عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/04/2015، العدد: 3، ص(160)]

تحتاج أن تكون مهما أو مثيرا للاهتمام لكي تتمكن من الإبقاء على تركيز من حولك‭.‬ أيّ شيء أقل من هذا سيدفعهم إلى أن ينظروا إلى شاشات هواتفهم الذكية‭.‬ هم معك جسديا ولكنهم بعيدون بعقولهم في العالم الافتراضي الذي صار حقيقة بفضل الإنترنت‭.‬

لا عيب في هذا‭.‬ ليست مشكلتهم أنك أقل أهمية مما تعتقد أو أن شيئا ما يحدث في مكان بعيد يسترعي الانتباه أكثر مما تقوله‭.‬ لكن ثمة مشكلة من نوع ثان تفرض نفسها علينا‭.‬

لا يستطيع الكثير منّا التركيز على الأفكار كما كنّا نفعل قبل عشرة أعوام أو عشرين عاما‭.‬ ثمة تشويش كبير يحيط بالمجال الذهني للفرد اليوم يمنعه من التأمل في الأشياء‭.‬ وفرة المعلومات وسرعة تواترها تمنعان التركيز في معانيها‭.‬ ثمة تشبّع حقيقي يجعل من الطبيعي أن يزيح أحدنا ما في ذهنه أو جزءا منه، ربما كل ساعة أو ساعتين، ليفسح مجالا للقادم الوفير والمتجدد‭.‬

هذه الغزارة السطحية التي توفّرها الوسائط المتعددة من تلفزيون وموبايل وكمبيوتر، مريعة‭.‬ ما عاد ضروريا الفهم بقدر ما صار مهما القدرة على استرجاع المعلومات وقت الحاجة إليها‭.‬ بوجود غوغل، من يريد أن يزحم مخه بكل هذه التفاصيل؟

إلى جانب ذلك، هناك سطحية من نوع آخر‭.‬ تقنية المعلومات لا تجعلنا نعتمد على ما تقدمه إلينا الإنترنت ومكائن البحث، بل تحثنا، من دون وعي، نحو عدم التوقف عندها أو التمعن فيها‭.‬ ما إن تطلب معلومة حتى تقلّبها بسرعة كبيرة وتملّ منها وتذهب إلى غيرها‭.‬ تقنية حركة الأصابع على شاشات الكمبيوترات اللوحية أو الهواتف الذكية، جعلت الأمر أسهل، بل وأكثر استخفافا‭.‬ أنت تقلب الصفحات بكل احتقار ولا تتوقف عند الكثير منها‭.‬ ربما تسترعي انتباهك صورة، ولكن حتى الصور لا تجد من يتأملها كثيرا‭.‬ هناك الملايين غيرها تنتظر دورها‭.‬

انظر ما يحدث كذلك بعلاقتنا بالريموت كونترول والفضائيات الكثيرة‭.‬ مشهد تقليب القنوات هو مشهد مألوف‭.‬ نداء أن “توقف قليلا لنسمع أو نرى ما يحدث” مألوف أيضا ويوجهه كثير منا لبعضهم البعض‭.‬ ذهب زمن الاستئذان لتبديل المشاهدة بين قناتين أرضيتين وحيدتين على تلفزيون الأمس القريب‭.‬

مشهد القارئ الذي يغوص في صفحات الكتاب صار نادرا أيضا‭.‬ الغرب يعاني من هذه المشكلة، وبدأ الكتاب يختفي من أيدي المسافرين في القطارات والحافلات، بعد أن كان لازمة ضرورية‭.‬ سبقته إلى الاختفاء الصحف‭.‬ قبل سنوات كان من النادر أن ترى وجوه المسافرين في عربة قطار‭.‬ الكل غارق في صفحة جريدة أو صفحات كتاب‭.‬ الآن تراهم يتبسّمون إلى هواتفهم‭.‬

في العالم العربي كانت مشكلة الكتاب أخطر‭.‬ لم يمرّ العرب بمرحلة القراءة الشعبية واسعة الانتشار بالأصل لأسباب مادية في الدرجة الأولى‭.‬ الخبز أهم من الكتب‭.‬ الآن عبروا إلى صفحات الهاتف الذكي مباشرة‭.‬ الكتاب كان حالة وجود عارضة في دول عربية غارقة في همومها السياسية والحياتية أو ألهاها عنه الترف‭.‬

الشبكات الاجتماعية لم تساعد كثيرا‭.‬ صفحات الفيسبوك مليئة بالكثير من الغث والقليل من السمين‭.‬ حجم القال والقيل والنكات والترهات والأدعية والتحريض هو حجم استثنائي على صفحات الكثيرين‭.‬ تأتي بعد هذا الأخبار والصور‭.‬ أما المعارف والكتب والمقالات العميقة فتكاد تكون مختفية‭.‬

محدودية التوقف عند الأفكار والمعلومات التي يتم تداولها عبر الوسائط المتعددة هو ما يجعل الانتقائية العشوائية والمتطرّفة هي السائدة‭.‬ مع قلة الفهم، يتمترس الانسان بترديد المألوف واتباع السائد‭.‬ يعيد ترديد الأقاويل الساذجة أو يقوم بـ”ريتويت” لتغريدة موتورة على تويتر‭.‬ ينتهي الأمر لديه عند حدود الفهم هذه وهو ما يجعل بيئة التطرف، السياسي والاجتماعي، الديني والعلماني على حد سواء، هي السائدة‭.‬

من دون فهم تنكسر معادلة مهمة‭.‬ إنها معادلة بسيطة لتشكيل الفهم‭:‬ بيانات ثم معلومات ثم معرفة ثم حكمة‭.‬

هناك كمّ كبير جدا من البيانات‭.‬ عملية تصنيف هذه البيانات تحولها إلى معلومات‭.‬ نستنتج من تراكم المعلومات إلى ما يسمّى بالمعرفة وهي ما يؤطر حياة البشر ويجعلهم قادرين على العيش واتخاذ القرارات الصحيحة‭.‬ تجارب المعرفة الطويلة والعميقة تقود إلى الحكمة‭.‬

الفوضى الفكرية والنفسية التي تعيشها شعوب الأرض اليوم، وليست شعوبنا فقط، في الأساس هي نتيجة لتكسير هذه المعادلة‭.‬ القفز بين أطراف المعادلة من دون تريّث هو ما يقود إلى هذه الفوضى‭.‬ اختلاط أطرافها هو ما يعرقل الوصول إلى الاستنتاجات الصحيحة‭.‬

كل أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية والفضائيات في العالم لن تستطيع تغيير قدرة وصول العقل السطحي إلى فهم صحيح طالما بقيت المقاربة قاصرة.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة