في‭ ‬العمارة‭ ‬والشأن‭ ‬العام

العمارة جزء من المكان، تعكس هوية الشعب، أي حياته وثقافته وتاريخه. تُشاد بالمواد الترابية المتواجدة في المكان ذاته. هكذا كانت العمارة على مرّ الزمن، فكانت متنوعة متعددة وفق الجغرافيا المتميزة بين دولة وأخرى، بل بين مدينة وأخرى في الدولة الواحدة. أنهى ذلك الصلات المتزايدة بين دول العالم، فحوصرت القديمة، وبدأت عمارةً جديدة عولمية بامتياز، عمارة أوروبية، وعُممت قسراً بسبب عوامل الهيمنة العالمية.

الجديد  عمار ديوب [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(124)]

لوحة: حسين جمعان
مع العمارة العولمية انتقلنا من البناء الأفقي وقليل الطوابق وطوب الطين والحجارة المحلية وساحة المنزل الداخلية المنصصة ببركة ماء ونافورة تلطف حر الصيف، إلى العمودي والكثير الطوابق ورغم كثرة مدارس العمارة فقد انتهت إلى استخدام البلور كغلاف خارجي بشكل عجيب وغريب مخفياً عيوب مادة الإسمنت. الأفقي مناسب للبيئة الزراعية والصحراوية مثلاً، فما ضرورة الأبراج في العمارة الخليجية مثلاً، أي في المناطق الصحراوية. وبذلك انتقلنا من المواد الأولية المحلية إلى الباطون والرخام والكسوة الزجاجية.

العمارة “الغانية” كما يسميها الباحث المعماري رهيف فياض، هي عمارة الشركات العالمية التي تسيطر على أعمال البناء في كل العالم‭.‬ التجار المحليون واسطتها إلى ذلك‭.‬ تلك الفئة التي لا تهتم بالهوية المحلية ولا بالتراث المميز للشعب ولا تثمّن العمارة الأصلية، وهي بلا مشروع وطني لأيّ مستوى من مستويات المجتمع‭.‬ اهتمامها الحقيقي بجمع المال فقط، وبالتالي تحولت العمارة إلى أعمال تجارية تنتج لها الملايين والمليارات بعيداً عن وظيفتها الأساسية، أي للسكن الموائم للبيئة المحلية ولحاجات الناس‭.‬

في دمشق، تشهد المدينة القديمة تحوّلاً كارثياً، فأصبحت بيوتها الواسعة مطاعم ومقاهي وتصدح فيها موسيقى غربية متنافرة مع المكان، وقلة منها لا زالت تبث صوت فيروز أو الطرب المصري القديم وسواه‭.‬ أغلبية أهل دمشق غادروها إلى الغوطة الشرقية بصفة خاصة، قبل دمارها الحالي، وهناك أبنية كثيرة مهدمة ولم ترمم، ولا تزال السيارات تمر بها ملوثةً إياها ومخلخلة الأساسات القديمة‭.‬ وكثير من العمارة القديمة، هدّمت بالكامل كما الحال في السويداء وسواها عدا عن النهب المنظم والتدميري لها قبل عام 2011، وبعد هذا التاريخ دمّر النظام التراث المعماري وحرقت الأسواق التاريخية ولا سيما في حلب وحمص، وأغلبيتها تلاشت كلية‭.‬ ويكمل داعش كل ذلك بتدمير كل أشكال العمارة القديمة، فهو دمّر مدناً بأكملها في العراق، والآن مدينة تدمر ذاتها قد تتم تسويتها بالأرض‭.‬

الباحث المعماري اللبناني رهيف فياض أصدر مؤخراً كتابا بعنوان مقالي هذا، ويطرح رؤيته للعمارة في لبنان، وتحديداً مدينة بيروت، وما جرى فيها عبر شركة “السوليدير” لإعادة الإعمار وكانت نتيجة ذلك تدمير قلب المدينة، “البلد”، وتهجير سكانها وتحويلها إلى مكاتب وفنادق للأعمال التجارية ومعدومة الحياة‭.‬ العمارة لديه تعبر عن المكان والتاريخ والذاكرة وهوية الشعب، وتتنوع وفقاً للبيئة الاجتماعية والسياسية والجغرافية‭.‬

العمارة لا تعني الحفاظ على القديم إن لم يتوافق مع العصر بل تتطور مع حاجات الناس في التغيير والتعديل‭.‬ المشكلة حسب رأيه مع العمارة الكونية، أنها تلغى التمايز والفروق بين حضارات العالم وتسعى إلى عمارة كوسموبوليتية، وهذه رؤية كاملة لكل شيء، في القيم والملابس والطعام والثقافة وسواها‭.‬ فياض يرفض كل ذلك ويطرح مفهوم المقاومة المعمارية والذي يحتمل بعداً أيديولوجياً، ولكن الهام فيه الحفاظ على العلاقة مع الماضي والانفتاح على الحداثة‭.‬ الكونية تُدمّر ثقافات الشعوب من أجل المال، وتغيب عنها قيم جمالية متوارثة ومتناسبة مع المكان‭.‬ هذه العمارة مكلفة كثيراً، وتقطع العلاقة مع الماضي المميز ولكنها أيضاً لا تستطيع إلحاق العالم بأكمله فيها‭.‬ فهي تقتصر على أحياء الأثرياء وأما الفقراء فتظل أحياؤهم هامشية وتوضح فيها عيوب العولمية هذه، فهي بلا كسوة خارجية وشوارعها ضيقة جداً ولا تدخلها الشمس‭.‬ العمارة الحديثة عمارة “غَانِيَةٌ” مفروضة بقوة الشركات العظمى، فهي لماعة متبرجة ومكلفة وبالوقت ذاته مؤقتة وتتطلب الكثير لتحافظ على نضارتها، فهي أحياء محددة أو مبانٍ لا علاقة لها بالجوار، وبالتالي هي دخيلة، وتعكس تصورا خاصا بدول محددة، ولذلك وصفها رهيف بالغانية‭.‬

الكتاب بأكمله يخص بيروت، وكيف تغيرت منذ مجيء الاستعمار الفرنسي إليها، وأنها في سنوات الحرب اللبنانية بالتحديد شهدت توسعاً قضى على البيئة الطبيعية بالمدينة وكان توسعها بشعاً لا جمالية فيه‭.‬ ينهي كتابه هذا بفصل عن مركبة قادمة من المستقبل وتتجول في سماء بيروت، ويتفاجأ الزائر بأنها ليست المدينة التي عرفها أبداً‭.‬ عمارتها برجية وفقراؤها يقطنون بجزر معزولة في البحر، وسكان الأبراج يتنقلون عبر طرقٍ مُعلقة وخاصة بهم في الفضاء، ويتابعون أعمالهم من منازلها عبر الحاسوب وهكذا‭.‬

الكتاب هذا يدفعنا لنتساءل كيف سيعاد بناء سوريا حالما ينهي النظام حربه على المدن الثائرة؟ أيّ رؤية معمارية ستعتمد لبناء البلدات والمدن والأحياء، وهل ستُراعى ذاكرة السوريين مجدداً تجاه منازلهم –حياتهم- التي كانت، وهل سيكونون شركاء في رسم تلك المخططات وفي البناء ذاته؟ أم سيكون الإعمار وفقاً لمصالح شركات تجارية عقارية ريعية، مهتمة فقط بتحصيل أكبر الأرباح، غير مهتمة بعلاقة العمارة بالمكان وحاجات الناس؟

رهيف فياض يرى أن العمارة يجب أن تعكس هوية الناس وتحافظ على ذاكرتهم وبيئتهم وأن تُشاد مجدداً وفقاً لما كانت عليه عمارتهم القديمة، ولا يجوز بحال تجاهل تاريخهم أو أن تستهلك مدخراتهم، فمدن الداخل يفترض أن تكون لها عمارة مميزة بها، ومدن الجبال لها عمارة أخرى وهكذا‭.‬

العمارة ليست كـ”الغانية” كما يشبه الباحث الكوسموبوليتية منها، بل يفترض أن تكون أصلية ومنسجمة مع حياة الناس، ومن مواد الأرض التي يقطنون عليها، فلا حاجة لعمارة من زجاج أو برجية وإلا ستبدو متنافرة مع بقية أحياء المدن ومع التاريخ والذاكرة والهوية والحياة بكل تجلياتها‭.‬ فياض لا يرفض الحداثة المعمارية ولكن يفترض أن نأخذ منها ما ينسجم مع العمارة القديمة وحاجات الناس، وهذا ما يجب أن يكون الأساس اللاحق لإعادة إعمار سوريا.


كاتب من سوريا