'نهاية‭ ‬مهمة' فيل‭ ‬كلاي‭ ‬يهز‭ ‬أسطورة‭ ‬المارينز‭ ‬

كثيرة هي الشهادات التي نقلها إخوتنا في العراق عن الحرب إبان الاحتلال الأميركي، وروى الناس فظاعاتها، قبل أن يحوّل الأدباء والفنانون بعامة ملامح من تلك التراجيديا إلى أعمال فنية تعالج معاناة الشعب العراقي، وصراعه ضد الغاصب وعملائه، ونزوحه داخل البلاد وخارجها هربا من الجحيم‭.‬ ولكن نادرا ما قرأنا وجهة نظر مغايرة، لنعرف موقف العدو من تلك الحرب وأثرها في نفوس جنوده‭.‬ هنا قراءة لكتاب “نهاية مهمة” وهو من تأليف أحد جنود المارينز يدعى فيل كلاي‭.‬

الجديد  سلمى‭ ‬الشهيل [نُشر في 01/08/2015، العدد: 7، ص(144)]

ليس من السهل أن يسترجع جندي ما عاشه في جبهة القتال، ليدوّنه في عمل أدبي، وحتى وثائقي، فالحرب كريهة كما يسميها العرب، لا يعود منها المقاتل سليما ولو كتبت له النجاة وحاز جيشه النصر، لأنه قد يخرج منها معافى جسديا، ولكن آثارها في نفسه لا تزول بسهولة، وقد تنعكس تلك الآثار في سلوكه وعلاقته بالآخرين، حتى أقرب الناس إليه‭.‬ “فالإنسان الذي شهد الحرب ورذائلها -كما يقول الشاعر الإنكليزي سيغفريد ساسّون، وهو من دعاة السلام- انفصل نهائيا عن سائر البشر، باستثناء رفاق السلاح”‭.‬ ولكن يحدث أن يغالب العائد من الجبهة كوابيسه وفواجعه، ويستعين بالكتابة كعلاج للصدمة التي أحدثتها في نفسه صور القتل والدمار‭.‬ وإذا كان توبياس وولف قد انتظر ثلاثين سنة على رجوعه من فيتنام ليكتب رواية “في جيش فرعون” (1994) وهي خلاصة ذكرياته عن حربه الخاسرة وتجربته المروّعة فيها، فإن فيل كلاي، الذي تطوع للحرب في العراق ضمن صفوف المارينز ولم يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، لم ينتظر أكثر من أربع سنوات ليدون تجربته عن السنة التي قضاها (2007-2008) بمحافظة الأنبار، في مجموعة قصصية بعنوان “نهاية مهمة”‭.‬ وبالرغم من كونها باكورة أعماله، فقد نالت إعجاب النقاد والقرّاء على حدّ سواء وترجمت إلى لغات عديدة، وحاز عنها صاحبها الجائزة الوطنية للكتاب⊇(National Book Award) السنة الماضية‭.‬

في الجبهة، كان كلاي يدوّن ملاحظاته، ويسجل ما يشدّ انتباهه أو ما يخرج عن المألوف، ثم عاد إليها بعد التسريح ليصوغ منها رواية، ولكن اختياره وقع على جنس القصة القصيرة، لأنه لم يكن يريد أن يقدم شهادة بصوت واحد، كما يقول، بل بأصوات متعددة، ليكون أقرب إلى الموضوعية، وألصق بالواقع‭.‬ ورغم افتتانه بالواقع، فضّل أن تكون الذوات الساردة شخصيات متخيلة، حتى يكون أكثر أمانة، وأكثر صرامة في نقل حقائق الحرب وويلاتها، من بشاعة الأحداث وعنفها الرهيب إلى الأفكار المضطربة والأليمة التي تراود البشر‭.‬ “فالتخييل كما يقول يسمح لي بأن أحافظ على نوع من التقمص الوجداني النقدي، وحسن التصرف في المضمون الانفعالي للحالات التي أعرضها”‭.‬

تضم المجموعة اثنتي عشرة قصة تصور أوجها شتى من العنف والرعب اللذين يسودان ساحة الحرب، وردود أفعال البشر وقد أصاب نفوسهم شيء مكين، شيء غير قابل للتسمية ولا للنقل أو العلاج‭.‬ وينجح الكاتب في شد الانتباه منذ الصفحة الأولى، حيث يقول “أطلقنا النار على كلاب‭.‬ ليس عن طريق الخطأ‭.‬ بل بشكل متعمّد”‭.‬ ما الذي يدفع قوات المارينز إلى ذلك؟ يجيب سارد أول قصة “حين لا تتوارد أفكارك بكيفية سليمة‭..‬ تحاول أن تفكر في نفسك، فإذا أنت في قاعة التعذيب‭.‬ تسترجع مرأى أشلاء جسد آدميّ في الخزانة الجدارية، وذلك المعتوه داخل القفص وهو يقوق كدجاجة‭.‬ تضاءل رأسه، فما عاد حجمه يفوق حبة جوزة الهند‭.‬ تلزمك برهة كي تتذكر أنك سمعت الطبيب يقول إنهم حقنوا جمجمته بالزئبق، ولكن، برغم ذلك، لا يزال الأمر بلا معنى”‭.‬

هي إذن قصص تصور عودة المارينز بعد نهاية مهمتهم في العراق، وكانوا في أثنائها موزعين بين الإحساس بالذنب والخوف، الشعور بالعجز والفرح بالنجاة، وفيها يحاول “قدماء” تلك الحرب أن يسردوا الفوضى التي نفذوا منها بجلودهم ليمنحوها القصد والمعنى‭.‬ والساردون هنا هم أيضا اثنا عشر، بعدد قصص المجموعة، يتناوب كل واحد منهم في سرد معيش الجندي، في مجال المهمة المنوطة به‭.‬ واعظ ديني، عضو في مصلحة شؤون الموتى، موظف في المصالح الدبلوماسية، مدفعي لم ير قط أجساد أعدائه، ملازم أول مكلف بالإدارة في الفلوجة، جندي من فرقة إزالة الألغام وقد تشوهت خلقته نهائيا بقنبلة من صنع يدوي ولم يفلح الأطباء في تجميلها رغم ما يزيد عن خمسين عملية جراحية‭.‬

ونكتشف أن أولئك الجنود تطوعوا كلهم للحرب إما هربا من الريف، أو من أجل المال والترقي، أو بدعوى الذود عن الوطن، أو حبا في المغامرة‭.‬ كانوا يقتلون المتمردين نهارا، وفي الليل يتسلون باللعب على البلاي ستاشيون أو يحلمون بالإناث، أو يضمّدون جروحهم، ويجمعون الجثث، ويبكون من قضى نحبه من رفاقهم، وحتى من ضحاياهم الصغار‭.‬ فلا أحد من بينهم يحس أنه بطل مغوار‭.‬ يقول الواعظ ” المارينز، وهم مدججون بالسلاح، محاربون مرعبون‭.‬ ولكن عند الكدر يبدون كالأطفال”‭.‬ هو أيضا ينتابه الشك أحيانا، حينما يتضرع أياما ولياليَ ولا تلبّى دعواته‭.‬ فإذا نحن أمام اثني عشر جنديا يروون احتدام المعارك، وانفجار الألغام عند مرور رتل، يتنازعهم الخوف والتقزز، الخوف من القناصة، والتقزز من رؤية جثث تتعفن تحت شمس حارقة، والكلاب من حولها تلغ برك دماء متخثرة‭.‬ هم يروون الموت في الاتجاهين، الموت الذي يتسببون فيه، والموت الذي يتهيبون قدومه في أيّ لحظة‭.‬ ويصفون ساعات القلق التي لا تنتهي، والكوابيس المرعبة، ورغبة التفكير في أشياء أخرى‭.‬

والجنود لا يستوون لا في المراتب ولا في التجربة‭.‬ فمنهم من يَقتلون لأول مرة، ويريدون حساب نصيب كل واحد في قذيفة مدفعية يطلقونها‭.‬ ومنهم من يتساءلون عما إذا كان ما يأتونه يحظى بقبول بقية البشر‭.‬ “في ناحية ما، هناك جثة مسجاة على الأرض تبيضّ تحت الشمس‭.‬ قبل أن تصبح جثة، كانت إنسانا يحيا، ويتنفس، وربما يَقتل، بل يعذِّب، أي هو نوع الإنسان الذي أرغب دائما في قتله”‭.‬ وثمة مدنيون ليس لهم ما يفعلون سوى التظاهر بالاهتمام بالآخرين، أولئك الذين ينتظرون البقية حين تروى لهم حكاية مرعبة‭.‬ ذلك أن محرك الكتابة الأساس لديه هو العجز عن نقل ما عاشه المحاربون إلى الذين لم يذهبوا إلى الميدان‭.‬ “بعضهم ينظر إليك كبطل، والبعض الآخر كمجرم أو فظ‭.‬ وفي داخلك تحس أنك هذا وذاك في الوقت نفسه‭.‬ الجندي الذي يعود يشعر أنه وحيد‭.‬ كان لا بدّ أن أكتب لأشرح ذلك للذين لم يذهبوا للحرب، وأقول أيضا إنه يمكن إعداد المرء تقنيا وتكتيكيا ليقاتل، ولكن لا أحد يمكن أن يكون مستعدا لها من الناحية الأخلاقية”‭.‬

إن ما يميز هذه المجموعة نبرة الصدق في الأصوات المتناوبة على سرد واقعها، ودقة تَمثُّل الحرب وسيكولوجيا المحارب، وقد حرص الكاتب ألا ينحاز للسلم أو الحرب، فقصصه ليست لسان دفاع ولا اتهام، بل توصيفٌ جليّ ولاذع لحال جنود يخوضون حربا نيابة عن مواطنين بعيدين لا يعلمون عن ويلاتها غير ما تتناقله وسائل الإعلام‭.‬ “إعادة انتشار” أو “نهاية مهمة” في ترجمتها الفرنسية، كتابة جارحة، ليس لقيمتها الأدبية فحسب، وإنما أيضا لجرأتها في الكشف عن دور أميركا في نشر الدمار في العالم منذ قيامها‭.‬ اثنتا عشرة قصة تكشف عن الجوانب المظلمة للتدخل الأميركي في العراق، وتحلل مجمل التناقضات التي رافقته، وتعرّي “قلب الإنسان في نزاع مع نفسه” حسب عبارة فوكنر، فتقدم الجندي الأميركي لا كبطل مغوار جاء ينقذ العرب من طاغية ويهبه الديمقراطية على طبق من ذهب، بل كإنسان موزّع بين الموت والبقاء، فالحرب لا تخلف إلا الدمار، المادي والنفسي، ولا استقامة ولا فضيلة عند كتابتها، لذلك “ينبغي تصويرها من جهة الشر والرذيلة، سيديها المطلقين” كما يقول تيم أوبريان‭.‬ فلا أحد ينجو من الحرب، حتى الأحياء‭.‬ الباقون يستضيفون عدة قبور، ولا عزاء لهم إلا قصة يكتبونها.


كاتبة من السعودية