تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/03/2015، العدد: 2، ص(160)]

رسمة لمحمد عبدالرسول
تخلق التكنولوجيا وهما كبيرا بالتقدم‭.‬ يذهب البعض بعيدا إلى درجة المساواة بين التكنولوجيا والعلم‭.‬ تجعل هذه المساواة الوهم حقيقة وتفترض أن توفر التقنيات في مجتمع هو وصفة للتطور والرقي‭.‬

قراءة خاطئة من هذا النوع تجعل من سائق السيارة أستاذا في الهندسة الميكانيكية فقط لأنه يستطيع التعاطي مع تكنولوجيا قيادة السيارات‭.‬ كلنا يعلم أن هذا ليس صحيحا‭.‬

القلم تكنولوجيا بدائية للكتابة عاشت معنا منذ قرون‭.‬ لا أحد يفترض أن من يمسك بالقلم يصبح كاتبا تلقائيا‭.‬ كل ما فعله القلم أنه منع اتساخ اليد من الفحم‭.‬ مهمة الكتابة تكمن بعيدا عن اليد‭.‬ إنها هناك، في العقل‭.‬ القلم غير مسؤول عن جميل الكلام أو قبيحه مما يكتب على الورق‭.‬

السيف تكنولوجيا بدائية للقتل‭.‬ بضربة واحدة تستطيع قتل خصمك أو جرحه‭.‬ إنه أفضل تقنيا من العصا التي توفر بذاتها تقنية للقتل ولكن بضربات أكثر‭.‬ وهو أفضل من اللاتكنولوجيا التي يوفرها ذراع الإنسان في محاولته التفوق على الخصم‭.‬ السيف ليس مسؤولا عن مذابح المغول في الصين عندما قرروا القضاء على ربع السكان‭.‬

الإنترنت، بتفرعاتها العديدة، تكنولوجيا متقدمة صار من الصعب إحصاء ما يمكن أن توفره من منفعة أو ما تحدثه من ضرر‭.‬ عندما انتشرت أول ما انتشرت في الجامعات مطلع التسعينات من القرن الماضي، كانت حلما للباحثين‭.‬ وفّرت عليهم أشهرا من الانتظار لحين نشر البحوث والدراسات بالوسائل التقليدية‭.‬ الإنترنت غيّرت قواعد كل شيء‭.‬ لكنها بالتأكيد غير مسؤولة عن تحول أجزاء منها إلى أدوات لنشر الخراب والفتنة والأحقاد‭.‬

الإعلام الفضائي تكنولوجيا خرافية‭.‬ الصورة والصوت والحدث على بعد ثانية من أي مكان في العالم‭.‬ تستطيع أن تنقل أجمل ما في الفنون والثقافة والرياضة إلى كل ركن قصي‭.‬ عندما تحدثنا قبل أكثر من عشرين عاما عن القرية الكونية، إنما كنا نتحدث عن قرية الأقمار الصناعية والتواصل اللحظي‭.‬ آخر ما كان يتخيله مهندسو تطوير تقنيات الأقمار الصناعية أن تصبح شاشات التلفزيون التي تنقل برامج القنوات الفضائية إلى منابر للحث على العنف والتشدد والقتل والتدمير‭.‬ من كان يظن أن الوعاظ المتطرفين الذي كانوا يتسللون نحو المنابر سيتمطّون أمامنا ويجلسون لساعات وساعات‭.‬ حتى الخميني، الذي تسلل عبر تقنية أشرطة الكاسيت إلى إيران الشاه، ما كان يحلم بعشر ما توفره قنوات التحريض اليوم‭.‬

الهاتف المحمول غيّر حياتنا‭.‬ أول ما ظهر، كان هاتفا فقط‭.‬ اليوم هو كل شيء‭.‬ هو الكتاب والسكرتيرة والكاميرا وألبوم الصور والتلفزيون ومفكرة المواعيد وصندوق البريد ومنظم ضربات القلب‭.‬ هو تويتر وفيسبوك وواتس أب‭.‬ فجأة تغير حجم العالم من حولنا‭.‬ كنا نعرف 20 شخصا بشكل تام لأنهم أقاربنا أو زملاؤنا أو جيراننا‭.‬ كنا نعرف مائة آخرين ممن نلتقيهم في المناسبات ونصارع ذاكرتنا لكي تحافظ على أسمائهم‭.‬ اليوم أنت جزء من حشد كبير‭.‬ صار لديك أعداد من المتابعين والمريدين يزيد عن أعداد ما توفرت تاريخيا إلا لعروش وأديان‭.‬ المشكلة ليست في العدد وبركة العدد‭.‬ المشكلة فيما نقول‭.‬ كنا حذرين جدا فيما نقوله أمام العشرين شخصا من الأقرباء والزملاء والأصدقاء‭.‬ كنا نتوخى الكياسة فيما نكتبه أو نتلفظ به أمام المئة شخص من المعارف‭.‬ اليوم لساننا منفلت ولا يراعي لا ذوقا ولا أدبا‭.‬ اليوم عيننا تلتقط الأشياء عبر كاميرا الموبايل وتبثها بلا حد أدنى من الحشمة‭.‬ اليوم كأن البعض خلق للفتنة‭.‬

التكنولوجيا ليست وعيا بل أداة‭.‬ لا أحد يكسر القلم أو يعدم السيف‭.‬ اللوم على الكاتب والعقاب للقاتل‭.‬ من دون وعي، انقلبت التكنولوجيا ضدنا‭.‬ صارت عبئا خطيرا على كل المسلّمات في عالمنا العربي بدلا من أن تكون، كما في الغرب والشرق، أداة تساعدنا في الخروج من مشاكلنا الكبيرة والمستعصية‭.‬

حاجتنا للوعي أكبر من حاجتنا للتكنولوجيا‭.‬ الوعي هو ما يعيد الغرائز إلى قفصها‭.‬ الشعوب الواعية تتعايش مع ذاتها قبل التكنولوجيا وبعدها‭.‬ الكاتب الواعي يؤثر إيجابيا في المجتمع حتى لو تمت طباعة صفحاته على ألواح الحجر أو الرصاص‭.‬ الكاتب الخبيث سيجد في التقنيات الحديثة ضالته‭.‬ السياسي الوطني يؤثر بالقليل من الناس ليخلق منهم كتلة حرجة تنطلق منها الإصلاحات نحو بقية الناس‭.‬ لن يحتاج إلى الفتنة التي يبثها الوسواس الخناس عبر شبكات التواصل الاجتماعية‭.‬

وهْم التكنولوجيا كحل لمشاكلنا وهْم خطير لا بد من مواجهته مثل أي وباء يمكن أن يقضي على الناس‭.‬ خدعة التكنولوجيا في أيدٍ متخلفة ما عادت تنطلي علينا.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز