ثمرة‭ ‬المانغو

الجديد  حسين عبدالرحيم [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(126)]

لوحة: حسين جمعان
يا بعيد الدار عن عيني ومن قلبي قريب، كم أناديك. أناجيك. إنها تغني وأنا أسمع فأبكي وأغني. وكل يغني على ليلاه. وأنا على عمري أغني.

أندلسي عبق‭.‬ يأتيني من زمن بعيد‭.‬ يشجيني‭.‬ صوت ملائكي يتخلل حواسي، فتطفو ذكرياتي، وتتوه المخيلة‭.‬ تجتر صوراً شتى من ماض بعيد، عوض والحسين وقدري‭.‬

حقول الفواكه ورائحة المانغو وبريق العنب البناتي المبدور فوق طريق اسفلتي‭.‬ ليل مظلم في بلاد بعيدة‭.‬ أمي وأبي؛ عبدالرحيم الكبير، القابع في الزمن البعيد، يشم رائحة الشواء ويأكل اللحم الطازج، وأنا أتثاءب فوق فراش مهلهل، وأخي ممدد بجانبي، نتناوب السهر على حراسة الفواكه، محاطين بأقفاص من الجريد‭.‬ ثمار البرتقال منثورة حولنا‭.‬ طفولة وصبا ورجولة وشيخوخة‭.‬ وتلك الأيام نداولها بين الناس‭.‬ يناير 1973، طير جريح يحلق في سماء رمادية قاتمة يبحث عن واد غير ذي زرع؟

طفل في السابعة يسمع أذان الفجر فيستيقظ باكياً‭.‬ ينهض مرتدياً حلته الكاكي متناولاً حقيبته الكتان المتسخة، يقف شارداً فوق كوبري حديدي يفصل بين بلدتين نائيتين‭.‬ ها هو القطار الطويل المتجهم يمرق مسرعاً فوق بحر عميق يحمل جنوداً يقفون في الشرفات يلوّحون بأيديهم للفضاء‭.‬

وها أنا ذا أفيق من سباتي لأغلق المذياع وأوصد الباب خلفي، أهبط درجات السلم، قاصداً البحث عن دار البعيد‭.‬

أطوف الشوارع ليلاً، أجوب البلاد، أحصي الأشجار المتراصة في الشارع الطويل لأعود لمنزلي الكائن في اللا مكان‭.‬ في الصباح أترك الفراش على رنين الهاتف‭.‬ حرارة الجو خانقة‭.‬

في الظهيرة استدعاني المدير، وبناء على أمر هام قررت البحث عن عوض‭.‬

قال وهو يتوسط كرسيه الضخم المهيب “دعك من عوض الوكيل، وابحث لي عن بديل للقيام بهذه المأمورية”‭.‬

قلت: نفد مخزون الفواكه لزوم الوجبات الثلاث، والجميع في ارتباك شديد، والوادي بعيد، ولا يصلح غير عوض!

قال: بلغ السيد شريف أن يتولى مأمورية بنك الدم، على أن تتفرغ أنت لإحضار الفواكه من الوادي‭.‬

تركت مديري وعيدان الثقاب وأخذت سجائري وهبطت درجات السلم، وفي طريقي للباب المؤدي للشارع تذكرت عوض ومجلسه الوحيد بالركن القصي أعلى البرج الأسمنتي، الذي يتوسط العيادات الخارجية بالمستشفى‭.‬ رفعت سماعة الهاتف ورجوت مسؤولة السويتش أن تنادي على عوض عبر “الكول” الذي يربط الإدارة بالقسم الداخلي والعيادات‭.‬ كان النداء يخترق الأذن، والمرضى ممددين على الأسرة البيضاء المتهالكة‭.‬ صمت رهيب يخيم على العنابر وعربة المأمورية تتأهب للرحيل‭.‬ تركت الهاتف وعاملة السويتش لأطوف داخل المستشفى العتيق‭.‬ نداءات متكررة تأمرني بالحضور إلى مكتب المدير للأهمية، وأنا لا أكترث‭.‬ عدت لصمتي‭.‬ (ينشر الماضي ظلاله‭..‬ كُن أنساً وجمالاً‭.‬ يا هدى الحيران‭.‬ أين أنت الآن)‭.‬

كيف العثور عليك يا عوض؟ كانت الموائد شبه خالية إلا من أرغفة خبز جافة منشورة على بعض الموائد‭.‬ على مقربة من قدمي يقف الطبيب الإداري المناوب وسط جمع غفير من الأطباء والإداريين والعمال، وبوجه متجهم يعلن للجميع أن متعهد اللحوم لم يصل بعد‭.‬ وأنه وبناء على المذكرة المقدمة للسيد المدير العام سيصَّعد الأمر ويرفع شكوى للوزير‭.‬

أرى أمامي أعداداً هائلة من الكلاب الضالة‭.‬ قطط سوداء تقف متلصصة على باب المطعم الفسيح تنظر بوحشية للأواني الخاوية‭.‬ أعدت الكرة قاصداً الطرقة العلوية بقسم الجراحة‭.‬ عاملة السويتش تعلن من خلال الكول الداخلي عن حالة الارتباك والفوضى التي تسيطر على الجميع‭.‬ المدير العام يدعو إلى اجتماع مغلق يضم كافة مديري الأقسام‭.‬ ها أنذا أترجل، تسبق يمناي يسراي، متوجهاً لقسم النساء والتوليد، أرقب الممرضات وهن يسرن بالطرقات الخالية غير مباليات‭.‬ ترتدين ملابسهن البيضاء‭.‬ متشابهات الملامح‭.‬ عيون مجهدة ووجوه متنوعة‭.‬ أقدام مفلطحة تخطو في كافة الاتجاهات‭.‬ سيقان معوجة ومنتفخة تحمل مؤخرات تكاد تلامس الأرض، إلا أن النظرات واحدة تكشف عن حزن عميق قابع داخل عيون ترى الأيام كأطياف أشبه بقوس قزح تفترش أسرة المرضى وحجرات النوبتجية التي يتشابه ليلها بنهارها‭.‬ تركتهن والكل يسير في طريق‭.‬ انحنيت يساراً‭.‬ ثمة صراخ يملأ فضاءات الممرات‭.‬ يسبح في غرف المرضى المستسلمين للموت‭.‬ الصراخ يعلو مخترقاً الأسقف والحوائط متسرباً إلي النوافذ الزجاجية المنتشرة على جانبي الطرق‭.‬ استدرت لأنظر من النافذة القريبة من مرمى بصري‭.‬ كانت السماء شاحبة بسحب قاتمة تغوص في فضاء غير واضح المدى‭.‬ نظرت في ساعتي‭.‬ العقارب تقترب من الرابعة والنصف عصراً‭.‬ صمت وسكون يخيمان على كافة أرجاء المستشفى‭.‬ وأنا أبحث عن مصدر الصراخ‭.‬ أنين وآهات مكتومة قرب أذني‭.‬

الظلام ينتشر داخل الشرفات وخارجها، سحابات برتقالية اللون تتسلل خلسة لداخل حجرات المرضى، فتكشف عورات النساء القابعات فوق أسرة تكسوها ملاءات تنضح منها الدماء بغزارة‭.‬ عدت أسير في ظلام رهيب، أنصت لزجاج النوافذ وهو يصطدم بالجدران، فيسقط مهشماً كحبات اللؤلؤ مفترشاً الطرقات‭.‬ أترجل في طرقات متشابهات لا تفضي إلى شيء، أستند على الحائط القريب‭.‬ عرق غزير يبلل سروالي، فأرفع يدي مقترباً من وجهي ماسحاً العرق عن جبيني‭.‬ ألتفت يميناً ويساراً‭.‬ أضغط بؤبؤ عيني‭.‬ أستند على الدرابزين المقابل لمبنى المشرحة القابع هناك قرب البرج الأسمنتي الضخم، أخطو متعثراً، فتزداد ضربات قلبي‭.‬ أرتجف‭.‬ سخونة غريبة تغوص في أحشائي، فتفقدني القدرة على الترجل‭.‬ كان الأنين يقترب‭.‬ الآهات تتحول إلى بكاء ملائكي، فاستسلمت مستكيناً لمصدر الصوت‭.‬ دنوت، فركعت راشقاً نظراتي تحت قدمي، مستنداً على ذراعي اليمنى، متعلقاً بالنافذة القريبة‭.‬ كانت مسجاة على ظهرها ترتدي جلباباً أسود تفترش أرض الطرقة القريبة من قسم التوليد، تستغيث ويداها البضتان تقتربان من صدري‭.‬ تتشبث بي، فأمد ذراعي‭.‬ أبحث عن مصدر للضوء‭.‬ أركع على ركبتي ممسكاً بيديها، أسألها عن مرافقيها في رحلتها‭.‬ لا تجيب‭.‬ تبكي‭.‬ تكشف عن ساقيها بخجل، فأصرخ أنا من هول ما رأيت‭.‬ عيون براقة لوجه ملائكي محاط بكتلة لحم بيضاء متكورة، جنين صغير متدل بين رحم وساقين لم يلوثا‭.‬ كشفت عن ساقيها، فابتسمت وانبعثت الدماء دافئة‭.‬ سترتها‭.‬ سحبت الجلباب الأسود على الجسد الطاهر، وتركت الطفل متكوّماً بين ساقيها، انتصبت واقفاً، كانت تتحدث بصوت منخفض، تحاول الاستدلال على قسم النساء، سحبتها من يدها، فنهضت تحمل الطفل براحتيها مستندة على كتفي‭.‬ سرنا سوياً في الظلام، والصمت يخيم على الطرقات‭.‬ ثمة من يقف بنهاية الممر‭.‬ سيجاره المشتعل يكشف عن ردائه الأبيض‭.‬ أنادية فيأتيني مهرولاً، ضاحكاً مستبشراً وهي تتوسطنا في المسير والجنين بين راحتيها‭.‬ نقترب من باب قسم التوليد، فأسحب يدي في هدوء قاصداً باب العيادات الخارجية المغلقة‭.‬ أمر على المطبخ‭.‬ الجميع في سبات عميق‭.‬ أقترب من الموائد والأواني الخاوية‭.‬ أرى قططاً سماناً تلهث في الطرقات القريبة من خزينة الصرف‭.‬ تتأهب للانقضاض‭.‬ مكتب السيد المدير المغلق‭.‬ تلفازه الموضوع فوق منضدة برونزية تتوسط حجرة السكرتارية، يلقي بيانا عن درجات الحرارة المتوقعة‭.‬ خبر صغير في نهاية النشرة عن حرائق مجهولة لأشجار مثمرة بالمكسيك وآلاف الضحايا من الصبية والفتيات كانوا يستعدون للحصاد‭.‬ ترجلت حتى وصلت إلى منتصف البهو القريب من الباب الرئيسي للمستشفى العتيق‭.‬ جلست على مقعد قريب من باب الدخول‭.‬ أشعلت سيجارتي‭.‬ زفرت الدخان‭.‬ ينتشر أمامي في كرات زرقاء ليحط على الأشجار القريبة من قدمي نافذاً لفضاءات غير مرئية‭.‬ أتأمل الشجرة الضخمة القابعة بجذورها في أرض مبللة تنتشر أوراقها عالية‭.‬ ثمار المانغو خضراء، صفراء متدلية قرب قسم الأطفال المبسترين‭.‬ كانت الشجرة شاهقة، رائحة المانغو نفاذة‭.‬ شعرت بجوع شديد، فتركت مقعدي ودنوت متخطياً مناطق البلل‭.‬ تسلقتها، وفي ثوان صعدت إلى أعلاها‭.‬ مددت يدي اليمنى لأقطف الثمرة‭.‬ الرياح تدفعني للتشبث بالأفرع، محاولاً الاستناد على الجذع القوي المتماسك‭.‬ قفزت إلى أعلى ضارباً الثمار الخضراء برأسي لأقطف الثمرة الصفراء البعيدة عن يميني، فازداد صفير الرياح‭.‬ عزمت، وفي قفزة واحدة التقطت الثمرة، فاختل توازني لأسقط على أرض الحديقة مغشياً عليّ‭.‬ هأنذا مسجّى على ظهري‭.‬ أتألم‭.‬ أتذكر ترحالي نحو الدار البعيدة، والزمن البعيد القابع هناك “طلخا/ دقهلية ـ 1973″، سنوات الهجرة، رحلات وأسفار الطفولة والصبا‭.‬ حقول الفواكه‭.‬ رائحة المانغو‭.‬ عربة كارو يفترش أرضيتها صبية ثلاثة‭.‬ عوض والحسين وقدري‭.‬ عربة خشبية تسير ليلاً في طريق طويل مظلم، تتدلى منها بطارية تضاء بالكيروسين‭.‬ معلقة أسفل الصندوق الخشبي الذي يتوسط عجلتيها‭.‬ نسكب الكيروسين فتنير لنا الطريق‭.‬ تكشف المسار للعربات القادمة من خلفنا‭.‬

تلك الأيام الونس!

الطلات الآمنة من عيون الغرباء الجالسين أمام الأكواخ الطينية في الليالي القمرية‭.‬

إني أراك يا عوض تلهث بجانب الحسين، تنادي على قدري السائر خلفنا يحرسنا، يرقب بريق العنب في ليالي الحصاد‭.‬ أراكم جميعاً‭.‬ جدي العجوز وجلبابه الوحيد‭.‬ تابوته‭.‬ عمامته المعطرة‭.‬ دموعي التي لم تجف‭.‬ أبي وأمي‭.‬ الكوبري الحديدي‭.‬ القطار، الجنود، أذان الفجر في أيام الطفولة، الطفل الوحيد بحقيبته الكتان المتسخة ومريلته الدبلان ونظراته الشاردة، وبكائه المتكرر وتلويحه للجنود والقطار المتجهم‭.‬ القطار‭..‬ القطار‭..‬

إنه يقترب منى وينضح بوقه‭.‬ يحمل الجنود إلي أرض مجهولة، أصرخ‭.‬ أستيقظ من غفوتي وبيدي ثمرة المانغو‭.‬ أستند على جدار هش‭.‬ أتحسس مواضع الألم في ظهري‭.‬ أواصل المسير والمذياع يبث نفس الأغنية‭.‬ يا بعيد الدار عن عيني‭.‬ ومن قلبي قريب، كم أناديك‭.‬ أناجيك‭.‬ تغمرني دموعي ويعلو الغناء من حولي شجياً، مخترقاً آفاقاً غير الآفاق، ويستمر النداء في كافة الطرقات والممرات بالمستشفى العتيق‭.‬ أتتبع صوت المنادي مجهول المصدر والمكان‭.‬ نداءات قديمة وآنية‭.‬

على السيد معاون المستشفى الحضور لقسم النساء لمقابلة طبيب القسم‭.‬

اقتربت من سريرها‭.‬ كانت ممددة على ظهرها بوجهها النقي الصافي، مغطاة بملاءة وردية اللون وبجانبها وليدها‭.‬ دنوتُ‭.‬ قلّبت الطفل، وضعتُ أناملي بين راحتيها‭.‬ قبّلتُ جبينها، فتلقفني مقترباً مني، وضع يده على كتفي‭.‬ هالني رداؤه الأبيض واستدارة وجهه وطول قامته‭.‬ ثمة من يقترب‭.‬ يحتويني‭.‬ يحنو عليّ‭.‬ فأمد يدي، أفتح النافذة المطلة على الحديقة الكبيرة ذات الأنوار الشفافة‭.‬ استدرتُ لأراه أمامي‭.‬

قال: هذه هي سيدة الأمس، وهذا وليدها (عوض عبدالإله عابد الحسيني)‭.‬

شردتُ، فضحكت واغرورقت عيناي بالدموع، حتى دنت من حلقي‭.‬

قالت سيدة الأمس: ما اسمك

قلت: ونيس‭.‬ عوض! حسين قدري

فقامت من فراشها‭.‬ احتضنتني‭.‬ أمسكت يدي‭.‬ قبّلتها‭.‬ أعطيتها ثمرة المانغو وسحبت ذراعي بهدوء‭.‬

خرجت وصوت الغناء يعلو من حولي، وجدتني ألهث في الطرقات ناظراً إلى الشرفات والفضاءات البعيدة، هابطاً درجات سلّم الباب الرئيسي، خارجاً للشارع، ناظراً لصفحة السماء، نافذاً من السحب الرمادية، هاتكاً الأستار‭.‬ باحثاً عن دار البعيد، سائلاً عن ونيس في وادي.


كاتب من مصر