ذكرياتي مع‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬المراكشية‬‬‬‬‬‬

الجديد  سعيد بوخليط [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(137)]

لوحة: عاصم الباشا
وأنا طفل، وبمناسبة إحدى الأعراس العائلية، توخت أمي عمدا أن تصرفني عن مرافقتها، حتى لا أشغلها بشغبي، عن تماهيها مع أجواء الحفل. هكذا، خاطبتني قائلة: “لا يليق بك أن تحضر، لأنه نسائي فقط. في المقابل، بوسعك استغلال الفرصة كي تتفسح”. صمتت برهة، ثم تداركت: “إلى أين؟”. لم تتردد: “شوفْ! ليس أفضل من السينما”. صحيح، أنني كنت مولعا بالمسلسلات اللبنانية التلفزيونية مثل “عازف الليل” و”الصمت” أو الأميركية كـ”البيت الصغير” و”جيمي قوية” و”ستارسكي وأوتش”. لكن، لأول مرة وُجِهت إليّ وصية، اكتشاف فضاء اسمه السينما. أمدتني أمي، بخمسين سنتيما مصحوبة بقبلة حنونة، مع إلحاحها على الوقوف عند أول قاعة سينمائية، كي لا أبتعد كثيرا، ثم أعود مسرعا إلى المنزل، مباشرة بعد المغادرة.

*سينما مرحبا: كانت الأقرب من بيتنا، بمعنى هي سينما الحي، التي شكلت على امتداد سنوات طويلة، فضاء للسكينة والرفقة والتأمل والانعزال والهروب والاحتماء والسلوى والبوح والاستبطان والمكاشفة الصامتة. صادفت طابورا طويلا، أمام الشباك، تحت رحمة شخصين، يمطران المصطفين بوابل من الزعيق والشتائم، كي يحترم كل واحد دوره دون الالتجاء إلى ما أسمته وقتها أدبيات السينما الشعبية بـ”الزْريع″، أي أن تتجاوز بغير وجه حق الواقف أمامك، قصد الحصول على التذكرة بأقل زمن وتعب ممكنين. بالمناسبة، ومن باب الاستطراد في القول، انتقل ذاك ”الزْريع” من مجرد سلوك طفولي، عفوي، إلى ثقافة مؤسسة ومنبنية مجتمعيا، حيث الانتهازية والطرق السهلة.

ولجت داخل القاعة بصعوبة بالغة، بعد أن تلقيت شتيمة دسمة من “مولات البيل pile”، السيدة التي ترشد ببقعة ضوء صغيرة من مصباحها، الزبائن المتأخرين القادمين، بعد انطفاء أضواء القاعة، مقابل بقشيش زهيد. سرعان ما تلاشى غضبي حيال الشتيمة، حين تملكتني فانطازيا الاكتشاف الجديد. استرخيت في جلستي، متوجها بمطلق كياني نحو ما تبعثه شاشة كبيرة نحوي من أشياء مذهلة، التقيتها لأول مرة. كان فيلما، من أفلام الكونغ فو يؤدي دور البطولة فيها “جون لوي” كما التقطت أذني عبر همسات المتفرجين، لكن فيما بعد، ونتيجة تراكم نسبي لمعارفي بهذا الخصوص، صرت أميز بسهولة بين الأبطال لا سيما منهم “جاكي شان” مع إعجاب استثنائي بالأسطورة “بروس لي”. العرض الثاني، لم يكن سوى التحفة الشهيرة “دوستي” أو الصداقة، بدبلجته المغربية. رائع ومدهش، ضحكت وبكيت وغنيت وحلقت وتقوقعت، حمولة فسيفسائية من المشاعر، لأنه فيلم يبتلعك نظرا لمستويات صدقه الإنساني والفني والأدائي.

عدت إلى المنزل، رويت لأمي ما عشته بالتفصيل الممل، بما في ذلك إعادة تشخيصي لبعض حركات الكاراتيه. قاسمتني نفس المشاعر، لأنها كما أخبرتني لحظتها، فقد سبقتني منذ سنوات إلى ذات الفضاء، حينما اصطحبها خالي وهي صغيرة، مرتدية قفطانا تقليديا وحذاء كلاسيكيا جديدا، كي يتابعا فيلم “مانغالا البدوية”.

إذن، بعد اللقاء الأول غير المتوقع، غدا ذهابي إلى السينما، تطلعا ثابتا يمطرني بكمّ هائل من جرعات السعادة، فلا أتناول خلال اليوم الموعود وجبة الغداء، لأن لهفتي كي أستمتع بمجريات عجيب الشاشة الكبرى تشعرني بأني أسعد طفل في العالم، ولا أبغي من الأخير سوى أن يتركني وحالي مستغرقا لساعات بين طيات دجى السينما. داومت بداية على قاعة “مرحبا”، فتراكمت لدي ذكريات شتى لازلت أستحضر وقعها بحساسية طافحة، فيغمرني ضحك أفيوني عميق.

هناك، استوعبت عددا من أبجديات القاموس السينمائي الشعبي، مثل: الزْريع والتْبْطاخ (أو الحذف واستعمال المقص) ولا نْتْراكْ (شراء نصف التذكرة من أجل مشاهدة عرض واحد) والفابور(البقشيش) والتاريخ والجغرافية (كناية عن التزاوج الدائم بين الفيلم الهندي والصيني) وسْنينات الحليب (تعبير مجازي عن انفراد قاعة سينمائية بالعرض الأول). إضافة إلى ألقاب بعض الممثلين غير الحقيقية، بل نحتتها الفئات الشعبية، ارتباطا بمواقف وظروف معينة، فتوارى الاسم الفعلي وراء الرمزية الجديدة: شليحة وبويدية وبيك بوس وكونان وروكي وترينيتا الغليظ وترينيتا الرقيق والشاعر وجبار والولد الجديد وخورو والشينوي وبيبية والسيكاتريس والسيلانديت ومَمّاري… إلخ. بل، في فترة سينما مرحبا، اكتسبت قليلا من الكاراتيه وتسميات الضربات مع تنغيم على طريقتي لصرخة وصوت بروس لي، لأنه جراء اندماجنا السيكولوجي اللاشعوري مع وقائع الفيلم، كنا بالموازاة ننظم أمام شاشة العرض مباريات ثنائية، نسقط من خلالها على أرض الواقع متواليات العرض، مما ينتج عنه في الغالب تشتت لتركيز انتباه المتفرجين، وقد نهض أحدهم كي يفصل بين الفائزين من المنهزمين، ثم إصابات جسدية بين صفوفنا تتراوح درجاتها حسب ضراوة المعارك ومدى حدة التشجيع الذي تلقيناه. إذا كان الصينيون أفلحوا في إثارة هممنا، سنتحول على النقيض، مع بداية الفيلم الهندي، إلى كائنات منبطحة مغمى عليها، فلا يستعيد أحدنا الوعي بحواسه إلا إذا استشعر خشخشة جرذ سمين يتسكع تحت قدميه. غير ما مرّة، خلقت الجرذان حالة طوارئ وفزع. هكذا، بدأت أغير الوجهة نحو قاعة أخرى أفضل.

*سينما مبروكة: بما أنها تحاذي ساحة جامع الفنا، فقد كانت تجمعا وملتقى لجل الحلايقية لا سيما الحكواتيين، حيث ستمثل لهم مشاهدة فيلم هندي، ورشة تكوينية ملهمة لا غنى عنها، كي ينسجوا أولى خيوط حكاية سيروونها بطريقة أخرى، لرواد سهرتهم التي تنطلق مباشرة بعد مغادرتهم للسينما حوالي الساعة السادسة والنصف.

خلال هذه المرحلة اغتنى القاموس السابق بمفهوم جديد يتعلق بالفرق بين”الرجل” وكذا “الغيغوزي”(نسبة إلى نوع من الحليب الاصطناعي).الأول، فصيل يستطيع الظفر بالتذكرة، من جوف نافذة الشباك وبثمنها الأصلي مقتحما الحشد الهائل المتدفق أمام ثقب تبدو منه فقط أصابع الرجل المكلف بالبيع، حيث يلزم المخترق قوة جبارة وقدرة همجية على الدفع والرفس والإزاحة، فكانت أول خطوة يلتجئ إليها “البطل” تتمثل في إزالة ملابسه الفوقية كي يدخل الرعب بعضلاته في نفوس منافسيه، مبديا استعداده لخوض أي مبارزة. أما “الغيغوزيون”، حسب التوصيف الشعبي دائما، فهم الذين يفتقدون لنصيب من الجرأة، والقدرة على المجابهة، مكتفين بالالتجاء إلى محترفي “المانشنوار” كما كنا نسميه (marché noir)، فيقتنون التذكرة، بتسعيرة تفوق ثمنها المعتاد، حيث تزداد النسبة المئوية حسب الثقل الجماهيري.

كذلك، كان “الرجال” يقنعون باستوطان الباحة السفلي من القاعة، بينما يسرع “الغيغوزيون” إلى الوسط أو المنصة العليا. عندما أدركنا بحكم العادة أن مرتادي الوجهتين، غالبا ما يصاحبون فتيات هكذا، لكي نستفزهم ونربك حساباتهم غير السينمائية، وقد تيقنا أن ستار ظلمة القاعة يخلق لديهم وشائج معينة نحو أوضاع خاصة، بالتالي ما إن يحدث “تْبْطاخ” بالتوقف المباغت لدوران شريط الفيلم، فتستعيد القاعة إضاءتها حتى نلتفت جماعة بطريقة هارمونية وأوتوماتيكية، مجمدين أنظارنا بطريقة فولكلورية نحو هؤلاء العشاق، ممعنين في التضييق عليهم بقهقهات ساخرة، مرددين بصوت واحد أمثالا بذيئة من قبيل: “أطْلْقْ الدجاجة لْمّاليها، لاتْ تبيض ليك” أو “أطْلْقْ الدجاجة، لاتْ وحْلْ فيها، راه ماتْكْدْ عليها”.

أحيانا، ورغم استعادة الشريط لعرضه وانطفاء الأضواء ثانية، تستمر مفعولات الحرب الكلامية بيننا وبينهم، ربما لا ينجح في كبح سعارها، سوى الوقع السحري للقطة مثيرة استحوذت على ألبابنا وأمخاخنا، فتنتشلنا من سياق الشنآن، أو في أسوأ الأحوال، صرخة هرقلية مدوية شبيهة بصوت الرعد، يصدرها عامل من عمال السينما، اشتهر لدينا بكونه صاحب سوابق متمرس في الشر، كما تشهد عليه سيره العنترية طيلة سنوات بجامع الفنا: “أسكتوا أولاد القحا…، الله يلعن الأجداد تْمْكُمْ!”، فيسري صمت القبور.

أغادر وأصدقائي قاعة سينما مبروكة، بحواس مترنحة وجماجمنا مصدعة، مثلما يشي به بياض عيوننا التي تغدو محمرة، إما نتيجة ثقل الهواء المختنق بروائح أبخرة أنواع السجائر الرديئة و”الكيف” ونتانة “السلسيون”. فمقابل، جماعات “المقرقبين” حاليا، تكاثر سنوات مراهقتي أنصار”الشيفون والتّبّة”، الذين يستغلون ظلمة السينما والأجواء الفنتازية للسينما الهندية، كي يشردوا بعيدا وبعيدا، مع ألحان “الشاعر”و”درامندرا” و”الشاشيكابور”، فينتشلون ذواتهم من واقعهم البئيس، ولو لسويعات.

لم نكن نملك من فضاء ثان، لنستعيد نسبيا توازننا السيكولوجي، ووصلنا مجددا بواقعنا القائم، سوى التفسح بمعنى التسكع، بعد المغادرة مباشرة بين جنبات جامع الفنا، ساحة آنذاك بسيطة قدر عفوية ذكائها، تبعث فرجتها بانسيابية تامة، وليس كالحاضر، حيث تلاشى كل العمق وأضحت مجرد كائن مختلق محقون بأمصال الوهم، على نمط مقتضيات عالم جورج أورويل.

نقصد كخطوة أولى المائدة الصغيرة لـ”مولات البيض” أو بائعة البيض، الفتاة المتغنجة والمثيرة بجلباب ونقاب وفق الأسلوب المغربي التراثي، قبل حدوث التلاقح الهجين جراء غزو الموضة الخليجية والأفغانية. لم يكن يهمنا أساسا التكدس على الطاولة، كي نسد رمقنا بقطعة خبز محشوة بخليط من البيض ومشبعة بزيت الزيتون، بقدر سعينا بالموازاة مواصلة الاستمتاع بجمال الممثلات الهنديات وفي طليعتهن “ممّاري”، ونحن نختلس الأنظار، كل بطريقته على عيني “مولات البيض” الشبيه شكلها ببطلة الفيلم الهندي. بعدها نسرع الخطى نحو حلقة “مبارك الطيمومي” “الفلكي” الشهير الذي يخط أمامه مجموعة أشكال هندسية ومعادلات الرياضية، مظهرا قدرته على أن يستبصر مجانا لمن أراد ذلك. تكهنات، سرعان ما يغمرها طابع الهزل والسخرية، فتغرقنا في بحر من الضحك، مثل: (شوف أولدي!غادي تخرج من عندي، وتلقى أصحاب الحال في الطريق، تيزعرطوا بالواشمة (المقصود بها سيارة الشرطة)، بش دووز شي بركة، عند صحاب الحال في دار الضيافة) أو: (راه! إلى ماعطتيني أربعة ريال، ديال الفتوح، غادي ترجع وتلقى المرا (يقصد المرأة)لايحة ليك حوايجك، في باب الدار، وشوف فين تبات؟). لمّا يضجر يصمت قليلا، مجمدا بصره صوب نقطة معينة، ثم يصرخ في وجوهنا: (شوفوا أشعب المرقة!، نتوما راه خصكم اللي يجمعكم ويسد عليكم تحت الأرض، شي مئة عام، بش تقراو بالليل والنهار، إلى بغيتوا تدركوا شوية الجابونيين “اليابانيين”). لكنه ما إن يستشعر بداية تقاطر للمخبرين حتى يغير سريعا نبرته قائلا: (لهلا يخطي عنّا المخزن وصافي، ثم يشرع في الدعاء!).

*سينما موريطانيا: بحكم بعد المسافة عن حينا، لم أكن أرتادها كثيرا، إلا إذا وصلني خبر عرضها، لفيلم يستحق المشاهدة. طبعا انسجاما مع أفق الذوق الفيلمي المتواضع الذي امتلكته وقتها. الذكرى العالقة دائما بذاكرتي تتمثل في استعانة مسؤولي تلك القاعة، لحظات التزاحم الشديد، لاسيما خلال مناسبات الأعياد وأيام الجمعة، بمقاعد إضافية اصطلحنا عليها “كراسي أصحاب الحريرة”، لأنها مستعارة من عند باعة الحساء المنتشرين بجوار السينما. بل أحيانا قد لا تفي تلك الاستعانة بالحاجة المطلوبة مادام عددنا يكون فائضا عن الحاجة، فنقضي الفرجة واقفين، مما يعكر صفو الجالسين، لأننا نحجب عنهم الرؤية الكاملة. في أفضل الحالات نفترش⊇الأرض بل أحيانا نجدها فرصة سانحة كي نتمدد ونتابع الفيلم.

*سينما الحمراء: أو الزهراء وفق التسمية القديمة المرتبطة بحقبة زمنية اشتغلت خلالها هذه القاعة موسميا، وبالضبط صيفا، لأنها كانت دون سقف مما أجبر صاحبها على إغلاق القاعة لفترة قصد إعادة إصلاحها، فاستعاد عملها وضعا طبيعيا، يعني على امتداد السنة. لكن، اللاطبيعي يكمن في تواتر عرضها لأفلام “لامورْ” بلغتنا الشعبية، أو الإباحية والبورنوغرافية.

لا أعلم، إن كان مبرر الاختيار، مصدره تواجد هذه السينما، وسط حي اشتهر بأنه ماخور؟ أم تعود المسألة إلى التسمية الجديدة للقاعة، ولعل أقرب إحالة تستدعي “الليالي الحمراء”؟ أم المسالة فقط صدفة؟ المهم على امتداد بصرك يتبدى حشد من مختلف الأعمار، شيوخ وشباب تقاطعوا تقريبا في ارتدائهم لنفس الموضة: ألبسة تراثية فضفاضة. سر الاختيار، شبه المتفق عليه، يتوخى إخفاء كل ما من شأنه فضح أحدهم، فيما يتعلق باستفاقة غير منتظرة للبغل الجاثم بين رجليه، دون الحديث عن استعانتهم سرا ببعض المواد اللزجة، من أجل التماهي شبقيا مع متواليات الفيلم.

* سينما القنارية أو “إيدن”: اشتهرت بالاسم الأول لأنها تواجدت عند مدخل حي القنارية. قاعة صغيرة لكنها أمتعتنا دائما بعروض جديدة وجيدة، فتميزت حسب تعبيرنا المعاصر باحترامها لذكاء المتفرج. ولربما تفسير هذا المعطى في رأيي أن مالكها هو نفس الشخص الذي يشرف على قاعة “الريجان” القائمة وسط حي جيليز العصري والنخبوي، كما اعتبر حتى وقت ليس بالبعيد قياسا لعمران مراكش صغيرة تطوي كل زخمها داخل السور، ثم تجمعات صغيرة متفرقة نبتت خارج السور ومن بينها جيليز أو حي المعمرين الفرنسيين.

ولأن المالك نفسه فقد استمرت القاعتان تتقاسمان عموما عرض فيلم واحد ضمن العرضين، عبر حل إجرائي يتمثل في مخالفة توقيت الأول والثاني، كي يجد مسيرو القاعتين فجوة تبادل شريط الفيلم المشترك خلال فترة قصوى لا تتجاوز عشر دقائق، وقتها يحرك صاحب المهمة دراجته النارية بأقصى ما ملكت من سرعة محملا بالشريط إلى القاعة السينمائية الأخرى سواء “القنارية” أو “الريجان”.

ذات مرة، وأثناء سعيه، تعرض لحادثة سير. النتيجة تعثر وصول نسخة الفيلم. بقينا ننتظر، كرروا غير ما مرة تقديم وصلات تخبر عن العروض المقبلة أو “المستقبل” بتعبيرنا. سئمنا فرفعنا أصواتنا احتجاجا، مطالبين بالعرض الثاني “يحضر دابا”، نصرخ ونضرب على الكراسي بكل عنف. لم يتأتّ لهم من مخرج ثان كي يمتصوا غضبنا العارم سوى إطفائهم الأنوار، لكن بشاشة بيضاء، صدحت بموسيقى راقصة لأفلام هندية مختلفة …، تبادلنا الإيماءات وانخرطنا في الرقص.

*سينما الفتح: أستعيد مع تاريخ هذه القاعة، ثلاثة أشياء أساسية. أولا دأبي على مشاهدة أفلام دراكولا المرعبة. ثانيا ذاك الشخص العنيف الذي اشتهر عند أغلبنا بساديته المريضة حيث يقذف الواقفين أمام الشباك بركلات لولبية دون أي داع، تحت مبرر عدم محافظتنا على النظام والهدوء المطلوبين. ثالثا، وهي المثيرة أكثر، تتعلق بتواجد منزل مأهول وسط القاعة وبالضبط خلف الشاشة لم نكن نعرف لمن البيت؟ وما أسباب انتصابه داخل السينما؟ لكن الطريف، أنه خلال مدة العرض، ومع تسمر أبصارنا جهة الشاشة، نلتقط في الآن ذاته، جل تفاصيل ساكنة أهل البيت، عبر وقائع ذهابهم وعودتهم اللامنقطعين، بل أحيانا حتى أدق تفاصيل مجادلاتهم وشجاراتهم وكذا أفراحهم. خلال مرة وبمناسبة أحد أعراسهم، اخترق موكب عرس، بكل طقوسه وسط القاعة كممر أساسي لإدراك عتبة المنزل: العربة الممتلئة بهدايا العريس والعجل والخروف والراقصات.

*سينما بلاص: شكلت بلغة باشلار فضاء لإشباع جانب الأنيما في الذات حيث اعتبرت على مر السنين، بمثابة ملاذ مريح للفتيات والعشاق ثم الأزواج طبعا. السبب تقديمها فقط للأفلام العربية الكلاسيكية والحديثة. بين ثنايا ظلمتها شاهدت “أبي فوق الشجرة” لعبدالحليم حافظ وتعرفت سينمائيا على فريد شوقي ومحمود المليجي ومحمود ياسين وعادل إمام وعادل أدهم.. إلخ. الذهاب إلى بلاص مثّل دائما قرارا مختلفا عن غيره حيث يقتضي طقسا خاصا، قوامه الاحتفاء، فيرتدي جلنا أفضل ما لديه، حريصا على أقل تفاصيل شكله الخارجي، لأنها مناسبة قد تكون سانحة للتعرف على صديقة.

*سينما الهلال: أسوأ ذكرى مقارنة مع المعارك التي خضتها في القاعات الأخرى حيث كاد سلوك أرعن إدخالي دوامة عاهة مستديمة. دأبت هذه القاعة على عرض أفلام بروس لي التي كانت تجذب جمهورا واسعا. لذا وحتى مع تحويل سكني من الحي القريب جدا لسينما الهلال، إلى حي ثان بعيد ما يكفي، استمر وفائي إلى اللحظة التي تكسر فوق رأسي وبقوة، وعاء رمى به أحدهم عشوائيا من فوق، لكن لحسن الحظ لم يكن غير معدن فخار نيئ أنهتكه الرطوبة. مع ذلك أحسست بدوخة ممهورة بألم شديد اضطرتني إلى النهوض والمغادرة، بل شكل الطارئ بداية طلاق طويل بيني والقاعات السينمائية.

*النادي السينمائي: حدث تحول في الاهتمام والمرجعية والأفق. ارتقى تمثلي للفيلم من المجانية والفن للفن، إلى المعاني والدلالات الكيفية للثقافة الملتزمة سواء كانت سياسة وشعرا وموسيقى أو سينما، كما تشبعت بأولياتها مع الزخم المميز للساحة الجامعية على الأقل، غاية بداية التسعينات: الحلقات التعبوية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الأسابيع الثقافية، الرفاق، وامتداد إشعاع كل ذلك إلى الجمعيات ومن بينها النادي السينمائي. إنها مرحلة خصبة ومفارقة على مستوى إعادة صياغة رؤيتي لنفسي وللوجود والآخر.

أخيرا، تجب الإشارة، أن كل ما أتيت على سرده قد اختفى من مراكش ولم يعد من موقع إلا للأسمنت الأبله والبهرجة الغبية، كم أشتاق إلى تلك الأيام⊇ بالرغم من كل شيء! اليوم، من أراد السينما، ربما عليه فقط الاكتفاء بافتراش زاوية في الشارع العمومي، ومتابعة سينما هذا الواقع المضحك والمبكي.


كاتب من المغرب