المفكر‭ ‬العربي‭ ‬ومآزق‭ ‬الأيديولوجيا

تعليق‭ ‬على‭ ‬حوار‭ ‬المفكر‭ ‬طيب‭ ‬تيزيني

الجديد  البشير ربوح [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(64)]

لوحة: حسين جمعان
جاء في متن الفيلسوف الألماني هانس غيورغ غادامير نصيحة مؤداها أن الحوار هو الأفق الوحيد الذي ما زال مفتوحاً أمامنا ومهيأ بصورة أكثر عقلانية للنظر في مستقبلنا، وهو الذي يقودنا بكل تؤدة وهدوء إلى مستقرنا المعرفي من أجل التأسيس لمجتمع جديد، مجتمع المعرفة والعقل والتواصل‭.‬ إن الأمر هنا والآن لا يتعلق بمبتغى طوباوي أو برجاء ميتافيزيقي وإنما هو في مرتبة المطلب العسير الذي نحن مطالبون بالدعوة له فعلا وقولا، حتى نحدث تلازما صلبا بين النظر والبراكسيس، ونعتبره موطنا من مواطن التسآل الحيوي في هذا المنعطف الخطير من تاريخنا، ولا نكف عن التنظير له بحسبانه درباً وطريقا ورؤية وفضاءً وخريطة إدراكية تسعفنا في تحديد معالم عصر حداثي يتشكل في غفلة ما، وفي ظل تمشّي دفعنا إلى تقديم استقالة حضارية‭.‬

من هنا تتنزل هذه المحاولات والمقاربات التي تجتهد فيها مجلة “الجديد” بطابعها السجالي الممتع والذي يمنح النصوص فرصة إضافية في التمدد، والكُتاب مسطحا آخر للاستعراض، والمُحاور إمكانية الالتقاء بالرؤى رأساً، وتجسير العلاقة البينذاتية؛ أي بين الكاتب المسؤول والقارئ السيد، وهي في عمومها فضيلة إتيقية نتمنى لها أن تدوم وتستمر، بالرغم من إكراهات الواقع الذي ينجذب إلى العنف الجماعي لأن الحشود، وفق التوصيف الطريف لأنطونيو نيغري، لا تفكر، ولا تحب أن تلتقي بأيّ سؤال يحرج أحكامها المطلقة‭.‬

على هدي هذا المسار النبيل لمجلة “الجديد” يأتي حوار الأستاذ عمار المأمون مع مفكرنا طيب تيزيني، في ظرف تاريخي تميز بانخراط المنطقة العربية دون سواها من العالم الإسلامي في مرحلة عُنفية شديدة التأزم ومنغمسة إلى حد مفزع في لُجّة الكراهية والفساد والإفساد والتصفية ومتورطة بشكل دراماتيكي في إنتاج صورة مخيفة عن ذواتنا التي لم يبق لها إلا تصدير القتل بعد أن تصيّرت الكائنات الحية على يديها إلى مشاريع جثث ملونة‭.‬

من صلب هذا الأفق الحواري بامتياز توجه مفكرنا إلى التنقيب عن اللحظة المعيارية التي انتظرناها طويلا، بحسبانها المنجز الذي يحقق القطيعة بين زمن الانحطاط وزمن النهضة، وقد اكتشف فيها بعدا رابعا، خاصة بعد حديثة عن الأبعاد العلمية الثلاثة، وهو بعد الحامل الاجتماعي الذي أعلن صراحة عن رسالته المتمثلة في الكرامة كمطلب إيتيقي والعمل كأساس وجودي، وهي مطالب لم تشرعنها المدوّنة التاريخية وإنما هي مُستقدمة من المستقبل، لأن الأمر يتعلق أساساً بعلاقة عكسية مع تعاظم مظاهر الظلم الاجتماعي والسياسي، وفق “قانون الاستبداد الرباعي”، وبالرغم من تمرد الحالة التونسية على هذا القانون، مما يعني أن هذه اللحظة التي تواصلت مع منجزات الحداثة مبكرا، ثارت على قانونه الرباعي، ولم يفكّر فيها بالصورة التي تفسر فرادتها، وبدأ في تقديم سرد واقعي لأهم المعطيات المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى هذا الوضع الكارثي مانحا حصة الأسد للعامل الأمني، أو كما سماها مفكرنا “الدولة الأمنية” والتي حققت منجزات ضخمة على مستوى الواقع الاجتماعي حيث فككت الطبقة الوسطى، وغيبت الطبقة البورجوازية، وابتلعت الوطنية منها، وبعد الحديث المتسرع عن مسار الثورة السورية في بدايتها تبين له أن غياب العقلانية والحكمة والسياسية كان سببا في ظهور انتفاخات عنيفة مثل ظاهرة داعش على جسد الثورة، مما تسبّب في إجهاض الحمل المتوقع والمأمول في ولادة اللحظة النهضوية الحاسمة‭.‬

وبرؤية متداخلة يذهب مفكرنا صوب تقديم قراءة بانورامية للواقع السوري حيث يتحدث عن تقاطع العامل الاجتماعي والسياسي والأمني، والطائفي وهو العامل الخطير على مستوى شبكة التفكر عند مفكرنا، باعتباره آخر حاجز أمام السقوط في الهاوية، تقاطع منحه مسحة أيديولوجية تتمثل في تغليبه للموقف القومي على باقي المواقف داخل المجتمع السوري، ولا يخلو خطابه من وخز لساني يطال تجربة الوحدة السورية المصرية بقيادة جمال عبدالناصر، غير أنه بدأ في الاصطدام بالمسألة الدينية التي تمظهرت جلياً في صورة حركات إسلامية متطرفة في رؤيتها ومتوحشة في أفعالها، فبعد ما كانت منشغلة بعدوّ خارجي بين العدو الشيوعي الملحد والأميركي الإمبريالي، غدت هذه الحركات منهمكة بما هو داخلي مثل محاربة الدولة الأمينة، والقضاء على⊇ الطواغيت، وتطبيق شرع الله والإلحاح على قضية الحدود، من هنا وجب إعادة النظر في قراءة النص الديني مع التركيز على مواكبة الظروف التاريخية والاجتماعية، حتى وإن كان هذا المطلب استجابة لمقتضيات طارئة، غير أن هذه اللحظة ولدت مشوّهة بفعل حضور مفاعيل خارجية وأخرى داخلية رأس الأمر فيها غياب الحامل الاجتماعي القادر على حمل رسالة النهضة المكسورة‭.‬

ومما ضاعف من عسر وصعوبة حدوث الوثبة المأمولة أو على الأقل الاستفادة من الحدث الثوري الذي انبثق في هذا الواقع المأساوي والتدرب على توجيه الحدث جهة ما كان منشودا من دولة القانون والمواطنة والحريات والحقوق، هو مقدرة القوى اللاتاريخية على الالتفاف على الحدث وتوجهيه في الطريق الذي تريده وفق مصالحها الشخصية، وهو – أي مفكرنا طيب تيزيني- دوما يجتهد في إلقاء اللوم على هذه القوى، وتبرئة الحركات كل القوى اليسارية ووضعها في خانة الضحية وكأن ما قدمته هذه القوى هو فرصة مهدورة ضاعت على العالم العربي، مما يؤكد وجود مسحة أيديولوجية في مطارحته، ويستمر في مسعاه التحليلي حيث يربط هذا التحول الدراماتيكي للوطن العربي بمسألة العولمة خاصة في جانبها الاقتصادي، الذي يتحرك مسرعا جهة الكارثة وهو تطبيق قوانين التسليع والتشيؤ والتوثن، انسجاماً مع القاعدة العامة للسوق المطلقة، وفق العبارة الرشيقة لبوغنون “السوق المطلقة” (كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان)، ومنه تصبح كل المفاهيم العزيزة على شخصيتنا مثل: الهوية، الدين، الإنسانية، الوطنية مجرد أيقونات فارغة من المعنى والدلالة وهي بالتالي عوائق تحول دون إنجاز المهمة المقدسة لعولمة السوق‭.‬

وأمام تغوّل المنطق العُنفي وانحراف الفعل الثوري جهة امتشاق السلاح كحل أخير كمعادلة تتنزل في منزلة السلوك المضاد قُدام تغوّل المنطق الأمني كذلك، بقي مفكرنا محافظاً على نبرته الأيديولوجية التي تسعى دوما إلى تجنب إدانة العنف بصورة سافرة، أو تأنيب القوى اليسارية التي اضمحلّت مع مرور الزمن ولم يبق منها سوى ظلال باهتة، ومن المؤكد في القضية هو أن القوى المتشددة دينيا وإسلاميا هي المهيمنة على فضاء الحراك السوري، حيث أصبحت داعش هي الهالة العليا للتطرف والقتل والإبداع فيه وتقديمه كسلعة ميتافيزيقية مفضلة لديه وكجزاء دنيوي على كل من يخالفه، وهو هنا لا يدخل في عراك فكري سافر مع هذه القوى التي خرجت من كهوف التاريخ المفزعة، وكأننا أمام مسلم أخير يفتقد إلى حاسة الإنسانية وقرر أن يخرج من هذا النادي الكبير ويلتحق بفكرة سحبها من التراث وقدمها كخلاص نهائي للبشرية‭.‬ ولم يعترف نهائيا بهذا الوصف الماكر “الربيع العربي”، فكيف السبيل إلى أن يقتسم معنا أفكار التنوير والحداثة والديمقراطية والمواطنة؟

على أساس هذا الفكر العائم المنتشر في ردوده الحوارية تجلّت عندما ولج باب تقييم المشاريع الفكرية العربية خاصة عندما صنف محمد عابد الجابري في خانة “التفكير الأشعري”، ولم ينشغل بأهمية التوجه العقلاني الطافح في نصوصه المتعددة، لأنت الجابري كان مدافعا عن نزعة مغاربية تستمد من أطروحات ابن رشد جل مفرداتها التحليلية ورؤاها المُعقلنة، فكيف يمكن أنم نقبل منه هكذا وصفا “أخلى الجابري أخيرا الساحة لفكر ديني قد ينتج الظاهرة التكفيرية، التي تعشش في مرحلتنا ضمن مساحة مترامية الأطراف”، والقول لطيب تيزيني، ولكنه فيما يتعلق بالأديب أدونيس مر عليه دون أن يعرضه للتحليل والنقد‭.‬

إن الجوهري في هذا الحوار الممتع والذي يورطنا في الانخراط في مسائل الراهن المتفجر باستمرار، هو أن مفكرنا طيب تيزيني يدرك مدى تعالق المسائل والقضايا ويرفض على الإطلاق فكرة عزلة الأفكار وكأنها نسيج وحده، ويقر بأن فكرة الكلية الإنسانية التي حدثنا عنها أريك فروم ونزعة التاريخ المهيمن التي نظر لها هيغل هي الثيمة القارة في مسار تفكيره، ومنه حرص على الاجتهاد في طرح الأسئلة الكبرى الناقدة والجارحة، وهي أسئلة الإنسان والحرية والمستقبل والمواطنة والدولة العادلة، سواء في دربها المعرفي أو في طريقها التاريخي.


كاتب وأكاديمي من الجزائر