نقد‭ ‬نزعة‭ ‬الـ'أنتي‭ ‬إمبريالست'

المنظور الذي حكم، ولا زال، مجمل اليسار، من الحركة الشيوعية إلى اليسار الجديد بمختلف تلاوينه، يتأسس على “معاداة الإمبريالية”، وهي ما أسميتها نزعة الـ”أنتي إمبريالست”‭.‬ لتبدو أنها “المنهج” بالمعنى الدقيق للكلمة، أي أنها 'المقياس' الذي تقاس على أساسه الوقائع‭.‬ لتبدو أنها حلّت محل المنهج الماركسي، أو أحلت المنظور الوطني كبديل عن المنظور الطبقي‭.‬ حيث أن الإمبريالية تمثّلت في دولة هي أميركا، وبات الإمبريالية هي السيطرة والاحتلال‭.‬

الجديد  سلامة كيلة [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(30)]

لوحة: حسين جمعان
الفارق هنا هو أن المنظور الطبقي يحمل بالضرورة منظوراً وطنياً بينما لا يحمل المنظور الوطني منظوراً طبقياً‭.‬ كما أن المنظور الطبقي يتأسس على تحليل البنى الاقتصادية بينما ينطلق المنظور الوطني من المستوى السياسي بمعزل عن قاعه الاقتصادي‭.‬ ولهذا استوجبت هذه النزعة النقد‭.‬ فهي هنا تتحوّل إلى “قانون يحكم العقل”، “منطق تفكير”‭.‬

في ذلك ملمس مثالي، أو بشكل أدق، إغراق في المثالية، حيث يحلّ السياسي بدل الاقتصادي، و”الوطني” بدل الطبقي‭.‬ وكما أشرت فإن السياسي لا يتضمن الاقتصادي، رغم أنه شكل الاقتصادي (فالسياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد)، و”الوطني” بهذا المعنى لا يتضمن الطبقي، رغم أن للطبقي “حدودا وطنية”‭.‬ ولقد نقد لينين “نزعة الدفاع عن الوطن” حين يجري تجاهل ما هو طبقي، واعتبر أنها أفضت إلى “إفلاس الأممية الثانية” التي دافع كل ماركسي في أمة عن برجوازيته ضد برجوازية الأمم الأخرى، متناسياً أنّ ما يجري هو “صراع بين الإمبرياليات على تقاسم العالم”‭.‬

بالتالي كيف تشكلت نزعة الـ”أنتي إمبريالست” هذه، وعمت الحركة الشيوعية وكل اليسار؟

سنلمس مصدرين لهذه النزعة، أو لنقل وجهين لهذه النزعة‭.‬ المصدر الأول هو “الماركسية السوفيتية”، ولا شك في أنّ ما جعلها مصدراً أساسياً هو تأثيرها الجارف، والإقرار بأنها هي الماركسية الحقة، وهذا التأثير هو نتاج المصدر الثاني الذي سنلمسه تالياً‭.‬ ففي المستوى “النظري” انطلقت من مفهوم تناقض العمل/رأس المال، وأسست على ضوئه تناقض اشتراكية/رأسمالية، ليصبح التناقض العالمي هو بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي‭.‬ وهو التناقض الحاكم لكل التناقضات الأخرى، يلحقه تناقض حركة التحرر الوطني، أيضاً ضد الإمبريالية‭.‬

هذا المنظور جعل الاتحاد السوفيتي هو مركز الصراع العالمي ضد الرأسمالية، التي جرى حصرها بأميركا كونها زعيمة الرأسمالية‭.‬ بهذا فقد أصبح الصراع الأساسي هو صراع “عالمي” بقيادة الاتحاد السوفيتي، وبات كل التركيز على “دحر الإمبريالية” من أجل انتصار الاشتراكية‭.‬ هل في ذلك مطابقة للتحليل الماركسي؟ لا، حيث أنه انبنى على أساس منظور الدولة السوفيتية في صراعها العالمي، فلا شك في أنها في صراع مع الرأسمالية ما دامت تطرح بديلاً لها، ولا شك في أن وجودها كنمط بديل كان يفرض مركزة صراع الرأسمالية ضدها، وهذا أمر صحيح لدولة كالاتحاد السوفيتي، لكن لقد بات هذا الصراع هو الصراع المركزي في كل البلدان، رغم أن توضّع البلدان الأخرى مختلف، نتيجة أن الحركة الشيوعية ليست في السلطة بل أن الرأسمالية تمتدّ محلياً عبر طبقة مسيطرة، هي تابعة‭.‬ لقد تعممت هذه “النظرية” كـ”قانون ماركسي” صلب، وباتت أساس النظر “الماركسي” في تحديد السياسات والتكتيكات والتحالفات‭.‬ ولهذا بات الخطاب المحلي يركز على “الصراع ضد الإمبريالية”، ويخوض الصراع مع النظام المحلي الذي يمثّل الطبقة المسيطرة انطلاقاً من علاقته بالإمبريالية وبسياساتها بالتحديد، وليس بالواقع الطبقي المحلي‭.‬ بالتالي لقد تعلقت المواقف بالصراع العالمي وليس بالصراع الطبقي المحلي‭.‬ بمعنى أن هذه الأحزاب باتت جزءاً من إستراتيجية الاتحاد السوفيتي ضد الرأسمالية متخطية الصراع الطبقي المحلي، وكان ذلك يفرض ملامسة الإمبريالية كدولة سيطرة واحتلال، وليس النمط الرأسمالي كنمط اقتصادي طبقي يتغلغل محلياً‭.‬ وحين يصبح الصراع ضد دولة خارجية يتحوّل محلياً إلى “صراع وطني”‭.‬

لا شك في أن النزعة القومية تولّد تصوراً عن الإمبريالية ينطلق من الميل للسيطرة والاحتلال، أي أنها تساوي بين الإمبريالية والاستعمار‭.‬ ومن ثمة تحوّل مفهوم الإمبريالية من مفهوم اقتصادي طبقي إلى مفهوم سياسي

المشكلة تمثلت في أن الدولة السوفيتية أخضعت النظرية لتكتيكها، وأسست انطلاقاً من تكتيكها “قوانين نظرية” باتت تعمم كجزء من الماركسية‭.‬ وأصبح “التثقيف الماركسي” يقوم على أساس هذه النظرية التي بررت ذلك بالتأكيد على تناقض حركات التحرر الوطني مع الإمبريالية كتناقض تالٍ‭.‬ وهنا كان يظهر الوطني كبديل عن الطبقي بالضرورة‭.‬

المصدر الثاني اعتمد على ما أظهرته الرؤية السوفيتية سالفة الذكر، حيث ظهر أن الاتحاد السوفيتي هو القوة المهمة التي تقاتل الإمبريالية، وهي التي ستهزمها‭.‬ لهذا كان ذلك يلامس الشعور التحرري الذي نشأ في كل الأطراف، والبلدان المستعمرة، التي كانت تطمح إلى الاستقلال، وترى أن ذلك يتحقق عبر هزيمة الإمبريالية (بريطانيا وفرنسا ثم أميركا خصوصاً)‭.‬ ولقد كان ميلاً جارفاً وينطلق من شعور وطني، رغم أن الاستعمار حفر في البنية الاقتصادية، ونهب، وأفقر، وحوّل التخلّف الذي كان نتاجاً تاريخياً إلى تخليف يتحقق بفعل إمبريالي عبر تشكيل البنية الاقتصادية بما يخدم سيطرته ونهبه حتى دون احتلال أو سيطرة مباشرة‭.‬ هذا الشعور التحرري اصطبغ بطابع شيوعي بالضبط نتيجة تناقض الاتحاد السوفيتي مع الإمبريالية، من بريطانيا وفرنسا إلى أميركا‭.‬ بمعنى أن الميل التحرري التحق بالاتحاد السوفيتي تحت مسمّى الشيوعية، فباتت الشيوعية تعني الصراع ضد الإمبريالية‭.‬ وهنا لم يجرِ الاهتمام بفهم الماركسية أو مسك منهجيتها‭.‬

تشكلت هنا “ماركسية” انطلاقاً من “ضد أميركا”، حيث كان الصّراع معها والتحرر منها هو المدخل الذي جعل قطاع من النخب والمناضلين يصبح “شيوعياً”، وبالتالي يمكن القول بأن هؤلاء بنوا شيوعيتهم على هذه المسألة بالضبط، فأصبحت هي محور منهجيتهم‭.‬ بمعنى أنه صبغ “وطنيته” بـ”الشيوعية”، فبات شيوعياً يحمل تفكيراً “وطنياً”، الوطن في صراعه مع الإمبريالية بمعزل عن تكوينه الداخلي، ربما انطلاقاً من أولوية “النضال الوطني” كما كان يتكرر‭.‬

هذان المصدران شكلا نزعة الـ”أنتي إمبريالست”، وبالتالي جرى تصعيد الصراع ضد الإمبريالية إلى المرتبة الأولى، والحاسمة، وحتى الوحيدة‭.‬ لكن هذه العملية أسميت “شيوعية”، وبات معتنقوها “ماركسيين”‭.‬ ربما كان صحيحاً أن يعتبر الاتحاد السوفيتي أن صراعه هو صراع الاشتراكية ضد الرأسمالية، حيث أنه بات يشكّل نظاماً اقتصاديا مستقلاً، ويجاور النمط الرأسمالي، ليصبح الصراع هو صراع دول (وبالتالي جيوش وسياسة)‭.‬ فالدولة هنا هي التي تخوض الصراع، وضد الدول الرأسمالية، بعيداً عن الاستغلال الطبقي المباشر، أي بعيداً عن تناقض العمل/رأس المال، القانون الذي يحكم بنية، في دولة، أو في نمط رأسمالي‭.‬ وبالتالي كان صحيحاً بالنسبة إليها أن هذا التناقض هو التناقض الرئيسي، فالصراع المباشر هو مع الرأسمالية، والتنافس المباشر هو مع زعيمتها، أي أميركا‭. ‬

أتكلم هنا عن الدولة السوفيتية التي تحكمها “الشيوعية”، أشير إلى ذلك للقول بأنني لا ألمس الصراع الداخلي في “الدولة الاشتراكية” ما دامت الفئة الحاكمة (أي الحزب الشيوعي) هي التي صاغت الأفكار وحددت التناقضات التي ستنعكس على بقية العالم، والتي أسهمت في تأسيس “نزعة الأنتي إمبريالست” عندنا‭.‬ فقد عممت “الماركسية السوفيتية” سياستها، وتكتيكها، كسياسة وتكتيك لكل الحركة الشيوعية من جهة، وجعلته “قانوناً ماركسياً” من جهة أخرى‭.‬ وبهذا فقد أدخلت “النزعة الوطنية” في صلب الماركسية، وهي تغذي هذه النزعة في الأطراف لكي تستفيد من صراع الأطراف ضد الرأسمالية‭.‬ أي لكي تستفيد من النزعة الاستقلالية عن الرأسمالية في الأطراف، في سياق سعيها لإضعاف الرأسمالية‭.‬ وهذا ما كان يتلاقى مع الميل التحرري لدى قطاع مجتمعي، لكنه بات يتلقى وعيه العفوي كنظرية ماركسية هذه المرة، أي أن وعيه العفوي المناهض للإمبريالية بات “نظرية ماركسية”‭.‬ وسنلمس هنا أنه استمدّ شرعية نزعته هذه بتغليفها بغلاف “ماركسي”، أي غطّى “وطنيته” بغلاف “ماركسي”‭.‬ لكن هذه الخطوة أعلت من قيمة “النزعة الوطنية” بأن حوّلتها إلى قانون “ماركسي”‭.‬

ليست الإشكالية هنا في الوطنية، ولا في معاداة الإمبريالية، بل تكمن الإشكالية في تحويل ذلك إلى قانون يحكم تحليل الواقع‭.‬ وهي بذلك أهدرت التحليل الاقتصادي الطبقي، التحليل الجوهري في الماركسية‭.‬ فلا شك في أن الاستعمار يولّد نقيضه: نزعة التحرر، والسيطرة الإمبريالية والغطرسة التي تحكمها تولّد القوى التي تواجهها، لكن الفارق بين النزعة العفوية، أو المنظور “القومي”، وبين الماركسية، يكمن في التحليل الاقتصادي الطبقي للظاهرة وليس الاتكاء على الميل العفوي الذي يولّد النزعة القومية، التي تكون غالباً مثالية‭.‬ بمعنى أن التحليل الماركسي يضع الوطنية في سياق التحليل الاقتصادي الطبقي لـ”الوطن” وليس بمعزل عنه، فيفرض تصعيد الصراع ضد الطبقة المسيطرة التي هي جزء من التكوين الإمبريالي من موقع التابع، حيث يكون حسم الصراع معها فكاً للسيطرة الإمبريالية المنطلقة من الربط الاقتصادي وتشكيل طبقة محلية تابعة لكي تفرض نهبها الاقتصادي وتماسك نظامها العالمي‭.‬

وتظهر إشكالية المنظور “القومي” (أو ”الوطني”) في السياسات، والتكتيكات والتحالفات بشكل جلي‭.‬ حيث في النزعة القومية ينحكم النظر إلى “الصراع مع الخارج” بالتحديد، وبالتالي يجري تجاهل البنى والمصالح الداخلية، أو القفز عنها نتيجة “الصراع مع الخارج”‭.‬ وهو ما يهدر النظر الطبقي، ويعلي من شأن “الوطني” على حساب الطبقي‭.‬

ولا شك في أن النزعة القومية تولّد تصوراً عن الإمبريالية ينطلق من الميل للسيطرة والاحتلال، أي أنها تساوي بين الإمبريالية والاستعمار‭.‬ ومن ثمة تحوّل مفهوم الإمبريالية من مفهوم اقتصادي طبقي إلى مفهوم سياسي، هو مفهوم السيطرة الاستعمارية‭.‬ وهذا ما أخذت به الماركسية الرائجة التي حكمت الحركة الشيوعية وكل اليسار‭.‬ لهذا أصبح الصراع مع الدولة الإمبريالية وليس مع النمط الاقتصادي الذي تقوم عليه هذه الدولة، والذي يؤسس لتوضُّع محلي هو جزء من النمط، بالتالي لا بد من أن يواجه‭.‬ أما دور الدولة الإمبريالية فهو فعل خارجي‭.‬ يكون الصراع معه في حالة “الاحتكاك”، أي في حالة تعدي الدولة الإمبريالية‭.‬ وفي ذلك يظهر الفارق بين التحليل الماركسي و”التحليل القومي”، حيث يتجاهل “التحليل القومي” التكوين الاقتصادي الطبقي، أو حتى لا يقبله، لكنه يرفض التعدي على “الحدود القومية”‭.‬ بمعنى أن المنظور القومي ينطلق من قبول الرأسمالية والملكية الخاصة كنمط اقتصادي، لكنه يرفض السيطرة السياسية للدولة الإمبريالية‭.‬ بالتالي هنا يكون مفهوم الاستقلال ذا معنى سياسي فقط، دون لمس الربط الاقتصادي، ودون فهم لإشكالية النمط الرأسمالي كنمط اقتصادي، وعلاقته بالتطور المحلي، وبالصراعات المحلية‭.‬

أصبح اللا تكافؤ في إطار السوق المفتوح كافياً لإعادة إنتاج السيطرة‭.‬ بالتالي فإن توضّع الإمبريالية مجتمعياً يتحقق عبر الاقتصاد المفتوح، الذي تمثّل مع موجة العولمة

هذا التحديد لفهم الإمبريالية جعل الأمر يتعلق بـ”معاداة الإمبريالية”، الذي يعني كما أشرت في البدء قياس كل السياسة على أساسه‭.‬ وهنا يصبح الأمر في العمل السياسي يتعلق بتحديد هو: إمبريالية/ضد إمبريالية، ومن ثم تصنيف المسائل على أساس ذلك‭.‬ وهذا يلغي التحديد الطبقي من جهة، لكنه يخفي تناقضات عديدة بحجة هذا التناقض، وهي تناقضات من المنظور الطبقي حاسمة‭.‬ حيث يجري الجمع بين التناقض “الجذري” ضد الإمبريالية، أي التناقض مع النمط الرأسمالي ككل، وبين التناقض الجزئي معها على أرضية الرأسمالية، ولكن كذلك التعارضات بين الإمبرياليات، أو بين المركز الإمبريالي والرأسماليات التابعة‭.‬ لكنه كذلك يعطي الأولوية للتناقض السياسي على الصعيد العالمي على التناقض الطبقي “المحلي”، أو المجتمعي‭.‬ رغم أن التناقض العالمي هو تناقض “خارجي”، أي لا يؤسس مباشرة لنشوء الصراع، حيث يظل تناقضاً سياسياً، ومن ثم “إعلامياً” (أي موقف رفض الإمبريالية عبر البيان أو الإعلام عموماً)، بينما يكون الاستغلال الطبقي المحلي هو الذي يطحن المفقرين، وهو الذي يؤسس الاحتقان الذي يمكن أن ينفجر في ثورة‭.‬

هنا نلمس كيف أن “معاداة الإمبريالية” تتحوّل إلى موقف لفظي، حيث أنها لا توضع في سياق نضالي أو “قتالي”، بالضبط لأن “حاجزاً” ينتصب بين الفاعلين السياسيين والإمبريالية هو “الدولة الوطنية”، التي تعبّر عن مصالح طبقية محدَّدة‭.‬ وعبرها يتحقق تموضع “الوجود الإمبريالي”، أي عبر النمط الاقتصادي الذي تفرضه يتموضع هذا الوجود‭.‬ ولهذا، في التحليل الماركسي، يتحوّل الصراع ضد الإمبريالية إلى صراع ضد الطبقة الرأسمالية المسيطرة مجتمعياً‭.‬ فهزيمة الإمبريالية تتحقق عبر تغيير النمط الاقتصادي الذي يسمح بربط البلد المعني بها، أي عبر اتباع اقتصاد ليبرالي مفتوح، وهيمنة رأسمالية مافياوية فيه‭.‬

هذا الأمر يفرض السؤال عن ماهية الإمبريالية؟ حيث أن الشعور التحرري أسس لفهم “سياسي” لها كما أشرنا قبلاً، لتساوي الاستعمار، أو الميل للسيطرة‭.‬ بمعنى أن دور الدولة الإمبريالية هو الذي يُلحظ، وليس الاقتصاد الرأسمالي‭.‬ لهذا تعرّف الإمبريالية بأنها الاستعمار، أو ميل الدولة الإمبريالية للسيطرة والتدخل والحرب‭.‬ فهذا ما يظهر في “الممارسة”، وهذا ما يمكن لمسه عيانياً، وهو ما يحكم “الميل العفوي”، أو “الانفعالي”، أي ما يستطيع “الميل العفوي” لمسه‭.‬

لكن الإمبريالية تكوين اقتصادي، هو النمط الرأسمالي في شكله المكتمل، أي أن الرأسمالية هي إمبريالية في بنيتها، من حيث التركز المالي وسيطرة الاحتكارات، وتصدير السلع والرأسمال، وتقاسم العالم كما حدَّد لينين في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”‭.‬ وهذا التكوين يقوم على الاستقطاب كما أشار سمير أمين، حيث تتمركز قوى الإنتاج والثروة في طرف ويهمّش ويُفقر الطرف الآخر، الذي يتحوّل إلى سوق لتصدير السلع والرأسمال والخدمات، ومجال لنهب المواد الأولية‭.‬ ولكي يتحقق هذا الاستقطاب في إطار النمط عموماً يجب أن يكون اقتصاد الأطراف “حراً”، أي يتبع الحرية الاقتصادية، لتسهيل التصدير والنهب، ولكي يخضع لمنافسة غير متكافئة من أجل إعادة إنتاج الاستقطاب واللا تكافؤ‭.‬

وإذا كان الاستعمار هو الشكل الأولي للسيطرة والنهب وتحقيق الاقتصاد المفتوح، وهي الوضعية التي أسست اللا تكافؤ، فقد أصبح اللا تكافؤ في إطار السوق المفتوح كافياً لإعادة إنتاج السيطرة‭.‬ بالتالي فإن توضّع الإمبريالية مجتمعياً يتحقق عبر الاقتصاد المفتوح، الذي تمثّل مع موجة العولمة بفرض الليبرالية المتوحشة، التي تقوم على شروط صندوق النقد الدولي التي هي شروط الطغم المالية الإمبريالية أساساً‭.‬ هنا يكون دور الدولة الإمبريالية، وبالأساس الأميركية، هو ممارسة الضغوط من أجل تحقيق ذلك‭.‬

إن الانخراط في النمط الرأسمالي من موقع التبعية هذا يجعل التناقض الداخلي هو التناقض الرئيسي، في إطار اعتبار أن التناقض في إطار النمط الرأسمالي ككل هو تناقض أساسي، يتحقق حلّه عبر تغير النمط الاقتصادي المحلي، أي بإسقاط النظم التي تمثل النمط الرأسمالي‭.‬ هنا تظهر الأولوية ليس لـ”المركز″ الذي يتحكم عن بعد في البنية المحلية، بل للتكوين المحلي ذاته الذي أنتج هذا الشكل من العلاقة مع المركز الإمبريالي، ومع النمط الرأسمالي ككل‭.‬ وهنا لا فائدة من “معاداة الإمبريالية” دون الانطلاق من حسم التناقض مع توضّعها المحلي، بل يكون كل صراخ في هذا المجال هو لغو، بالضبط لأن التناقض يحلّ في الواقع وليس عبر الخطابات، وهو يحلّ في “حلقته المركزية” التي هي التناقض الداخلي وليس عبر اللغو‭.‬

بهذا يتمحور الصراع العالمي ضد الإمبريالية في صراعات طبقية “قومية”، وهو السياق الذي يقود إلى تجاوز النمط الرأسمالي‭.‬ وهنا يبدأ الصراع من الملموس، أي البنى “القومية”، وليس من المجرّد الذي هو الإمبريالية‭.‬ الملموس الذي يعبّر عن توضّعها المحلي‭.‬ هذا ما تخفيه نزعة الـ”أنتي إمبريالست”، حيث تتشدد في خطابها ضد “الإمبريالية” بينما تتجاهل الصراع الطبقي المحلي، أو تعتبر أن الصراع المحلي هو نتيجة علاقة النظام بـ”الإمبريالية”، التي تتحدد هنا بالدولة الإمبريالية وليس بالنمط الاقتصادي الذي يشكل الإمبريالية‭.‬ لهذا تفسّر كل صراع داخلي انطلاقاً من طبيعة العلاقة التي تتسم بها العلاقة بين نظام معيّن والدولة الإمبريالية‭.‬

ليبرز هنا “التفسير المقلوب” للواقع، حيث يتحدد الداخل بدلالة الخارج، رغم أن الماركسية تقول بالعكس، أي أن الواقع الملموس هو المنطلق، وأن المستوى الاقتصادي هو المحدِّد للبنية الفوقية وترابطاتها العالمية‭.‬ الأمر الذي لا يجعل طبقة رأسمالية مسيطرة داخلياً في تناقض حقيقي مع المركز الإمبريالي، رغم احتمالات حدوث خلاف ما‭.‬ وهذا الخلاف لا يكون أساساً لوقف الصراع الطبقي، بالضبط لأن الصراع الطبقي أمر موضوعي وينتج عن الفقر والبطالة والتهميش الذي يؤسسه نهب الطبقة المسيطرة ومراكزها الإمبريالية عبرها، ومن ثمة تمركز الثروة بيد أقلية حاكمة، ونشوء أغلبية مفقرة يصبح وضعها هو أساس حراكها الفعلي ضد الطبقة المسيطرة والسلطة التي تمثلها‭.‬ ولا يصبح الوطني أساس تناقض إلا في حالات الاحتلال والسيطرة المباشرة وليس من خلال وجود طبقة رأسمالية تابعة‭.‬

إن نزعة الـ”أنتي إمبريالست” تجعل الصراع ضد الإمبريالية خارج الصراع الطبقي، وهذا ما يعطيه صفة الوطنية المجرّدة، التي تتجاوز الانقسام الطبقي والمصالح الطبقية، وبالتالي الصراع الطبقي ذاته‭.‬ وكما أشرنا، على العكس من ذلك يصبح هو محدِّد الصراع الطبقي‭.‬ حيث يتحدد الموقف من الأحزاب والقوى انطلاقاً من “موقفها من الإمبريالية” وليس انطلاقاً من توضّعها الطبقي، وهو الأمر الذي يشوش على فهم الصراع الطبقي، ويخلّ في تحديد الموقف من تلك الأحزاب والقوى، ويقيم سياسة لا تمتّ للصراع الطبقي بصلة.


مفكر من فلسطين مقيم في القاهرة