرسطو متقدم على الحداثيين، فالمنطق عنده لم يقطع مع الجينولوجي، والعقلانية لا تعرقلها الحيوانية، والثقافة لا تتعارض مع الطبيعة‭.‬

منارة اليافعين

“المرأة الصغرى” في صيغتها الأصلية أو “بنات الدكتور مارش الأربع“ في ترجمتها الفرنسية هي من أشهر روايات اليافعين، وقد ألفتها في القرن التاسع عشر فتاة أميركية تدعى لويزا مي ألكوت ‭(‬1832- 1888‭)‬ وكانت قد أقسمت، حينما كانت صغيرة، أن تصبح مشهورة‭.‬ فألفت رواية بطلتها فتاة في مثل سنها تدعى جو ولها، مثلها أيضا، ثلاث أخوات هن ميغ وبيث وآمي، صورت فيها حياة أسرة متواضعة خلال شتاء لا ينتهي، زمن الحرب الانفصالية بين الشمال الأميركي وجنوبه، فأعجب بها القراء وتلقفوها وصارت مؤلفتها واسعة الشهرة‭.‬ في كتاب “لويزا مي ألكوت” تسرد الفرنسية فيفيان فيري سيرة هذا الكاتبة وتعرفنا على إخوتها وأبيها الذي كان يدعو إلى إلغاء العبودية والمساواة بين الجنسين، مثلما كان ينادي بتطوير التعليم حيث يقول ‭:‬ “لا نريد مدارس لتعليم المعارف فحسب، وإنما لتنمية النبوغ، المكمل للروح”‭.‬

ضمير الشعب الأسود

ست وثلاثون سنة مرت على صدور كتابات ستيف بيكو، المثقف والمناضل الجنوب أفريقي الذي قتله البوليس عام 1977، وهو في سن الحادية والثلاثين، قبل أن يترجم إلى الفرنسية ويصدر عن دار نشر صغرى هي أمستردام‭.‬ يحوي الكتاب نصوصا تعكس ذكاء سياسيا عجيبا، وصاحبها لا يكتفي بنقد العنف والعنصرية والاستغلال، بل يحلل تلك الظواهر بكثير من الدقة وقدر كبير من التمرّس بواقع الحال، وهذا ليس غريبا على من كان منظّر حركة الضمير الأسود والناطق باسمها، وهي حركة كان لها تأثير قوي على الطلبة، تحدد نفسها كحالة فكر ونمط عيش‭.‬ في نصوصه هذه يندد بيكو بمن يتشبه بالبيض “في محاولتهم التنصل ممّا هم عليه وتقليدهم الرجل الأبيض، يكفر السود على حكمة من خلقهم كذلك‭.‬ ” لذلك عاش ينادي بفقه أسود يخالف “قيم البيض الخاطئة”‭.‬ الكتاب وثيقة هامة لأيقونة نضال السود ضد سياسة الميز العنصري، حيثما كان‭.‬


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا