الرعب‭ ‬حواجز‭ ‬عسكر‬‬

فصل‭ ‬من‭ ‬رواية‬‬

الجديد  رنا‭ ‬نجار‬ [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(98)]

عبدالباسط الخاتم
الطريق إلى الدير أشبه برحلة أعمى أبصر بعينيه للمرة الأولى.(…) نجتاز جسر الواطي، باتجاه منطقة النهر، إلى الأوتوستراد المؤدّي الى أنطلياس. عيوننا متربّصة مشدوهة بمناظر ومناطق وأسماء شوارع لم نسمع عنها. شوارع مطلية بالسواد. رائحة البارود المُعتّقة تطلع من كل زاوية. بقايا القذائف مدروزة على الشرفات. هناك بنايات معلّقة شرفاتها بين الأرض والسماء، ومحال تجارية أبوابها منفوخة كبُطون الحبالى، كأنها كانت تعاند الانفجار. تسير السيارات بشكل عادي! ووجوه المارة لا تشوبها علامات استفهام أو غرابة. يبدو أنني وجاد، الوحيدان المستغربان.

نكمل إلى بكفيا فتزداد الطريق جمالاً، رغم الدمار شبه الشامل لكل ما يدخل فيه الباطون والحجارة. أشجار وجبال تكسوها الخضرة تحيط بنا من الجانبين. رائحة صعتر بري تخترق الجهاز التنفسي فتُحيي الرئتين. بيوت لم تلمسها آلة الحرب. بيوت قديمة بقناطر مرتفعة تشبه تلك التي يرسمونها في كتاب القراءة، أو في مسلسلات إلسي فرنيني وهند أبي اللمع. “ليكي هيدا البيت شو بيشبه تبع استظهار: “في بيتنا المدروز شوحاً سقف منزلنا اختفى”، يهمس جاد في أذني. يسمعه الأبونا فيكمل: “حرسته خمس صنوبرات فانزوى وتصوّفا”. نضحك جميعنا ومعنا أبو كمال. شكل “أبو كمال” مضحك أصلاً من دون أن يضحك. فهو نحيف لدرجة قد تخمّنه “شوشو”، لولا أن شاربيه حليقان وشعره خفيف.

من بكفيا إلى بتغرين والخنشارة، ننحدر يميناً باتجاه “وادي الجماجم”! قرأت الاسم على لافتة قديمة صدئة. تمنّيت ألا يتنبّه لها جاد. حقاً بدأت ركبتي تؤلمانني لدرجة أشعر بشللهما. رحت أتخيّل شكل الجمجمة في صور كتاب العلوم التي ترعبني بمجرد النظر إليها. صرت أسمع أصوات الجماجم وهي تتدحرج في ذلك الوادي البعيد. أسمع قرع العظام. حفيف ورق الأشجار يزيد المشهد رعباً. صفير الهواء في منطقة شبه خالية، يعصف في مخيّلتي رهاباً لم أشعر به من قبل. للحظة شككت أن يكون الأبونا خطفنا، لتكون جمجمتانا، جاد وأنا، بين تلك المتدحرجة، فلا نعود إلى البيت أبداً، كما جرى لنضال ابن رويدا قريبة أبي (…).

مفترق وادي الجماجم ذاك، جعلني أفكر بلحظة اكتشاف أمي أننا خُطفنا. في دماغي، بدأت تتداخل المشاهد. وجه رويدا الحزين الشاحب، صار وجه أمي. أراها تصرخ وتنهار. تكفر وتشتم أبي على فعلته السوداء بالموافقة على ذهابنا إلى زرعايا. أراها تضرب كفاً بكف، منادية “يا عليييييي شو عملت فينا. قلتلك ما بدي أبعتن على المخيم. يا عليييييي خربتلنا بيتنا. ولدين ما عندي غيرن”. عندما وصلت إلى النهاية، لم أرَ أمي منتحرة، لا أدري لماذا. وفي الوقت نفسه، لم أرسم في السيناريو الذي أعددته خلال لحظات قليلة، مشهد أبي المذعور على فراقنا. لا أعرف لماذا لا أراه في مثل هذه المشاهد الدرامية؟

من بعيد، بدا لنا بيتا جميلا كبيرا، سقفه من قرميد. انتقل عقلي مباشرة إلى قلب الدير، بينما كان جسدي مسمّرا في المقعد الخلفي للسيارة. تراءى لي راهبات صغيرات بلباس أزرق، يرحن ويجئن بسرعة في الأروقة، وصوت الموسيقى يصدح في المكان. راهبة سوداء خمسينية تغني أغاني الميلاد، وأخرى تعزف على البيانو. وقاعة يتراقص فيها صبيان وبنات شقر، أجمل من ممثلي الأفلام. كلهم وسام ناصعو البياض وتعتلي الابتسامة وجوههم.

كلهم يرتدون ثياباً جديدة، ومعاطف من الفرو، وأحذية لامعة. واحد يتنكر بوجه أسد، وآخر بزيّ جندي يحمل بارودة. وفي الزاوية، متحابان صغيران يُدردشان بصوت منخفض. وأطفال يركضون ويُقهقهون حول طاولة كبيرة تحمل أطباقا شهية، وعوامات وكاتو، وعصائر… فجأة، جاء صوت الأبونا، قاطعاً عليّ المشهد وقائلاً: “اطّلعو ليكو الدير وين. هونيك رح تقعدو بهالبيت الحلو”.

اجتزنا ساحة الضيعة. انحدرنا يساراً باتجاه البساتين. كلما اقتربنا من الدير، خَلَت الأمكنة من البيوت. الأشجار سيّدة الوديان والجبال والطرقات الضيّقة، الوعرة منها والسالكة. درّاق، تفاح، إجاص، زعرور، صنوبر، شربين، توت بري… أشجار تغزو المنطقة. نباتات شديدة الخضرة منتشرة بين الصخور. زهور صفراء، بنفسجية، زهرية، بيضاء. كأنّ الطبيعة تركت كل البلد لتُحشر في مكان واحد.

أغلق جاد شبّاكه. ففعلت مثله. لسعنا نسيمٌ خفيف يُشعر بالبرد اللذيذ الذي يُدغدغ البدن. استسلمت للتأمّل بالمساحات الخضراء. سرح نظري. غفوتُ للحظات، مستيقظة على يد جاد تهزّني وصوته يهمس: “وصلنا. قُومي قُومي”.

وجدت نفسي في ساحة واسعة جداً، أوسع من ملعب مدرستنا بكثير، تتوسّطها شجرة زيتون عتيقة. تطلّ على شبابيك خشبية تشبه شبابيك البيوت في الرسوم المتحركة. إلى يمين الشجرة، يقع باب الدير الرئيس. لم ندخل منه. مررنا من أمام عتبته، متابعين سيرنا يساراً نحو الباب الخلفي حيث تجمّع المشاركون في المخيم، وسط باحة صغيرة. من بعيد، أرى أولاداً كثرا يتوزعون على مقاعد إسمنتية. يفترشون الأرض بحقائب أنيقة وأمتعة غريبة. أحدهم يحمل كيساً جلدياً كبيراً أسود فيه آلة ضخمة، وددت لو أسأله ما هي ولماذا يحملها إلى هنا. تقف بجانبه فتاة طويلة تُعطيها تسريحة شعرها القصير، ملامح فرنسية. لفت نظري صبي “َbronse” ثمين، يروح ويجيء على دواليب صغيرة معلّقة في رجليه. ابتسم لي لحظة وصولنا، فأدرت وجهي عنه وصرت أسترق النّظر إليه سرّا. يرتدي “تي شيرت” قطنية عسليّة بلون عيونه، و"سنيكيرز أديداس" أبيض مرّ عليه الدهر. كلما أنظر إليه، أراه يُبحلق بي من تحت نظاراته السوداء الدائرية. غالبية الأولاد هنا يغطّون عيونهم بنظارات شمسية، إلا هو. يحملون حقائب صغيرة على خصورهم، بينما يحمل هو حقيبة كبيرة على ظهره. لم يكونوا بأبهى حُللهم وبأحذية جلدية لامعة، كما خلت. صحيح أن ثيابهم مزركشة وغريبة، وأحذيتهم الرياضية من ماركات “NIKE” و”FILA” و”ADIDAS” وأخرى لا أعرفها، لكنها ليست جديدة. همست لجاد “لاحظت شو سمر؟”. فأجاب: “إيه كأنن جايين عن البحر طازة”.

“Salut”. تستقبلنا غلاديس المفعمة بالحيوية، بابتسامات عارمة. تُقبّل الأبونا، ويتسامران قليلاً. فيُقبّلنا هو بدوره، مُودّعاً. “رح تهتم غلاديس فيكن. هون كل الناس بحبوكن. اعتمدوا على حالكم وكونوا قد المسؤولية”.

ما إن أدار الأبونا ظهره، حتى تدفّقت جمل غلاديس السريعة بفرنسية باريسية محضة، مستفسرة عن رحلتنا وأشياء أخرى، ومرحبة بنا. أحسست فجأة أنني غريبة. كأنني ضائعة في صحراء مقفرة. لم أفهم كل ما قالته غلاديس. كادت مقلتاي تدمعان. حاولتُ أن أجمع كل تركيزي كي لا تفوتني جملة مهمة. لم أستطع متابعتها. كنت أعرف الفرنسية جيداً. لكن ليست هذه الفرنسية التي أعرفها.

تدعونا للانضمام إليهم.”Voulez-vous un vers de jus d’orange?”. لم نُجب لا أنا ولا جاد. بقينا كما لم نسمع. فأمسكت بيدينا “Allez allez”، ما لازم نستحي هون”.

طعم العصير طيب. شربت القليل من الكوب البلاستيكي ولم أكمله. الارتباك ظهر منذ أمسكت بالكوب الذي كرع جاد مثيله، دفعة واحدة.

تسألنا غلاديس جلب حقيبتينا من الخارج، ووضعها أمام حقائب زملائنا. يندفع جاد بسرعة. ألحق به مؤنّبة، بصوت منخفض: “شوي شوي يا جاد. على مهلك. شو بلّشنا؟”. ينزعج ولا يردّ بكلمة.

ما إن حملت حقيبتي لأجرّها نحو البهو الداخلي للدير، حتى وقعت كل أمتعتي منها. ضحك جميع الأولاد. شعرت أن ملابسي الداخلية والشراشف والجرابات التي وقعت، خُلعت عني. تسمّرت في أرضي. خجلت. دارت الثرثرات في ما بينهم. صار جاد يُلملم ما وقع. اقترب الأسمر الثمين لمساعدته، بينما كنت محدّقة في الأرض لا أتجرّأ على رفع نظري، وقال: “si tu veux،tu peux prendre ma valise”. ضحكت بثقة وشكرته، مع أن سكيناً كان يمزّق أحشائي. كتمتُ مشاعري، وحبست دموعي، بينما كان قلبي يُزقزق لشهامته.

عبدالباسط الخاتم

“يمكن حملها أبو كمال بطريقة غلط، أو علقت بشيء لمّا كان عم ينقلها من صندوق سيارته لهون”، قلتُ لغلاديس عندما استدركت الأمر وأتت لتُساعدني. الأرجح أن حقيبة أم وليد كانت قديمة جداً، على رغم أناقتها.

قالت غلاديس: “t’inquiete”. حملت معي الحقيبة الممزقة وأعطتني كيساً أسود أفرغنا فيه الأغراض والملابس. عندما وضعته إلى جانب الحقائب الأخرى، شعرت بالمهانة. كيس من النايلون، مقابل حقائب ملوّنة على الموضة، وأخرى من البلاستيك المحمولة على عجلتين صغيرتين. بدا كيس نفايات. أحد الأولاد الذي عرفت لاحقاً أن اسمه سامي، كان يحمل حقيبة تمنّيت لو أسرقها. عليها دوائر كثيرة، وكل دائرة تحمل لوناً. كل الألوان التي نحبّها، حتى البنفسجي الداكن والفوسفوري. بدت حقيبة أم وليد الـ”سامسونايت” التي بهرتنا، “دقة قديمة” أمام تلك الـ”سبور” اللامعة…

وصل كريم قريب الأبونا إدمون ومعه جيزيل ولورا ونيللي وشربل والراهبة فاديا، المشرفين على المخيم. قسّمونا إلى فرق، بحسب الأعمار، وأعلنوا اسم كل منهم، مسؤولاً عن فرقة معيّنة. كنت وسبعة أشخاص غيري من فرقة “AdolescentsLes”، الأكبر بين المشاركين في المخيم. وفصلوا جاد عني ليكون في فرقة للصغار أطلقوا عليها “les heros”. غالبيتهم كانوا ذكوراً ونحيفي الأجساد. تولّى المونيتور فادي قيادتهم، بينما استلمت قيادة فريقنا “سور” فاديا، بالتناوب مع لورا. لطيف أن تكون معنا راهبة في الفريق. تقول أمي إن “تربية الراهبات أحسن تربية. الولد بيطلع من عندن مهذب ونظامي وبُلبل فرنسي”.

فرِحتُ لوجود “سور” فاديا معي. كنت أحبّ الراهبات لا أعرف لماذا. ولطالما أعلنت رغبتي بأنني سأكون ذات يوم راهبة. قد يعود الفضل للراهبات الفرنسيات اللواتي يسكنّ في دير صغير، في ضيعة أمي. كنت ألتقي بهنّ عند أطراف البساتين التي تملكها جدتي لأمي في بلدة الهرمل. كنّ قلّة. ثلاث أو أربع فقط. ولم تكن في جانب الدير كنيسة، ولا جرس كبير كالذي يعتلي دير زرعايا هذا. لم أدخله إلا مرة واحدة، عندما كانت جدتي تشرب القهوة مع الراهبات، في استراحة صباحية من القطاف. الابتسامة لا تفارق وجوههن ناصعة البياض. وكل واحدة منهن تحمل صليباً نحيفاً جداً في عنقها.

كلما أمرّ برفقة جدتي أو خالتي نهاد الصغرى بجانب ديرهن، يسألنني عن عدد أكواز التين التي قطفتُها. يتحدّثن معي بعربية مشوّشة. فتعترض جدتي طالبة منهن: “حكوا معا فرنساوي، بتعرف. بنتي حاطا ولادها بأحسن مدارس. ما بيحكوا فيها إلا فرنساوي. وكلن الأوائل اسم الله”.

أحياناً كانت الراهبات يعطينني حبات رمّان طعمها سكريّ تشوبها حموضة لذيذة. جدتي تُحبهن كثيراً. علّموها كيف توخز الإبر وتعلّق المصل للمرضى. كانت جدتي تَمرض كثيراً. ولولا مساعدتهن لها في الأمور الصحية والتمريضية، لماتت من زمان. كل أهالي البلدة كانوا يُكنّون لهن الاحترام والمحبة. الهرمل بلدة بعيدة جداً، على تخوم الحدود السورية اللبنانية. نمرّ بنحو مائة ضيعة وأكثر من 3 مدن، لنصل إليها من بيروت. مسيرة نحو ستّ ساعات، أشعر خلالها بالغثيان. وأحياناً، كانت أمّي تعيد ما في أمعائها، تعباً وخوفاً. كنا نمرّ بحواجز كثيرة، ليست كحواجز عيتا الشعب الإسرائيلية، ولكنها مخيفة أيضاً. هناك، يحملون السلاح، وهنا أيضاً. تعابير الوجوه المتشنجة والحواجب المعقودة نفسها. الفرق أن أمراء الحواجز اللبنانية المنتشرة من بيروت إلى الهرمل، يرتدون بمعظمهم الجينز وألبسة مدنية. أما في الجنوب، فإما زيّ عسكري إسرائيلي أو لبناني.

في الجبل، عند مفترق دير القمر، كنا ندفع أموالاً ليدعونا نمرّ. شباب لبنانيون ذوو طلاّت بهية، يقفون في كشك من الخشب ينظرون إلى هويتَي أمي وأبي. يطلبون جزية. ويدعونا في سلام.

أذكر أن حواجز للجيش السوري أيضاً كانت تعترض طريقنا. كنت أميّز لهجتهم ولباسهم العسكري عن لهجة ولباس الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية. غالبيتهم يتفوّهون بألفاظ بذيئة. يُفتشون سيارتنا جيداً. وإذا وجدوا حلوى أو فاكهة أو أي شيء مما نحمل، يستولون عليها. كان أبي يرتجف حين يراهم. يُصبح شخصاً آخر. فمن يعارضهم، لا يسلم من ضربهم ومعاملتهم الفوقية، هذا إن لم يعتقلوه أو يُطلقوا النار على رأسه. كُرهنا لهم كان كبيراً. كلما نمرّ من أمام أي جندي سوري، كنت وجاد ندعو الله أن يموّتهم، بعدما أذلّوا أبي في إحدى المرات على حاجز بالقرب من مدرستنا، في منطقة كليمنصو.

كان يوما من أيام شباط القاسية، والمطر “شي من الأرض شي من السما”. مرّ أبي مسرعاً من أمام “حاجز سوري” مشهور، بجانب أوتيل “هوليدي إن” المدمَّر لجهة كليمنصو. كنا قد استيقظنا متأخرين، وأبي لا يطيق الوصول إلى عمله متأخراً. توقّف بعد الحاجز بسنتمترات، فصرخ به الجندي “يا حماااااار”. التفتنا كلّنا إلى الوراء، فوجدنا خمسة جنود متجهين إلينا. صار قلب أبي بين رجليه. أقسم أنه كاد يُصاب بذبحة قلبية. ترجّل من السيارة ليعتذر. “شو جحش ما معبيينلك عينك؟”، قال الجندي ممسكاً بمعطف أبي عند صدره. “والله انعمى على قلبي ما تواخذني. ما كنت شايف شي من الشتي ومستعجلين، تأخروا الأولاد على المدرسة”. أمي تصرخ: “راح الزلمي”. جاد يرتجف ويبكي، بينما أنا مصدومة لا أتفوّه بكلمة. كل ما كنت أفكر به هو ألا يقتلوه، كما فعلوا بزوج ناديا أخت زوجة خالي. فلم يمضِ أكثر من أسبوع على زواج نادية وكمال، حتى توفي العريس ابن الخامسة والعشرين بطلقة نارية اخترقت قلبه، بعدما اجتاز حاجزاً للجيش السوري في منطقة الكولا.

ترك الجندي معطف أبي واقترب من السيارة. حملت أمي جاد ونقلته إلى حضنها، وشدّت على يدي. “ما تخافوا ماما تقبروني”. حدّق الجندي في وجوهنا، هزّ برأسه، ثم عاد إلى أبي مفاجئاً إياه بصفعة قوية. زحت رأسي، كأن الصفعة كانت لي. “آي” قال جاد. ونزلت أمي من السيارة: “الله يوفقك أتركو كرمال هالأولاد”. أمرها أبي بالعودة إلى مكانها. فقال له الجندي: “تركتك لإنو معك حرمة وولاد. تاني مرة لا تعيدها مفهوم… روح من وجهي”. ركض أبي بسرعة إلى السيارة. كان وجهه مائلاً إلى السواد. كاد يفقع. لم يكن قادراً على البكاء أمامنا، ولا على الاعتراض في وجه الجندي. “الله لا يوفقو. إنشالله تفقع فيه قنبلة وتشقّفو” تقول أمي. “لو سمحتِ ما بدي ولا كلمة”، يقول أبي. فيحلّ الصمت الموحش. إنها المرّة الوحيدة التي أراه فيها منكسراً، كالعسكر المهزوم. شعرتُ بمذلّة لا مثيل لها. شعرت أني جبانة لا يمكنني الدفاع عن أكثر رجل أحبه في العالم. تمنّيت لو أن في يدي حجرا أضرب به ذاك المتعجرف المتخلّف، كما يضرب الأطفال الفلسطينيون جنود الاحتلال. أدركت يومها كم أُحبّ أبي، رغم كرهي له عندما يفور غاضباً. لُمت نفسي لأنني تمنيت له الموت يوماً.

أمي، عندما نصعد إلى الهرمل، تفتح كتاب القرآن على سورة البقرة وعلى آية الكرسي بالتحديد. تضع القرآن في الصندوق الخلفيّ. وتبدأ بالبسملة وقراءة الآيات القرآنية حتى نصل. كان أبي مطلوباً من الجيش السوري. لا أعرف لماذا كانوا يريدون أبي ولا ما سيفعلون به. كانوا عشوائيين ولا يسلم من شرّهم أحد، لذا فقد كنت أتلو آيات حفّظتني إياها أمي، بمجرّد أن أبي في خطر. أحبه كثيراً ويُرافقني شعور دائم بالخوف من فقدانه. كنت مستعدة أن أفعل أيّ شيء يطلبه أو يُفرحه. كنت أدرس أصلاً، لأنه يفرح عندما أعود له بعلامات جيدة. أحبه عندما يبتهج. يبدأ بالغناء مباشرة. “لحلح لحلح، يابا يابا… إضرب إضرب… على دلعونة”. يُغني أي شيء مع ميلودي الهوارة والأغاني القديمة. وفي معظم الأحيان، يخترع كلمات لا معنى لها. الفرح العائم يجعله مغنيا شعبيا. أما المشاوير الطويلة، فتحوّله رومنسياً. “ليلية بترجع يا ليل”. “خايف أقول اللي بقلبي، تتقل وتعاند وياه”. “عالروزازا عالروزانا، كل الهنا فيها”. “لبست بياضي قلعت بياضي”….

نص‭ ‬مقتطف‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬قيد‭ ‬الصدور‬‬‬‬‬


كاتبة من لبنان