ماذا‭ ‬عن‭ ‬أرخبيل‭ ‬اللغات‬‬‬‬‬‬ في‭ ‬الجزائر‬‬

ذات يوم من صائفة عام 1977، دعيت إلى مكتب المناضل والمفكر الجزائري مصطفى الأشرف، (1917-2007)، وكان في ذلك الحين يشغل منصب وزير التربية في آخر حكومة نصّبها الرئيس الراحل هواري بومدين، (1932-1978)‭.‬ بعد كلمات مقتضبة فيما بيننا، أخرج مجموعة أوراق مكتوبة بخط اليد، ومدها لي قائلا: أطلب منك أن تراجع هذه الترجمة‭.‬ لكن، ما إن وقعت عيناي على الصفحة الأولى منها حتى تبين لي أن الأمر يتعلق بالمقالة المطولة التي نشرها تباعا في صحيفة “المجاهد” باللغة الفرنسية ضمن ثلاث حلقات إن لم تخطئني الذاكرة‭.‬ واتضح لي أن الذي اضطلع بالترجمة إلى اللغة العربية ليس سوى الدكتور حنفي بن عيسى، (1932-1999)، الأديب والمترجم القدير وأستاذ علم النفس اللغوي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الجزائر‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

الجديد  مرزاق بقطاش [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(114)]

لوحة للفنان: رشيد قريشي
لم أتردد في أن أقول له: يستحيل عليّ، يا سيادة الوزير، أن أراجع ترجمة أنجزها الدكتور حنفي بن عيسى، فلقد كان أستاذي، أنا، في معهد الترجمة التابع لنفس الكلية على مدى ثلاث سنوات، أي، ما بين 1966 و1969‭.‬ وأنا، على سبيل التأدب والاحترام، لا آخذ بأسباب هذا السلوك! ووجد الأستاذ مصطفى الأشرف نفسه عاجزا العجز كله عن إقناعي بأن أتحايل على الأخلاقيات التي درجت عليها في هذا الشأن‭.‬ لكن، انتهى به الأمر إلى أن يضع تلك الأوراق تحت إبطي، ويقول لي: اسمع، يا بنيّ، أنا أحترم رأيك وتقديرك لأستاذك، ولكن، ضع نصب عينيك أن أستاذك هذا بذل جهدا مشكورا، وما عليك أنت إلا أن تجتهد بدورك! واستلمت الأوراق منه على مضض، وحين خلوت إلى نفسي في داري، لم أجرؤ على تغيير حرف واحد أو موقع فاصلة مما جاء في تلك الترجمة الأنيقة‭.‬ فلقد كان الأستاذ حنفي بن عيسى وما يزال قمة من قمم الترجمة في الجزائر وفي العالم العربي كله فضلا عمّا تميز به من أخلاق سامية‭.‬ وعندما أعدت تلك الأوراق إلى الأستاذ مصطفى الأشرف بعد يومين، دخلت معه في حوار لغوي يتعلق بشؤون اللسان العربي في الجزائر والنقد العنيف الذي وجهه له على أعمدة الصحافة الجزائرية عدد من أساتذة الجامعات والمختصين في اللغة والأدب العربي بالإضافة إلى أولئك الذين لهم آراء ذات علاقة بشؤون النهج التربوي الذي ينبغي أن تسلكه الجزائر، وكان من أبرزهم على الخصوص، الدكتور عبد الله شريط، (1921-2010)، أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر، والأديب الدبلوماسي، الدكتور عثمان سعدي وآخرون‭.‬ تعلل الأستاذ مصطفى الأشرف وأكد لي أنه أبعد ما يكون عن معاداة اللغة العربية مثلما ذهب إليه معارضوه في تعليقاتهم على مقالته المطولة التي أثارت زوبعة فكرية كبيرة لم تتطامن إلى يومنا هذا، وذلك شأن آخر لا أحب الخوض فيه هاهنا‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

خارطة اللغة

منذ تلك الصائفة، شعرت بأن أرض اللغة، إن كان للغة أرض، تتحرك تحت قدمي حقا وصدقا‭.‬ كنت في نفس الفترة قد عبّرت عن رأيي على صفحات جريدة المجاهد الناطقة باللغة الفرنسية حول مسألة الهوية، وتساءلت قائلا: كيف يطرح عليّ مثل هذا السؤال وأنا أعرف أصلي وفصلي، وجذوري العائلية التي تعود إلى منطقة بجاية منذ القرن العاشر الميلادي؟ وحاولت تبين موقعي، كأي جزائري آخر يعمل على ترسيخ هويته، ضمن الأرخبيل اللغوي الذي يميز الوضع السياسي- الاجتماعي في بلادي‭.‬ وهو بالفعل أشبه ما يكون بجزر بركانية تتباعد فيما بينها بدلا من أن تتقارب وتعاود الالتحام‭.‬ اللغة الأمازيغية واللغة الدارجة واللغة العربية الفصحى واللغة الفرنسية، تلكم هي اللغات التي تجري على ألسنتنا جميعا وما تزال، بل إنها ترسّخت أكثر من ذي قبل، واتخذت لبوسا سياسيا بعد أن ذهبت بنا الظنون إلى أننا نلنا الاستقلال وما علينا سوى أن نأخذ بأسباب لغة واحدة تجمع شتاتنا مثلما جمعتنا الثورة الجزائرية وصهرتنا في بوتقة واحدة ما بين 1954 و1962‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

كن البوتقة اللغوية ليست واحدة على ما يظهر، بل هي بوتقات متعددة‭.‬ والواقع السياسي والاجتماعي يؤكد ذلك يوما بعد يوم‭.‬ فهل صارت الجزائر عبارة عن جزر تتناءى عن الساحل العربي الكبير؟ وهل من أمل في أن نتقولب جميعا داخل لغة واحدة؟ أغلب الظن أن الهدف الذي سعت إليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برئاسة عبد الحميد بن باديس منذ تأسيسها عام 1931، ما عاد هو المبتغى إذا ما صدقنا الخريطة اللغوية الراهنة‭.‬ لقد كان الشيخ ابن باديس ذكيا حين أعلنها صراحة في قصيدته الشهيرة: شعب الجزائر مسلم، وإلى العروبة ينتسب! وبالفعل، فالشعب الجزائري ينتسب إلى العروبة على الصعيد الحضاري حتى وإن كان أمازيغيا أو بربريا بالمعنى الذي استعمله العلامة عبد الرحمن بن خلدن، (1332-1406)‭.‬ الحضارة العربية هي التي تقوم وراء الأمازيغية، وليس الطابع العرقي الذي كان يميز القومية العربية في يوم من الأيام‭.‬ تساءلت بيني وبين نفسي غير ما مرة: هل أتنكر للتكوين العربي الإسلامي الذي تلقيته في مدارس جمعية العلماء المسلمين منذ عام 1948، أي منذ أن بدأت بتعلم القرآن الكريم وأنا في الثالثة من العمر؟ وهل، في مقابل ذلك، أتنكر للغة الأمازيغية التي درجت عليها كغيري من الجزائريين الآخرين؟ كلا، وألف كلا!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ها أنذا بعد هذه العقود الطوال كلها من استقلال بلادي أتأمل الخريطة اللغوية قبالتي فأشعر بما يشبه مرارة علي حين أرى مسؤولين كبارا في الدولة لا يعرفون اللغة العربية

غير أن تقلبات الحياة كثيرا ما تفضي بنا إلى متاهات لا نقوى على تبين تضاريسها أو الإفلات منها‭.‬ شخصيا، ظننت عام 1969، وأنا أتفرج على برنامج تلفزيوني فرنسي جمع كلا من روبير بيرون الذي كان وزيرا في حكومة الجنرال ديغول، وجاك كارتيي، مدير مجلة “باري ماتش” العتيدة أن ما قاله هذا الأخير عن الوضع اللغوي في الجزائر عبارة عن بقايا عنصرية استعمارية لا تريد أن تتقبل الركلة الرعناء التي تلقتها فرنسا في الجزائر خلال الحرب التحريرية‭.‬ أجل، قال جاك كارتيي بالحرف الواحد إن الجزائر لن تستعيد لغتها، أي العربية، إلا بعد جيل بأكمله، أي ما يعادل خمسا وعشرين سنة‭.‬ وكان أن تصايحت يومها: أنت مخطئ الخطأ كله، يا مسيو كارتيي! وكان ذلك عن إيمان منّي بأن النهر لا بد وأن يستعيد مجراه في يوم من الأيام‭.‬ ولكن، ها أنذا بعد هذه العقود الطوال كلها من استقلال بلادي أتأمل الخريطة اللغوية قبالتي فأشعر بما يشبه مرارة الهزيمة‭.‬ وتزداد وطأة هذه المرارة عليّ حين أرى مسؤولين كبارا في الدولة لا يعرفون اللغة العربية، بل، ولا يمتلكون ناصيتي اللغة الفرنسية والأمازيغية‭.‬ هذه حقيقة ألمسها في كل يوم، بل، إنني في الكثير من الأحيان أصمّ أذني عن سماع تصريحاتهم خشية مني أن أسمع كلاما مبتورا بالعربية وكلاما آخر، لا هو موزون ولا مقفى، عندما يستعمل بعضهم لغة يزعمون أنهم يمتلكونها ويعرفون آدابها‭.‬ أما عن المحاماة التي يفترض فيها أن تكون موئلا لكلّ من يرغب في خدمة لغة وطنه، أي العربية، فإنها غائبة الغياب كله عن ألسنة أولئك الذين ينتظر منهم النهوض باللغة العربية في مرافعاتهم وفي الجانب القانوني على وجه التحديد‭.‬ وأزداد تخبطا في البيداء حين أريد استخراج شهادة ميلاد، فيطلب منّي أن أملأ الاستمارة بالعربية، ولكن، مع إيراد الاسم واللقب باللغة اللاتينية! فلم هذه المهزلة كلها، وما الذي تعنيه اللهم سوى أن البوصلة التي تشير إلى الواقع اللغوي قد اضطرب رقاصها وما عاد يشير إلى الشمال أبدا؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لا مستقبل لهم

لقد ظل أهل الحكم عندنا، ولا أصفهم بأهل السياسة، ذلك لأن مصائر البلد آلت إليهم بقدرة قادر دون أن يبلغوه عن طريق النضال الحزبي مثلما هو معمول به في الدول الحديثة، -أهل الحكم- ظلوا يبحثون عن أنفسهم زعما منهم أنهم يريدون الوصول بنا جميعا إلى برّ الأمان على الصعيد اللغوي‭.‬ يقرّرون مرة مجانية التعليم وبناء مدرسة أساسية ينصهر فيها جميع أبناء الشعب الجزائري ضمن برنامج موحد ولغة واحدة، ومرة أخرى، يفكرون في التعليم الأصلي التابع لوزارة الشؤون الدينية وكيفية انتشال من لم ينجحوا في الثانويات، ومرة ثالثة، يسيرون وراء ما يصدر عن وزارة التربية الفرنسية من برامج تعليمية في باريس دون أن يقووا على التقليد حقا وصدقا‭.‬ وفي أثناء ذلك، ضاعت اللغة العربية، وتذبذبت اللغة الفرنسية فما عاد يمتلكها إلا القليلون، أما اللغة الأمازيغية فصارت مطيّة سياسية ليس إلا‭.‬ وما أكثر ما رجعت خائبا حين سألت البعض من المطالبين بترسيخ الأمازيغية في سائر أطوار التعليم عن الحروف التي ينبغي أن تدوّن بها هذه اللغة المتآخية مع اللغة العربية‭.‬ وجدت أكثرهم مذبذبين، لا إلى هذا ولا إلى ذاك‭.‬ البعض منهم أصروا على تدوين هذه اللغة بالأحرف العربية، وهو رأي صائب على حد معرفتي باللغة الأمازيغية وبالعلاقة الوطيدة بينها وبين اللغة العربية، بينما ألح البعض الآخر على كتابتها بالأحرف اللاتينية، لا لأن المطابع توفر لهم ما يريدونه في هذا الشأن، بل، لأن الأحرف اللاتينية، على حد زعمهم، تفتح دونهم السبل أمام التحضر‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

إذا كان تعدد اللغات أمرا إيجابيا في الكثير من الأحيان مثلما هي الحال عليه في بلجيكا وفي سويسرا وفي أماكن معينة من الولايات المتحدة مثل ولاية نيومكسيكو حيث تحتل اللغة الإسبانية المرتبة الأولى والرسمية، فإن هذه التعددية بالذات قد تتحول عندنا -لا قدر الله- إلى مصيبة‭.‬‬‬

الذين يجتهدون بالأمازيغية يطالبون بترسيم الحروف اللاتينية في أثناء تدوينها، بينما يعمل آخرون من أجل ترسيم الحروف العربية، وفي أثناء ذلك، يضيع التلميذ الجزائري في الابتدائي وفي الثانوي‭.‬ ولا من قرار سياسي يصدر في هذا الشأن‭.‬‬‬‬‬

وتحضرني في هذا الجانب حكاية لقائي في عام 1984 بالشاعر السنغالي، “ديوب”، رئيس اتحاد أدباء السنغال‭.‬ أتذكر أنني سألته عن اللغة التي يكتب بها فأجابني بأنه يزاوج بين الفرنسية و”الوولوف”، لغة أمّه وأبيه‭.‬ ومضيت معه في استفساري: وما هي لغة “الوولوف” على وجه التحديد؟ فأوضح لي أنها شبيهة باللغة العربية، بل، هي تنطوي على العديد من الكلمات العربية بحكم التعايش بين العرب والأفارقة في شمال غرب أفريقيا‭.‬ قلت له بكل سذاجة: فأنت تكتب “الوولوف” بالأحرف العربية، أليس كذلك؟‭.‬ لكنه أجابني بما يشبه الامتعاض: كلا، بل، بالأحرف اللاتينية‭.‬ وأردفت بسؤالي: وما هو السبب وأنت قريب من النبع، ويمكنك الاستقاء منه؟ فردّ عليّ: لأنني أجد كل شيء متوفرا حين أستخدم الأحرف اللاتينية، أي وسائل الطبع وما إليها‭.‬ وبمعنى آخر، أراد أن يقول لي: أنتم أبناء الحضارة العربية لم تقدّموا لنا شيئا! وتذكرت ما قاله الرئيس السنغالي، ليوبولد سيدار سنغور، في مطار الجزائر خلال سبعينات القرن المنصرم حين سئل عن الذين تعلموا اللغة العربية وتمكنوا منها من أبناء السنغال، فأجاب دون تردد أو أدنى حياء: ليس لهم أي مستقبل عندنا!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

رشيد قريشي

الوضع المتذبذب

عندما اعتلى الرئيس هواري بومدين سدة الحكم على إثر انقلاب 19 جوان 1965، ارتأى أن يسند أهم المناصب الوزارية لعدد من أولئك الذين تلقوا تكوينهم باللغة الفرنسية‭.‬ وكان أن شعر أولئك الذين تمكنوا من اللغة العربية وامتلكوا ناصيتها، -وما كان أكثرهم!- بأنهم منبوذون، ولا أمل لهم في أن يدلوا بدلائهم في معركة التشييد الوطني‭.‬ هذه حقيقة لمستها بصورة شخصية في نطاق الصحافة الوطنية التي انتميت إليها يوم 6 ديسمبر 1962، أي قبل خمسة أيام من صدور أول عدد من صحيفة “الشعب” باللغة العربية‭.‬ وكثيرا ما احتدّ الصراع اللغوي بين المعرّبين والمفرنسين‭.‬ الأوائل يعتبرون أن الأواخر ليسوا إلا سدنة للاستعمار الفرنسي في الجزائر ومن بقاياه، والأواخر يرون أن الأوائل ما زالوا يعيشون في القرون الوسطى لأنهم حفظوا القرآن الكريم وبعض الحديث النبوي الشريف‭.‬ وما كان أقبحها من وضعية لغوية! وسارت الحال على هذا النحو سنوات وسنوات على الرغم من أن جيلا جديدا تخرج من المدرسة الجزائرية، وهو يعرف اللغة العربية مثلما يعرف اللغة الفرنسية‭.‬ ولكن الميسم كان واضحا، ولم يبد عليه أنه زال عن بشرة الإنسان الجزائري‭.‬ وازدادت الأمور تعقدا حين انقلبت الأوضاع السياسية رأسا على عقب في أيام حكم الرئيس الشاذلي بن شديد، أي بمناسبة ما يسمى “الربيع البربري” الذي حدث عام 1980‭.‬ وبدلا من أن تتطامن الأوضاع، ازدادت مهزلة على مهزلة، واستغل الاستعمار الفرنسي الوضع المتذبذب فعمل على تكريس الفرقة بين أبناء الشعب الواحد على الصعيد اللغوي طمعا منه في أن يستعيد بعض المواقع الإستراتيجية التي ضاعت منه خلال الحرب التحريرية‭.‬ وهكذا، وبصورة تلقائية وخبيثة في آن واحد، كل من تحدث باللغة الأمازيغية صار “بربريست” أي صاحب نعرة بربرية إقليمية لا تهمّه إلا منطقة القبائل، أو منطقة الشاوية أو منطقة بني ميزاب أو منطقة “الهقار” في الجنوب‭.‬ وكل من نطق باللغة العربية، وقعت عليه التهمة بأنه بعثي، ينتمي بوجدانه إلى المشرق العربي أكثر من انتمائه إلى الجزائر، أما من نطق باللغة الفرنسية فقيل عنه: أنت فرنكوفيلي، ولست فرنكفونيا، أي أنت محب وعاشق لفرنسا ولحضارتها!‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

ومما زاد الطين بلة في هذا الجانب، تلك الهزائم العسكرية والسياسية التي مني بها المشرق العربي في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم‭.‬ أجل، لقد كان الشرق كله قبلة النضال والمناضلين منذ أن رفعت الحركة الوطنية هامتها بدءا من أوائل القرن العشرين‭.‬ وما كان من المقبول أصلا في نظر الإنسان الجزائري أن ينهزم الشرق، لا على الصعيد الداخلي، ولا قبالة إسرائيل، لا ولا كان مقبولا أن يتناحر الأشقاء ويتدابروا مثلما هو الشأن عليه اليوم‭.‬ ولذلك انعكست تلك الهزائم كلها على الخريطة اللغوية في الجزائر، وأثّرت فيها تأثيرا سلبيا عميقا ما زلنا نلمس آثاره في كل يوم‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬

وفي أثناء ذلك، اجتهد أولئك الذين امتلكوا اللغة العربية وألمّوا بآدابها من أجل وضع أدب في المستوى، يوازي ذلك الذي يصدر في المشرق العربي‭.‬ وعمل المطبلون والمزمرون لصالح فرنسا من أجل أن يرضوا أسيادهم في باريس ويمتنوا العلاقة بينهم وبين كل ما يصدر عنهم، وذلك عن اعتقاد جازم منهم بأن الحضارة إنما تشرق شمسها من الغرب وليس من الشرق، ولا حتى من هذه الجزائر، أي إنه يستحيل أن تكون هذه الحضارة محمولة على متن اللغة العربية‭.‬ ووجد أولئك الفرصة سانحة دونهم حين عمد الإسلامويون إلى شن نار حرب لا تبقي ولا تذر شيئا من المكاسب التي حققها الشعب الجزائري بضريبة ضخمة من الدماء والدموع والفقر والتجويع طيلة عقود من الزمن‭.‬ لقد اعتبروا أن الإسلام محمول على متن اللغة العربية، ومن ثم، فإن العربية هي سبب البلاء‭.‬ وأوروبا تؤيدهم اليوم على الرغم من أنها تدرك إدراكا جيدا أن الحقيقة غير ذلك‭.‬ وأججت فرنسا، بوجه خاص، نار التفرقة في منطقة القبائل حين تبنت بعض مطالب المتطرفين‭.‬ فتحت دونهم شاشات التلفزيون وقنوات الإذاعة وأعمدة الصحف والنوادي ظنا منها أن الأبواب ستفتح دونها لاستعادة مواقعها في الجزائر‭.‬ ولكن، ينبغي القول إن الكثير من الإسلامويين ليسوا بريئين في هذا الجانب، إذ ما أقبح أن نسمع ونرى بعضهم ينبذون اللغة الأمازيغية نبذا صارخا، ولا يرون لها أي مكان في الجزائر، كل ذلك وهم يعلمون أنهم يتنكرون لما جاء في القرآن الكريم من أن “اختلاف الألسن” آية من آيات الله في هذا الوجود‭.‬ وفي أثناء ذلك، يضيع الشعب كله في هذه الزحمة اللغوية، أو بين أرخبيل هذه اللغات التي يفترض فيها أن تكون عامل ثراء وليس مدعاة للتفرقة‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

الذين يجتهدون بالأمازيغية يطالبون بترسيم الحروف اللاتينية في أثناء تدوينها، بينما يعمل آخرون من أجل ترسيم الحروف العربية، وفي أثناء ذلك، يضيع التلميذ الجزائري في الابتدائي وفي الثانوي. ولا من قرار سياسي يصدر في هذا الشأن

الانتماء اللغوي

ولقائل أن يقول: ولكن الصحافة المعرّبة في الجزائر تثبت أن الطريق دون سيادة اللغة العربية صار يسيرا، لا تتخلله النتوءات والأحجار، والدليل على ذلك هذه الملايين من النسخ التي تطبع في كل يوم، وانتشار الصحف في كل مكان‭.‬ والسؤال المطروح هو التالي: هل يشعر الشعب الجزائري بأن انتماءه اللغوي صار واضحا في هذه الخضم كله من اللغات المتنافسة المتصارعة فيما بينها؟ وهل صار المسؤول السياسي والطبيب والمحامي والمهندس وغيرهم يستخدمون هذه اللغة في تفكيرهم وفي نشاطهم اليومي؟ هل نلمس شيئا من ذلك في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ الواقع وحده هو الذي يحدد انتماءنا اللغوي، وحقيقة الممارسة اليومية تقول غير ذلك‭.‬ في الجزائر اليوم خليط لغوي يزداد عنفوانه على مر الزمن حتى إن الرؤية تلوب دون الجميع‭.‬ الذين يكتبون أدبهم باللغة الفرنسية يصوبون أنظارهم إلى باريس دائما وأبدا، والذين يحاولون التعبير باللغة الأمازيغية ما زالوا يتأرجحون بين بين، أما الذين يعبّرون عن خلجات نفوسهم باللغة العربية فإنهم يحاولون فرض ذواتهم مشرقا ومغربا، وما كان مثل هذا الأمر سهلا أمامهم في يوم من الأيام لأسباب عديدة أهمها الفرقة التي صارت تميز المشرق عن المغرب والمغرب عن المشرق‭.‬ وعليه، صرنا في هذه الجزائر مثل المريض الذي لم يجد الدواء الناجع، وهو قد يعاود السقوط بين أشداق نفس المرض، بالرغم من أنه مرض يمكن معالجته بموقف سياسي صارم يتخذ على أعلى المستويات ويشمل الجميع‭.‬ فهل يجيء نظام سياسي في يوم من الأيام ويتخذ القرار الشجاع في هذا الشأن؟ الذي يهب اللغة لا يحق له أن يخطئ في اللغة! هذه المقولة لا يمكن أن تنطبق على الحالة اللغوية في الجزائر، وبين أوساط المسؤولين في المقام الأول‭.‬ إذا كانت الجزائر قد تميزت عبر تاريخها الطويل بأنها تنطوي على مذهب ديني واحد هو المذهب المالكي، فإنها على العكس من ذلك، تنطوي على أرخبيل من اللغات‭.‬ والمؤسف هو أن هذا الأرخبيل بالذات لا يبدو عليه اليوم أنه دليل ثراء مثلما هو الشأن، على سبيل المثال لا الحصر، في الفيدرالية السويسرية، أو في بلجيكا، أو حتى في ولاية نيومكسيكو الأميركية حيث تحتل اللغة الأسبانية مرتبة الصدارة وتحظى بصفة اللغة الرسمية على حساب اللغة الأميركية‭.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أحسب أن المزايدة في هذا الشأن لا محل لها من الإعراب‭.‬ فإما أن نتقبل ما هو موجود بين أيدينا، وأن نحترم بعضنا البعض، ونقبل بهذه الجزر اللغوية كلها، ونقيم فيما بينها علاقات يميزها التفاهم، وإما أن نكبّر أربعا على وفاتنا اللغوية، لا قدّر الله‭.‬ جربنا اللغة اللاتينية في قديم الزمن، ونبذناها نبذ النواة‭.‬ وجربنا اللغة اليونانية، وفعلنا حيالها نفس الشيء‭.‬ وجربنا اللغة العربية وما زلنا نجربها، وأحسب أننا تقبلناها عن طيب خاطر بحكم ما حملته من تعاليم دينية ومن تراث أدبي رفيع‭.‬ فهل تعود اللغة الفرنسية إلى طغيانها وجبروتها في هذه الأرض التي تخضبت بالدماء عقودا طويلة؟ وهل نفيء إلى أنفسنا على الصعيد اللغوي، ومن ثمّة، على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإلى موقعنا على هذه الخريطة الواسعة التي تضم شتاتنا؟ الزمن كشّاف، مثلما يقال‭.


روائي‭ ‬من‭ ‬الجزائر