أبراج‭ ‬الصور‭ ‬المشيدة..‭ ‬لعنة‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬الصورة

“هذه ليست بصورة”، العنوان مستوحى من لوحة للفنان التشكيلي السريالي رينيه ماغريت تحمل اسم “هذا ليس بغليون” في الإشارة إلى أن ما يراه المشاهد في اللوحة هو رسم، وهيئة لغليون ولكنه ليس بغليون يمكنه حشوه وتدخينه‭.‬ في لوحته تلك لم يقم الطلاق ما بين الصورة والمعنى الذي يشير إليه فحسب بل دسّ السم في العلاقة ما بين المرئي واللامرئي‭.‬ نصّب ماغريت قارئ اللوحة الفنية سيداً للحوار وجعله جامع الشمل الممكن بين الصورة وما تشير إليه على النحو الذي يراه المُشاهد وحده دون غيره من الأطراف، وبمعزل عن إرادة الفنان الذي شيّد العمل الفني‭.‬

الجديد  ميموزا العراوي [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(106)]

'طفل في المرآة' للمصورة رانيا مطر
تكاد الصور الفوتوغرافية الحديثة والمعاصرة تنطلق من دخان غليون رينيه ماغريت هذا‭.‬ صور تثير الشك ولكن دون أن تخرج عن طوع سيدها، أي المصور الفوتوغرافي‭.‬ فالصورة الفوتوغرافية، مهما أمعنت في التجريد، مطلوب منها أكثر من اللوحة الفنية أن تقدم وضوحاً ممنوعا عليه أن يبقى “في قلب الشاعر”‭.‬

العديد من لوحات الفنان ماغريت أدخلت إلى فضائها الجدلية القائمة ما بين الخارج والداخل لتشير عبرها إلى هشاشة السواتر التي تحول بينهما‭.‬

المرايا والنوافذ والجدران “الطيّعة” حاضرة في أعماله لتورط المشاهد في عملية الشك التامة بما يعرفه مسبقا عن ماهية الحواجز وحدودها المادية‭.‬

نجد هذا المنحى، مع اختلاف كبير في الأسلوب، في لوحات عربية معاصرة‭.‬ نذكر من تلك اللوحات عمل الفنان ألفريد طرزي الذي تبدو فيه صورة عملاقة لصبي لبناني خارج لتوه من أتون الحرب يقف أكبر وأبرز من تمثال الشهداء المرسوم أمامه انطلاقا من صورة حقيقية للتمثال‭.‬

تركيب بصري يحيلك إلى التساؤل حول ما الذي يرمز إلى معنى الشهادة، التمثال المتعارف عليه أم الصبي المحدّق في عينيْ المشاهد؟

يكاد المفكر الفرنسي جاك داريدا يختصر ما يعني هذا الالتباس، حين قال “إذا كانت الأشياء المتعلقة بالفن تنمو غالبا في المقلب الآخر للحياة ذلك لأن “الصورة” متفوقة في قدرتها على تظهير فكرة النجاة التي لا تنتمي تماماً إلى الحياة ولا إلى الموت، لا إلى الحاضر ولا إلى الماضي، بل إلى حيز متناقض تناقض الأشباح التي تأبى إلا أن تحرّك ما في داخلنا من ذكريات”‭.‬

أما جاك رانسيير (فيلسوف فرنسي معاصر) فيؤكد على وجود ثلاثة أنواع من الصور‭.‬ الصورة العارية، أي تلك التوثيقية التي لا تُظهر أكثر مما تقدم لعين المشاهد، والصورة “اللاذعة” التي توثق لحظة ما عبر تكثيفها بصرياً وهي تصنف فناً، وهناك أيضا الصورة “المتحولة” التي تقوم على مبدأ المناقض للمكان والزمان‭.‬ هذه الصور هي تابعة لما يطلق عليه رانسيير “العالم القابع داخل العقل”‭.‬

داخل العقل

يُطلق على المصورين الذين يرصدون الحوادث الدامية أو النافرة في العالم بالمصورين الصحفيين‭.‬ صحفيون منهمكون بنقل الخبر بصرياً‭.‬

جرى التوافق على أن أهم ما يميز المصور الصحفي أنه يخبر الناس من خلال صورته عن حدث جرى في زمن ومكان محددين‭.‬ لا يلجأ إلى تحريك الأشياء من أمكنتها، ولا يطلب من الأشخاص الوقوف في وضعية معينة ما ريثما يأخذ صورته، لأن ذلك يجرّد الصورة من موضوعيّتها في غياب موقف حياديّ تجاه المشهد المُصور‭.‬ ولكن لأيّ درجة يمكن أخذ “حيادية ما” أمام هول المشاهد؟ وكيف يستطيع المصور المزروع في قلب الحدث ألاّ يكون طرفاً وتكون عينه صانعة للمعنى؟ وهل يوصّف المُصور بالممتاز أو الرديء وفقاً لتلك المعايير؟

قد تكون الإجابة عن تلك الأسئلة كامنة في الفرق ما بين كلمة “موضوعية” وكلمة “مصداقية”‭.‬ استطاعت الحروب والثورات في العالم العربي والغربي على السواء أن تطال المصورين بنارها لتصقل موهبتهم ومن ثم تغربلهم مبقية على من استحق النطق باسمها‭.‬ هكذا تنزلق الصورة الصحفية من ضفاف الموضوعية المستحيلة، خاصة عندما يكون موضوع الصورة الأزمات الإنسانية، إلى ما سماه الفيلسوف الفرنسي رانسيير”بالصورة المتحولة”‭.‬

مصورون كثيرون خلقوا جسراً ما بين عدستهم وبين”العالم القابع داخل العقل”‭.‬ مصورون من أمثال اللبناني جورج سمرجيان، المصور في صحيفة النهار الذي استمر عمله هناك أربعا وعشرون سنة وتوفي سنة 1990 متأثراً برصاصة أصابته في الرأس خلال تغطيته الاشتباكات فيما جرى على تسميته آنذاك بحرب الإلغاء‭.‬ من أشهر صوره، صورة تمثل عروسين يمشيان على الأنقاض هربا من القصف الذي فاجأهما‭.‬ شاءت سخرية القدر أن يقتل سمرجيان عند نهاية الحرب‭.‬ من هؤلاء المصورون أيضا لا يمكن نسيان سيتا مانوكيان، وسامر معضاد، وروجية مكرزل و فؤاد خوري خاصة في بدايتهم المهنية‭.‬ ولعل المصور رمزي حيدر، التي بدأت رحلته المهنية خلال الحرب اللبنانية ثم انتقل بعد ذلك إلى تصوير هول الحروب في العراق واليمن وصور المخيمات الفلسطينية واللاجئين السوريين وخاصة الأطفال منهم، هو من جلّ المصورين الذين التزموا بمصداقية صورة أضاءتها فنية عالية تأتت ليس فقط من خبرته بل من شفافية النسيج الذي تتكون منه شخصيته المُحبة والصلبة في الآن ذاته‭.‬ يقول رمزي حيدر في احدى مقابلاته “الصورة دائما مع المغلوب‭.‬ مع الضحية‭.‬ لا أستطيع أن أكون مع القاتل في الصورة”‭.‬

ثمة مصورون غربيون عرفوا بصورهم “المتحولة”‭.‬ نذكر من هؤلاء المصور دومينيك بوديس الذي طالت مسيرته المهنية من مصور وصولا إلى دخوله عالم السياسة من باب دعمه للعدالة الإنسانية‭.‬ يُذكر أن دومينيك بوديس التقط آلاف الصور التي توثق الألم والخوف والأمل وذلك أثناء مكوثه في المشرق العربي خلال السبعينات من القرن الماضي حين كان مراسلاً صحافياً‭.‬ عايش الحرب اللبنانية منتقلاً منها إلى حروب أخرى أدمت المنطقة من العراق إلى مصر، وصولا إلى سوريا وجنوب الجزيرة العربية‭.‬ أصيب المصور الفرنسي أثناء تغطيته لتلك الأزمات عدة مرات ليعود إلى الساحة من جديد مع آلة التصوير كما فعل رمزي حيدر وغيره من المصورين‭.‬

صورة لمسلحين من حرب لبنان (من الإنترنت)

الخادع والمتحول

يقول المصور رمزي حيدر “أنا ضد الصورة المركبة، أعمل في المهنة منذ ثلاثين عاماَ‭.‬ الصور المركبة التي عزم بعض المصورين على فبركتها في حرب تموز الإسرائيلية على لبنان أضّرت بمهنية المصور اللبناني الذي كان حائزاً على ثقة الإعلام العالمي‭.‬ التدخل في تركيب الصور جعل الغرب يديننا ونحن الضحية”‭.‬

يقصد المصور بهذه الكلمات استخدام بعض المصورين لتقنيات كالفوتوشوب لتغيير معالم الصورة، إما حذفا أو إضافة‭.‬ وهذا مما لا شك فيه خال من أخلاقيات المهنة، إلا إذا تمّ ذكر هذا التدخل وتقديم الصورة المُعدلة أو المحولة على أنها عمل فني تمّ تشكيله انطلاقاً من صورة حقيقية‭.‬

غير أن هناك صورا يتدخل فيها المصور بدافع المصداقية، لكي يكثّف معناها و يظهر أثرها إلى ما هو أبعد من المكان والزمان اللذين تنتميان إليه‭.‬

بعض صور المصور اللبناني “سامر المهداد” التي جمعها في كتاب رائع تحت عنوان “أطفال الحرب” تشير إلى هذا النوع الخاص من الصور‭.‬ يبدو المهداد وكأنه صممها عبر خرق عدسته للظاهر حتى النفاذ وتكثيف المعنى المُراد التعبير عنه‭.‬

نذكر من تلك الصور تلك التي يظهر فيها طفل يحمل صورة رجل مؤطرة داخل زجاج‭.‬ بجانبه سيدة جالسة على الكنبة‭.‬ غير أن المصور بعد تقديمه للمعطيات الخارجية للمشهد يدخلنا إلى معنى الصورة عبر سلسلة من التفاصيل “الإخراجية” التي تمتّ إلى عالم “الصورة المتحولة”‭.‬

نستدل عبر هذا التدخل الإخراجي بأن الطفل يحمل صورة والده المتوفى‭.‬ زجاج الإطار مكسور جراء إصابته برصاصة، فالوالد قتل في الحرب‭.‬ الأم الحاضرة في الصورة تلبس فستانا أبيض كدليل على الرضى‭.‬ تضع على رأسها وشاحا أسود كعلامة حداد‭.‬ هي “بالرغم ” من حالة الحداد، تبدو هانئة من خلال ابتسامة بادية على وجهها‭.‬ والد الطفل شهيد مما يبرر نظرة السيدة إلى الأعلى حيث ينساب شعاع نور يغسل محياها، يضيء ثوبها ويلقي “بظله” النوراني على عموم المشهد‭.‬

هنا، في هذه الصورة وفي صور عديدة غيرها نصّب سامر معضاد نفسه الناطق باسم الحقيقة الكامنة خلف الصورة‭.‬ إنها مصداقية الصورة المُتحولة‭.‬

تكون الصورة المتحولة أحيانا كثيرة وخلافاً للعديد من الصور التوثيقية-الموضوعية أكثر صدقا والتصاقا بالمعنى‭.‬ بعض الصور “التوثيقية” يكمن “خداعها” أو زيفها تماما في حياديتها‭.‬ ليس في ذلك أيّ إدانة للصورة هذه ولكنه تأكيد على أن الموضوعية سيف ذو حدّين حينما يكون الأمر متعلقاً بالموت‭.‬ ينتمي إلى هذا النوع من الصور، ما عرضه جيلبير الحاج، وهو من أفضل المصورين، من صور للدمار الذي حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت خلال حرب تموز 2006‭.‬ لم تتعرض هذه الصور لأيّ تدخل تقني كالتدخلات التي تكلم عنها رمزي حيدر‭.‬ هي صور صادقة كالقدر ولكن كاذبة كبرودة وحيادية ما تقدمه من أمر واقع‭.‬

الهول؟ لا هول في تلك الصور بالرغم من فداحة الدمار‭.‬ لا وجود بشريا لمن مرّ أو كان ساكنا هناك‭.‬ ولا تفصيل دالا على الحياة السابقة من تحت الأنقاض‭.‬ لا نور طبيعيا هنا أو هناك في وضح النهار‭.‬ بل ضوء شبه اصطناعيّ يجتاح المَشاهد وكأنه مبيد حشري رُشّ بحرفية كبرى “فعقمها” مانعا البصر من النفاذ إلى المعنى الذي يرزح في عمقها‭.‬ فمن مات هنا أو من شرّد هو غير موجود أصلا، أو هو خارج عن إنسانيته ومنتم إلى عالم الحشرات أو الأشباح الذين شبعوا موتا ولن تؤثر فيهم أيّ صورة أو أيّ نظرة “حيادية” أطلقها المصور ليميتهم فيها من جديد‭.‬

في هذا السياق يحضر في البال المصور الفوتوغرافي روجيه مكرزل، الذي بدأ حياته المهنية في الحرب وهو في العشرين من عمره‭.‬ قال مكرزل ببلاغة التناقض “عندما تغطي حربا تكون محايدا ولكن لا مجال في أن تكون موضوعيا”‭.‬

"صعود" للمصور عمر التميمي

حراس النور

أواخر سنة 1990، ما يقارب الساعة الخامسة مساء، بداية نهاية الحرب اللبنانية ركبنا سيارة الوالد أنا وإخواني ووالدتي‭.‬ قبل أن يطلق مُحرك السيارة تكلم الوالد بهدوء غريب كمن يفشي سراً عظيما “سآخذكم إلى الأسواق حيث جرى كل شيء‭.‬ ترونها، فتروا لبنان كله‭.‬ سآخذكما إليها قبل أن تبدأ إعادة إعمارها”‭.‬

المقصود بالأسواق تلك المنطقة من بيروت التي دمّرت تدميرا كاملاً‭.‬

العشب الضار، الأشجار التي نمت، لون الحرائق التي بهتت مع هطول الأمطار خلال السنين، كل ذلك حضر بصريا بعد طول غياب على الشاشات التلفزيونية من خلال الحديث عن قرب بداية الإعمار‭.‬غياب طويل تخلله حينها اشتباكات ومعارك طاحنة خارج وبعد ما جرى على تسميته “بحرب السنتين”‭.‬

كان يُسمع بعد انتهاء الحرب بقليل، أي قبل المشوار التاريخي الذي أخذنا فيه الوالد، كان يُسمع عن كلاب ضخمة شاردة تلتهم المارة، بعد أن أطلق سبيلها من “معسكرات” حزبية كانت تستخدمها في تعذيب الناس‭.‬ قيل إنها الكلاب” الكلبانة” اعتادت أكل الجثث بعد أن سرحها أصحابها فوصلت إلى المدينة عندما زال الطوق الملعون الذي يفصل “القلب” عن باقي جسد المدينة‭.‬

عندما اقتربنا بالسيارة من منطقة الأسواق، التي حظر الدخول إليها إلا من بعض الشوارع التي تمّت إزالة الألغام والقنابل غير المنفجرة منها، طلب منا الوالد أن نغلق النوافذ‭.‬

المغارة اللبنانية

دخلنا إلى مغارة ما قبل التاريخ الحديث للبنان‭.‬ هذا التاريخ المدفون بعيداً في مملكة الشياطين الأكثر تخطيطا لافتعال حروب أخرى‭.‬ “بروجيكتورات” كانت تصوب ضوءها نحو الأبنية المدمرة بشكل دراماتيكي‭.‬ تخيلنا السناريوهات الأكثر فظاعة، وشعرنا بثقل فظيع يتهددنا ويتسرب من خلف النافذة المُغلقة، مضاف إلى هذا الشعور حنين عميق إلى ما لا نعرف منه إلا شذرات من مدينة قيل أنها كانت الأجمل والأكثر حيوية‭.‬

على غفلة من الوالد، وبدافع حشرية حادة أقوى من الخوف أنزلنا بضعة سنتيمترات من زجاج النافذة‭.‬ كنا نريد أن نشتم الرائحة المنبعثة من هذا الخليط الغرائبي ما بين الحياة المتمثلة بالنباتات، وجزيئيات الدمار المنتشرة في الجوّ‭.‬ كنا نريد أن ندخل في رئة الذاكرة المثقلة‭.‬ كان الظلام قد هبط‭.‬ تحت جنح الظلام ظهر الدمار أعنف إذ أضفت عليه أضواء البروجيكتورات نفحات مُمسرحة عن أشباح تأن دون كلل‭.‬

عندما خرجنا من الشوارع تلك بدا العالم شبه العادي الذي اعتدناه أقل واقعية بكثير مما رأيناه هناك في قلب الأسواق المدمرة عن شعب رفض ولا يزال النظر في عيون المسوخ التي اختلقها من ضلعه، غذّاها وسرّحها عابثة إلى يومنا هذا‭.‬

تلك الصور

حتى الآن تبدو صور “الأسواق القديمة” التي أرانا إياها الولد منذ أكثر من 25 سنة هي الأمضى والأصدق من الأسواق البرجوازية-البلاستيكية-السياحية التي هي عليها اليوم‭.‬ إعمارها كان كمن ينصب شاهد قبر حجري على حيّ مجروح ليس هو بميت‭.‬

لهذا الحيّ النابض بأروع القصص وأغناها حراس، هم حّراس النور، حراس الصور‭.‬ الصور التي يرشح منها تاريخ لبنان ومدنه وناسه قبل الحرب اللبنانية وخلالها‭.‬

ثمة مصورون أبصروا تماما الجسر الخفيّ الذي يربط ما بين بيروت ما بعد الحرب وبيروت ما قبل الحرب‭.‬ جسر عصيّ على الكثير من اللبنانيين وخاصة على من قاموا بتشييد أبنية حديثة لا تمتّ لهوية بيروت بأيّ صلة‭.‬ تدمير المدن لا يكون فقط عبر الحرب بل عبر من أرادوا خيرا لها فأخرجوها عنوة من الصورة التي دأبت على تشكيلها عن ذاتها مع تراكم السنين‭.‬

ثمة مصورون عبروا هذا الجسر‭.‬ كانوا بكل خطوة يقومون بها يشعرون بانهيار قطعة من الجسر من ورائهم‭.‬ لكن ذلك لم يمنعهم من الاستمرار في التقاط الصور، وجمع بعضها كوثائق حية لمدينة كانت ولم تعد‭.‬ مصورون يقيّمون الصور ليس حسب ملءمتها للألبومات السياحية بل وفق قدرتها على إعادة إنتاج التاريخ وعليه، كتابة الحاضر‭.‬

"أطفال الحرب" للمصور رمزي حديدر

مصورة وأنثروبولوجية

يأتي على البال عمل المصورة والباحثة الأنثروبولوجية هدى قساطلي الذي دفعها الشغف بالمنازل والأحياء الشعبية في العاصمة وفي الأحياء المحيطة بوسط بيروت إلى التقاط صور وفيّة لمصداقية المعنى القابع خلف الصور‭.‬ كما دفعها عقلها التوثيقي إلى التعاون مع باحثين آخرين مهتمين بشؤون الذاكرة الفعّالة ليس بمنطق الحنين إلى الغابر بل بمنطق الشهادة على التدمير الثاني التي تعرضت له مدينة بيروت بعد الحرب عبر تغير معالم وجهها‭.‬ جمعت قساطلي الصور في كتب مرفقة بنصوص توضيحية وتأريخية دقيقة‭.‬

للمصورة عمل آخر‭.‬ عمل وسيط قدمت من خلاله للناس مصورا فوتوغرافيا أرمنيا غمره الزمن وعُرف بـ”سارو”‭.‬ اللقب هذا، اختاره المصور تيمنا بأوبرا “أنوش” التي كتبها هوفانس تومانيان‭.‬ أوبرا سردت قصة حب ما بين رجل شجاع اسمه “سارو” و” أنوش” الفتاة الجميلة‭.‬

عثرت هدى قساطلي على إرث هذا المصور، واسمه الحقيقي هوفسيب مادينيان، عن طريق الصدفة‭.‬ بدأت تتقصى عنه وتجمع صوره المأخوذة ما بين سنة 1940 و 1980‭.‬ ثم أصدرت حديثاً، بالتعاون مع مؤسسة “العين” لتوثيق صور الشرق الأوسط، كتابا جمع عددا كبيرا من الصور الشخصية للناس التي صورها “سارو” والتي تتميز بفنية عالية وتعبر عن طبيعة الحياة والناس في بيروت آنذاك‭.‬

أقامت صالة أليس مغبغب، في بيروت حدثا ضم تقديم كتاب حمل عنوان “سارو، هوفسيب مادينيان” وعلى هامشه معرض لعدد من الصور التي التقطها “سارو”‭.‬ يلفت في هذه الصور الوضعيات “المُمسرحة” التي اتخذها الناس كي يتصوروا‭.‬ كانوا في العديد من هذه الصور يقلدون نجوم السينما المصرية في وضعياتهم وابتساماتهم‭.‬ في المعرض أيضا صورة تبرز شابا يقف مع بندقية ومردّ ذلك يعود إلى أن العديد من الفلسطينيين كانوا يجيئون لعند “سارو” لكي يلتقط لهم صورة “تذكارية” مع سلاحهم‭.‬

وراء الذاكرة

الصور التي أنقذتها ووثقتها هدى قساطلي تأخذنا إلى ما عثر عليه المصور والمخرج والباحث أكرم الزعتري، المنقب الدائم عن الذاكرة، الذي أخذ على عاتقه تخليص ذاكرة مدينة صيدا، وهو ابنها، من الضياع‭.‬ أهم مشروع قام به في هذا المضمار هو تسليطه الضوء على مُصور مدينته “صيدا”، هشام المدني، أرشيف المدينة الحيّ، وصاحب “أستوديو شهرزاد”‭.‬

عثر أكرم زعتري على هذا الكنز البشري عن طريق الصدفة عندما كان “ينقّب” عن صور عتيقة لسيارات قديمة‭.‬ هناك وقع على ضالته وعلى آلاف من الصور توثق الحياة الاجتماعية لمدينة صيدا من الخمسينات حتى أواخر الثمانينات من خلال وجوه سكانها وزائريها‭.‬

من أكثر الصور إثارة للاهتمام هي تلك التي ظهر فيها مسلحون وقفوا في أستوديو المصور هشام المدني كي يلتقط لهم صور تذكارية‭.‬ قال أكرم زعتري حول ذلك “إن الناس بدأت تتصور مع السلاح في عام 1958، وبين عامي 65 و70 صار الرجال يتصورون داخل الأستوديو مع الرشاشات بعد أن صار السلاح علنياً، منظّماً برخص من الأحزاب”‭.‬

قام أكرم بعمل بطوليّ، إذ جمع، وصنّف آلافا من الصور مضيفا إليها التفاصيل المتعلقة بها كاسم البادين في الصور والسّنة التي تمّ تصويرهم فيها إضافة إلى بعض “الخبريات” الحميمية عنهم استقاها من أحاديثه الطويلة مع هشام المدني‭.‬ يعتبر الزعتري أن مجرد “نقل هذه الصور وعرضها في زمن ومكان آخرين يكسبها منطقا آخر يتجلى خاصة مع أثرها التي تتركه في نفس المشاهد”‭.‬

كما في السلم كذلك في الحرب وما بعدها‭.‬ إذ تُمسك الصور المتعلقة بالحرب بذهن الناظر إليها فتجبره على إعادة النظر بما حدث‭.‬ تذكره بمنتجي الفظاعات التي هتك “العفو العام عن الجرائم الحرب اللبنانية” الحق بمحاسبتهم وتحميل كل صاحب ذنب تبعات ما صنع “قبل” أن يتم أيّ شكل من أشكال العفو، إن كان لا بد منه‭.‬

صور السلم تحيلنا إلى صور الحرب والعكس بالعكس‭.‬ إنها المزيج الذي صنعنا‭.‬ هذه الصور ليست بأيّ صور عابرة‭.‬ إنها الصور المنورة والحارسة للذاكرة، الحاضرة في أيّ لحظة أن تصبّ لومها على من يستحق اللوم وعلى من يستحق الرحمة‭.‬

لا مساومة مع الصورة-النور‭.‬ الصورة الشاهدة على الميت-الحيّ‭.‬

"رامبو اللبناني" للمصور باتريك باز

أهذه أنت؟

من المصورين الذين قبضوا على اللحظة “الشاهدة” نذكر أيضا المصورة رانيا مطر‭.‬ قدمت صورا “متحولة” تناولت بشكل خاص المرأة والطفل العربي في ظل الأزمات المتتالية‭.‬ جاءت صورها فنية بامتياز ومعبرة عن صدق المعنى الذي أرادت إبرازه‭.‬ تذكّر بعض أعمال رانيا مطر بصور سامر المعضاد لناحية حساسية المشهد المُصور وقدرتها على توليد أفكار ومشاعر عديدة لدى المشاهد‭.‬ من الصور نذكر تلك التي عنونتها المصورة “وجوه من الشرق الأوسط”، “فتحة صاروخ في مطبخ-عيتا الشعب”، “المرآة المكسورة”، “صبي في النور- مخيم شاتيلا”‭.‬

إذا كانت صور رانيا مطر شاعرية تهمس كلماتها همسا مبرحاً عبر نظرات الفتيات الصغيرات أو النساء اللواتي يسألن عدسة آلة التصوير “أهذه أنت هنا؟”‭.‬ فالمسلحون الشبان، ضحايا أسيادهم خلال الحرب اللبنانية، كانت لهم كلمات أخرى وجهوها للمصورين الصحافيين عندما كانوا يلتقون بهم على ساحة المعركة‭.‬ كلمات من قبيل “لن أدعك تصور ما يجري إلا إذا صورتني وأحضرت لي الصورة”‭.‬ كانت هذه الصور حسب كلام المصور الصحفي جمال السعيدي “ما كنا نعتبره رشوة للمقاتل، نرضخ لطلبه، فيسهل عملنا في الأيام التالية”‭.‬ أحيانا كثيرة كان مجال الرشوة ضيقاً لا بل معدوماً، كما حدث مع أحد المصورين الذي قبض علبه أحد المسلحين فسرق آلة التصوير منه بعد أن أتلف الأفلام‭.‬ لو لا تدخل أشرف ريفي الذي كان ضابطا في الأمن آنذاك لمّا أنقذ المصور وأعيدت له كاميرته‭.‬

الصور تلك التي أخذها المصورون للمسلحين المتباهين بأسلحتهم فتحت مجال الصورة إلى ما يمكن تسميته بالصورة السوريالية المضهّرة لعبثية الحرب وتناقضاتها‭.‬

الصورة السوريالية

قد يكون من أسياد هذه الصورة، التي لا تمتثل خارجياً لقانون المنطق ولكنها تخضع للفكرة المراد تقديمها، المصور باتريك الباز وخاصة في سلسلة من الصور الفوتوغرافية أطلق عليها “أبسورديستان” من كلمة “أبسورد”، أي بلاد العبثية‭.‬ أما البلد المشار إليه فهو لبنان‭.‬

يقدم المصور سلسلة من الصور ناطقة بحد ذاتها عن عبثية الحروب‭.‬ يقول المصور “بدايتي مع الصورة الصحفية كانت عند الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 عندما صورت تحطم طائرة ميدل إيست في حرم المطار جراء القصف الإسرائيلي‭.‬ ثم تتابعت بعد ذلك الصور”‭.‬

تعمقت تجربة باتريك ليس فقط في تقنية الصورة بل في سلطتها السردية والنقدية‭.‬ وأيضا في تظهيرها لعقلية مسلّحي الحرب‭.‬ من أهم وأشهر تلك الصور على الإطلاق صورة “رامبو اللبناني” وهي صورة التقطها باتريك باز لأحد الميليشياويين الشبيه كل الشبه بالبطل الهوليوودي رامبو وذلك سنة 1987 أي بعد مرور سنتين على إطلاق فيلم رامبو 2‭.‬ يقول باتريك باز “لم أحاول حتى أن أطلب منه أن يقف في الوضعية التي ظهر فيها بهذه الصورة‭.‬ فعل ذلك بكل طبيعية” منتحلا بذلك شخصية البطل الخارق‭.‬ هم كانوا فعلا يعتقدون بأنهم أبطال‭.‬ أبطال‭.‬ نعم‭.‬ ولكن أبطال حرب وسخة كانوا هم أول ضحاياها‭.‬

من الصور أيضا صورة لجوقة موسيقية كلاسيكية تقدم عرضا أمام ساتر رملي حول أحد الخنادق المنتشرة أيام الحرب‭.‬ يعّلق باتريك بازعلى هذه الصورة أنها “صورة في أوج العبثية‭.‬ جاءت فرقة موسيقية فرنسية إلى لبنان لكي تقدم عرضاً فقرر المنتج أن يصنع فيديو كليب للفرقة وهي تعزف على خطوط التماس بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية”‭.‬ صورة يختلط فيها السوريالي مع العبثي اختلاط خيال الموسيقى مع أزيز الرصاص‭.‬

الصورة المفهوم

هناك أيضاً صور فوتوغرافية مُعدلة ومشغولة بأحدث التقنيات الرقمية‭.‬ صور انطلقت من واقع صداميّ في المنطقة العربية‭.‬ صور نود اعتبارها من الصنف “المتحول” الذي تكلم عنه جاك رانسير‭.‬ إنها الصور المشبعة بمصداقية المعنى، المفتوحة على التجاوزات والمتعدية على الخطوط الحمر التي يفرضها مجتمع دون آخر على الأفراد‭.‬ نذكر من تلك الصور، الصور الفوتوغرافية-المفهومية تلك التي صنعها المصور اليمني الشاب “عمر التميمي” والتي تعبر في معظمها عن شعوره بالوحدة في مجتمع يمني منغلق‭.‬ من أبرز تلك الصور، صورة يبدو فيها “عمر” في حالة ارتفاع عن الأرض، أطلق عليها اسم “صعود” يظهر فيها وحوله أوراق أشجار تحاول نقله، وحسبما يقول، “إلى مكان آخر”‭.‬

هناك صورة أخرى عنوانها “لا مكان للهروب” ويصور فيها نفسه مقيدا ومكموم الفاه في غرفة غرائبية ومخيفة تشبه غرف التعذيب‭.‬

هناك صور معبرة أيضا لوليد رعد، المصور والباحث اللبناني، منها صورة تظهر فيها بيروت كجبل من باطون مهشم “تصيبه” إما قطرات أسيدية ودعامات مستديرة وملونة تمنع المشهد من الانهيار التام، أو قنابل ضوئية شبيهة بالتي كانت تلقيها إسرائيل كي تكشف بيروت أمامها كشفا كليا عند حلول الليل‭.‬

يبقى كلام المصور أكرم الزعتري من الأكثر دلالة على فداحة الصور التي تتركها الحرب في نفس من نشأ خلالها إذ يقول “لا أعرف ما هي الحياة قبل الحرب‭.‬ لا أذكرها‭.‬ حالة الحرب تشبه أن تكون مولوداً في البحر‭.‬ يستحيل أن تعي أن هناك نوعا آخر من الحياة خارج هذا البحر”‭.‬

"فتاة الباربي" للمصورة رانيا مطر

المتحف السوري

يضطرب هذا البحر بأمواج من الصور‭.‬ صور تخصّب مخيلة الفنان التشكيلي، أو تخترق عضوياً نصه‭.‬ تتحد معه، تسائله‭.‬ تكون صدى له، أو تنبثق كظل ثائر يكذّب ما يضعه الفنان على مساحة لوحته‭.‬

تمام عزام هو من الفنانين الذين استخدموا الصورة الصحفية التي توثق ما يجري على الأرض السورية‭.‬ في معرض أقامه سنة 2014 في بيروت قدم أمام المشاهد سلسلة من اللوحات جمعها تحت عنوان “المتحف السوري”‭.‬ نذكر من تلك الأعمال اللوحة التي أطلق عليها اسم “غرافيتي الحرية” وضع تمام عزام صورة لوحة “القبلة” للفنان العالمي غوستاف كليمت، بواسطة الكولاج الرقمي، على صورة من سوريا تمثل مبنى متصدّع اخترقته القذائف‭.‬

يقول الفنان عن سبب اعتماده التقنيات الرقمية إنه بعد لجوئه إلى دبي مع عائلته هرباً من الحرب لم يعد لديه مرسم، ولا أيّ مواد عمل، لم يعد يوجد لديه أيّ شيء‭.‬ ولكنه أراد الاستمرار في العمل الفني، لذلك استخدم المواد التي كانت متاحة له: جهاز الكمبيوتر والصور الرقمية‭.‬

ثمة فنانون لم يكتفوا فقط بالاستلهام من الصور الفوتوغرافية التي أخذوها بأنفسهم لأطفال سوريين يلهون وكأنهم مختبئون داخل فقاعة سحرية تحميهم لو إلى حين من فظاعات الحرب المحدقة بهم، بل أخرجوا تلك الصور الفوتوغرافية إلى العلن لتجاور اللوحات المستوحاة منها‭.‬ نذكر من هؤلاء حسام بلان، المثير للدهشة‭.‬ وهناك أيضا الفنان عبدالله العمري الذي اتخذ من صور أطفال سوريا مصدر إلهامه‭.‬ وشادي أبو سعدة الذي أدخل في لوحاته جدلية التناقض ما بين الصورة والحقيقة وذلك في تشخيصه للظل ككائن يملك منطقه الخاص و”أجندته” المخفية‭.‬

لا يقتصر هذا المنطق الفني على الفنانين العرب‭.‬ هناك فنانون غربيون من أمثال الفنان “فرناندو بوتيرو”‭.‬ فقد رسم “بوتيرو”أهوال سجن أبو غريب‭.‬ واستقى المشاهد الفظيعة التي كوّنها بأسلوبه الخاص جدا من ذاكرته، أي من الصور الذهنية للصور الفعلية بعد أن شاهد فظاعتها‭.‬

يقول بوتيرو “أصابني سلوك الأميركيين هذا بصدمة مروعة، وهي الصدمة نفسها التي أصابت العالم كله، خاصة وأن الولايات المتحدة تقدم نفسها على أنها البلاد النموذجية في الرحمة والعدالة والتحضر”‭.‬

نذكر أيضا الفنان اللبناني صلاح صولي الذي بنى معظم أعماله على خلفية الذاكرة اللبنانية المتعلقة بالحرب‭.‬ مزج وسائط فنية عدة مع الصور وقصاصات الصحف وأطّرها في أعمال تحاكي الضياع وغياب النص المُنجز الذي يفترض أن يتلو قصة الحرب وأبطالها‭.‬ هذا الإنجاز المبتغى الذي من شأنه، إن تمّ، أن يهدّئ من روع أشباح الحروب الماضية المتربصة بأهل البلد، مانعا إياها من أن تصبح صورا شبحية فاعلة وهدّامة‭.‬

الصورة الشبحية

الصور الشبحية هي المرّوعة التي اجتازت عتبة الصور”المتحولة” لتكون فاعلة على أرض الواقع‭.‬ إنها الصورة الهولوكستية لمجازر وحروب سالفة‭.‬ الصور-الحيّة التي إما تبرر لمن ظهروا فيها معذبين، بقتل الآخرين وتشريدهم أو تبرر عداء فئة من الشعوب لدول حديثة نشأت على أطلال سلطنات كانت وفي السابق مُعادية لهم‭.‬ صور تبرر أيضا بأسلوب، لا يخلو من المرضية، قتل الذات وإغراقها في حداد أبدي (حقيقي أم مُختلق) تفرضه بالقوة على الآخرين‭.‬ يكثر عرض هذا النمط من الصور الشبحية في المؤسسات والمواقع الإلكترونية التي تعتبر نفسها ابنة الصورة الشبحية، وكفى‭.‬

مساءلة الصورة

إلى أيّ مدى يمكن تعميم الصور الفوتوغرافية الصادمة التي تتناقلها على سبيل المثال الوسائل الإعلامية عن الحاضر السوري القاتم؟ يعتبر البعض أن هذه الصور هي مذلّة بحق الشعب السوري ومعّمقة للجرح في الوجدان العربي‭.‬أما البعض فيعتبر أن تفادي عرض الصور” القصوى” سيحرم أهل هذه الصور من إذكاء ذاكرة جماعية كفيلة إلى حد بعيد بأن تمنع تكرّر ما حدث‭.‬

ربما التجربة اللبنانية في هذا المجال قادرة بأن تقدم محاولة إيجابية على هذه التساؤل المشروع‭.‬ لا تريد أكثرية الشعب اللبناني أن يفقه مضمون ودلالات صور الحرب اللبنانية الأكثر شناعة، خاصة مع وجود حكام حاليين هم إما من كانوا أمراء الحرب أو هم أولادهم أو أحفادهم‭.‬ قد تكون صور الحرب اللبنانية قد لجمت صراعات مُسلحة من أن تحدث من جديد ولكنها لم تمنع من بقاء ظل الحرب تهديداً قائما ًفي كل لحظة‭.‬

فندق من لبنان من خلال جدار مدمر (صورة عامة)

الصورة المخدرة

ربما تكون الصور الفظيعة التي تُنشر اليوم عن هول المآسي قد ساهمت في تخدير الرأي العام العالمي أو جعلته يرى منطقة الشرق الأوسط، منطقة مُحبّة للدم المراق‭.‬ من ضمن هذا السياق يقول المصور رمزي حيدر “وحده دم العالم الثالث دم رخيص”‭.‬

إذا سُئل اللبنانيون حول جدوى نشر الصور الفظيعة فإن معظمهم ربما سيكتفي بهذه الإجابة أو ما يشبهها “لم نر صورة لقطرة دم أميركية واحدة لضحايا جريمة 11 أيلول ‘المشبوهة’ ولكن رأينا حروبا تشن باسمها”‭.‬

ما هو الهدف من عرض المشاهد الفظيعة؟ الاتعاض؟ وقف المجازر؟ استدرار التعاطف؟

أيّ تعاطف لقي الشعب السوري منذ ما يقارب الخمس سنوات؟ هل توقفت المجازر بحقه؟ بل ازدادت‭.‬ إن ما يلجم الوحوش التي انقضت على أجساد الأطفال الطريّة، ليس فظاعة الصور التي اقترفتها أيديهم بقدر ما هو صبر الشعب وبسالة شبان الثورة السورية‭.‬

لو كانت فظائع صور فيتنام، التي هزّت الوجدان العالمي والتي استغلها الأميركيون شر استغلال لصناعة أفلام هوليوودية وميلودرامية حيث ينقذ “البطل الأميركي” الفتاة الفيتنامية (كنوع من تخفيف لعقدة الذنب)، قد استطاعت منع تكرار الجرائم الأميركية في العالم بحق المجتمعات الأدنى منها تطوراً لقلنا: ها هو سبب آخر لعرض الفظاعات حتى نتفادى صناعتها من جديد‭.‬

لعنة النجاة

سنة 1960 خرجت دراسة أميركية تتكلم عن “عقدة الناجي من الموت”‭.‬ لعل الناجين من المجازر والحروب هم المعنيون بهذه العقدة‭.‬ هم الناجون المتحدون والمتواطئون مع “صورهم” التي لا سبيل إلى الإفلات منها‭.‬ فالصورة هي الإثبات القاطع على النجاة‭.‬ يقول غاستون باشلار “تلك الصور-المنازل، الناجية من العنف، تضرم الحرائق في أصحابها كلما نظروا إليها‭.‬ تعود إلى الدرج دون أن تلملم رماد الحريق الذي نثرته من حولها”‭.‬

في محاولة لتكريس فعل سلخ الألم عن الذاكرة تقول الفنانة الشابة ميريام دلال، التي عرضت مؤخرا عملاً تجهيزياً تحت عنوان “الرحيل قريبا” وهو عبارة عن رواق معتم مكسوة جدرانه بالمرايا وفيه صور شبان استشهدوا في الانفجار الذي طال اللواء الشهيد وسام الحسن، تقول “كل واحد منّا مُستهدف‭.‬ الموت يُمكن أن يترك خلفه أشخاصاً يعيشون عذابات لا تنتهي‭.‬

هل صحيح أن النسيان يأتي مع الوقت؟ لا ينتهي‭.‬ لماذا نكأ الجراح؟ إذن لنسلب من الجرح قدرته على الإيلام طالما أننا لن ننسى‭.‬ لتبقى الذاكرة يقظة، ولكن ليهدأ الجرح!” صنعت ميريام دلال من خلال هذا التجهيز الفنّي عالماً “نترك فيه أنانيتنا، لأننا لا نُريد أن يتعذب الذين يبقون بعد رحيلنا‭.‬ ولهذا السبب حشوت آذان الشبان في الصور الفوتوغرافية وأنوفهم بقطع من القطن‭.‬ وجعلت عيونهم مُغلقة‭.‬ فمع فقدان القدرة على الرؤية والشم والسمع، أحمي الشخصيات من المحفزات الخارجية المتصلة بالذاكرة‭.‬ فلنرحل، إذن، بعد تقديم أجمل هديّة إلى الذين يُعذبهم رحيلنا، وهي نعمة الخدر المقرون بالذاكرة الحيّة‭.‬ لنتحرر من الحداد الأبدي”‭.‬

وتبقى الصور

كانت تجربة التصوير الصحفي الأولى للمصور اللبناني “مروان طحطح” خلال حرب تموز 2006‭.‬ وجد منزل خاله يرزح تحت الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت‭.‬ يقول عن هذه اللحظة “وقفت للحظات‭.‬ ثم تناولت آلة التصوير للمرة الأولى وصورت‭..‬ كانت الصورة أمامي رمادية وقاتمة، تماماً كصورة فوتوغرافية لا تزال في ذاكرتي صوّرها خالي وهي بالأبيض والأسود‭.‬ انتهت الحرب ولم يبقَ سوى الركام الذي لفظ كاميرا خالي إلى سطح منزله المدمر‭.‬ الكاميرا التي صوّرت الحروب السابقة ماتت مرتين‭.‬ الأولى، عندما وضعها خالي على الرف بعد نهاية الحرب الأهلية والثانية عندما طاردتها طائرة لتخرجها من مخبئها في غرفة الجلوس‭..‬ لم يبقَ سوى الصورة”.


كاتبة من لبنان