العروبة المنفتحة المشروع الحضاري البديل

في خضم الفرز السياسي الذي شهدته البلاد العربية إبان التحولات الدائرة منذ 2011، لم يحتدم العصف الفكري في زمن تكنولوجيا الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي وفضائيات الخبر العاجل، بل برز استقطاب بين تيارات إسلامية كانت تعتبر نفسها البديل الفكري بحكم الأمر الواقع بعد كسوف المشاريع اليسارية والقومية. ولذلك لم تكن فكرة العروبة موجودة بقوة في الحضور والنقاش: كانت صورتها مشوّهة نتيجة الاختزان في العقل الجمعي لسلبيات التجربة الناصرية والتجارب البعثية وغيرها من تجارب العسكريتاريا والأحزاب المعتنقة لفكر قومي مغلق أو شوفيني، ولم تكن بديلا عند علمانيين أو عند أبناء مكونات أقلية يخلطون بينها وبين الإسلام.

الجديد  خطار أبو دياب [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(14)]

لوحة: أحمد قليج
لا يمكن اختصار العروبة باللغة أو الثقافة أو الدين. إنها الجذر الحضاري أو “الهوية” في المشرق وهي كذلك الامتداد الحضاري نحو المغرب العربي وأفريقيا وأحيانا إلى عوالم الإسلام الذي “أنزلناه عربيّ اللسان”. إنها العروبة التي كانت لغة امرؤ القيس والمتنبي وأبي القاسم الشابي وطه حسين وجبران خليل جبران. لكنها كانت أيضا الثوب الأيديولوجي في مواجهة التتريك والتغريب مع جورج أنطونيوس وشكيب أرسلان ورشيد رضا والبساتنة (نسبة إلى آل البستاني من اللبنانيين – السوريين المسيحيين) والريحاني واليازجي وساطع الحصري وغيرهم من أعلام الأدب والفكر. وكانت العروبة دوما أكبر من قومية وهي تتعدى الحضارة المغلقة نحو بعد إنساني يسبغها الإسلام عليها.

شاع في الروايات المتداولة عن البدايات الأولي للفكرة القومية العربية ، التركيز على دور نجيب عازوري أحد رواد الفكر القومي العربي، وهو واحد من الذين أسهموا في صوغ جانب من المفاهيم القومية في كتابه الذي أصدره في سنة 1950 بعنوان “يقظة الأمة العربية”. ولعل في ذلك الكثير من الصدقية من الناحية الزمنية، مع أن التنقيب في ملفات التاريخ يشير إلى أن بدايات الوعي القومي العربي شرعت بالنشوء التدريجي مع بطرس البستاني وناصيف اليازجي عندما أسّسا معا جمعية الآداب والعلوم في بيروت سنة 1842 ثم تبلورت أكثر مع ظهور الجمعية العلمية السورية في سنة 1857 في بيروت بجهد لافت من سليم بن بطرس البستاني وإبراهيم بن نصيف اليازجي. واشتهرت في تلك الفترة وبالتحديد في سنة 1868 قصيدة إبراهيم اليازجي الذي يقول مطلعها:

تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ

فقد طمي الخطبُ حتى غاصت الركبُ

كم يشبه الحاضر ذلك الماضي. إن إعادة اكتشاف العروبة وتجديدها وأنسنتها تبدو مهمة ملحة لجيل “الثورات العربية” شرط تحصينها بالشورى والديمقراطية حتى لا تكون غطاء المتعصبين أو المستبدين.

كما في كل التطورات التاريخية المشابهة، تجب العودة إلى المجال الفكري أي إلى عصر النهضة العربية الذي ابتدأ في أواخر القرن التاسع عشر تقريباً، ولم يعش طويلاً إذ تلاشى حوالى منتصف القرن الماضي مع الصعود شبه المتزامن للديكتاتوريات العربية والحركات الإسلامية.

تكمن المشكلة الأساسية في نواقص وثغرات المحاولة النهضوية العربية الأولى. ونذكر من أهم دعاتها محمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي.

بالنسبة إلى هؤلاء تتماشى برأيهم الحداثة مع الإسلام وهنا كان الإشكال إذ أن تركيب مجتمع ديني وحديث في الوقت نفسه، وهذا مستحيل عمليا بالقياس للتجارب الغربية. حيث أن الحداثة وُلدت من قطيعة واضحة فكرية وسياسية مع الدين، وهذه القطيعة تجلّت في الثورة الفرنسية. وكان من المستحيل أن يولد العصر الحديث، وعمره الفعلي حوالي القرنين، دون هذه القطيعة مع الدين التي لم تحدث حتى الآن في العالم العربي والإسلامي.

لذلك، فالمسألة ليست في تكيّف الإسلام أو الدين عامة مع الحداثة. بل في فصل الدين عن الدولة الذي أنتج خلال قرنين تقريباً ثورة علمية ومادية فريدة في تاريخ البشرية مع حركة تطور اقتصادي وطبي وعمراني واجتماعي لم تعرفه البشرية منذ آلاف السنين. لقد أدى الاحتكاك بالغرب إلى بلورة المفاهيم الحديثة عند العرب، إذ حملت الحضارة الغربية إلى الواقع العربي معاني جديدة شبيهة، إلى حد ما، بمعانيها في الغرب، ومختلفة عن معانيها العربية التقليدية في الجاهلية والإسلام والقرون الوسطى. فلا شك أنّ الاتصال بالغرب قد أتاح للعرب التعرف على وسائل الحياة النيابية (الدساتير والبرلمانات)، كما أنهم نقلوا الفكرة الحزبية إلى واقعهم السياسي والاجتماعي، فقامت الأحزاب القومية والماركسية والإسلامية والليبرالية، مما فتح المجال أمام إمكانية تحديث المجتمع العربي.

العالم العربي والإسلامي يعيش حالياً حالة انفصام. فمؤسساته الحديثة في الشكل تنهار عند أيّ هزّة سياسية أو أمنية. وهذا العالم لا يشارك في الحداثة إلا كمستهلك

إنّ قراءة وثائق المؤتمر العربي الأول في العام 1913 تعطينا فكرة واضحة عن فهم القوميين العرب، في أوائل القرن العشرين، لمسألة الديمقراطية والحريات السياسية والمدنية، مما يجعلنا نستنتج أنّ وعي هذه المسألة كان يحكم الموقف السياسي والاجتماعي لكثير من المهتمين والمشاركين في الحياة السياسية العامة آنذاك، باعتبار أنّ ذلك أحد مكوّنات النهضة العربية الحديثة. وطوال التاريخ المعاصر للحركة العربية كان ثمة تلازم بين قضايا رئيسية ثلاث هي: استكمال الاستقلال الوطني، والخروج من التأخر، والوحدة العربية أو آليات الاندماج.

ويبدو أنّ الثغرة الرئيسية في المشروع الوحدوي العربي خلال التاريخ العربي المعاصر، تكمن في إهمال الخصوصيات الوطنية/القُطرية والمشاكل المحلية.

وفي الواقع، بعد انهيار الجمهورية العربية المتحدة في العام 1961 بدأ ترسّخ سلطة الدولة القطرية التي أقامت في داخلها بنى تحول بذاتها دون توجهها نحو الوحدة.

في الواقع تفرز المنطقة العربية أربعة تجمعات إقليمية رئيسية، تنبثق من اعتبارات متنوعة تعكس اهتمام أطرافها بمحيطهم الجغرافي المباشر، يقع اثنان منها في الجناح الأفريقي من العالم العربي هما: تجمع وادي النيل، والمغرب العربي الكبير. ويقع الآخران في الجناح المشرقي من العالم العربي هما: التجمع الخليجي، والهلال الخصيب.

ومن العوامل الأخرى المعيقة لفكرة العروبة عدم النجاح في بلورة مفهوم المواطنة القُطرية والمواطنة العربية من أجل جعل الولاء الوطني للفرد فوق كل الولاءات الضيقة.

من هنا تفسير فشل المحاولة النهضوية العربية الأولى مع “الاصلاحيين السلفيين” وتبع ذلك فشل المحاولة الثانية مع القوميين العرب والعسكريتاريا “القومجية” التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الماضي على شكل دكتاتوريات في بعض أكبر الدول العربية (نذكر بالأخص مصر وسوريا والعراق) حيث أن عدم بناء دولة حديثة (نمو اقتصادي وفرص عمل وانعدام الحريات) ترافق مع الفشل أمام اسرائيل.

كل هذا أسهم في ضرب الفكرة العربية ومفهوم العروبة الفكري في دول الاستقلال، ومما لاشك فيه أن فشل محاولات النهضة العربية ومن ثمة فشل الأنظمة القومية العسكرية، شكّل عنصراً مساعداً قوياً لصعود الحركات الإسلامية. ضربت عمليا العروبة والدولة تحت عنوان طوباوي وتبسيطي “الإسلام هو الحل”.

العالم العربي والإسلامي يعيش حالياً حالة انفصام. فمؤسساته الحديثة في الشكل تنهار عند أيّ هزّة سياسية أو أمنية. وهذا العالم لا يشارك في الحداثة إلا كمستهلك، فإذا بقينا في المجال الفكري وطرحنا أسئلة ملحّة حول صلة الشورى بالديمقراطية ضمن المسار القاضي بضرورة تحديث نظام الحكم، ودور الدين والتراث في عالم متحول، نستنتج بسرعة أن الاستبداد حوّل عالم العرب لصحراء فكرية مع خطر استمرار البكاء على الأطلال أو الحديث عن مؤامرات دون التحلي بالشجاعة لممارسة النقد الذاتي وتحمل المسؤولية في المخاض الانتقالي الذي لن يكون دربا مفروشا بالورود بل مرحلة يزدحم فيها اللااستقرار مع الجدل الفكري والمتاعب الاجتماعية.

وإذا كان العنف السياسي ظاهرة عالمية، فإن تفاقمه في العالم العربي يطرح تساؤلات موضوعية عن خلفيته الثقافية والتاريخية استنادا لقواعد الثأر والانتقام والاصطفاف القبلي والعشائري والغلوّ الديني والحزبي. ولذا يتوجب التوافق على مدونات سلوك في التسامح والخطاب السياسي العقلاني والتمهل بانتظار استكمال المراحل الانتقالية وإلا ستصبح الحياة السياسية العربية انقلابا دائما وستمنى المحاولة النهضوية الحالية بالفشل الذريع.

لوحة: خالد كوادرو

لا تعد العروبة وصفة سحرية للخروج من صراع الهويات وتشاد القوميات (تجاذب ونزاع)، وهي بالطبع ليست البديل الحصري عن أيديولوجيات اجتماعية أو أممية. لكن في زمن التيه الفكري والعودة إلى أصوليات إقصائية يمكن أن تمثل العروبة الإنسانية مع جذرها الإسلامي ومخزونها التاريخي الحاضنة الفكرية ليقظة ونهضة طال انتظارهما.

بعد أكثر من أربع سنوات على الحراك الثوري العربي وتحولاته، ومع تأثر كل المحيط الجيوسياسي لسوريا بتداعياته خاصة مع تفاقم الوضع العراقي واحتدام الاستقطاب الإقليمي والفتنة داخل الإسلام والتلاعب الدولي، تقفز إلى الواجهة مشاكل العيش المشترك بين المكونات المختلفة مع صعود خطاب الإقصاء والتكفير ومفردات تحالف الأقليات والتقسيمات ومما لا ريب فيه أن أنظمة الاستبداد التي دمرت دولها ومجتمعاتها تجد في الجماعات الدينية المتشددة خير معين لدفن فكرة المواطنة وضرب التنوع الذي كان عنوان المشرق.

في الشرق الأوسط عموما وفي المشرق خصوصا فسيفساء أديان ومكونات إثنية ومذهبية تكاد لا تخلو منها دولة أو لا يخلو منها مجتمع سياسي. أرض المشرق وشبه الجزيرة العربية فيها موئل الديانات التوحيدية الثلاث وعليها تعاقبت الأقوام وفيها حصلت حروب الامبراطوريات ومنها انطلقت الفتوحات الإسلامية ونحوها أتت الحروب الصليبية. وهذا التاريخ الزاخر بإيجابياته وسلبياته ألقى بظله على دول الاستقلال ومآلاتها وفشلها في الوصول إلى الرابطة الوطنية كي تعلو على الهويات الصغرى الدينية والفئوية والعشائرية والجهوية.

تكمن المشكلة في منشئها في أساس الثقافة السياسية العربية المعاصرة التي لم تتمكن حتى يومنا هذا من تجاوز المفارقات التي تستحدثها الازدواجية بين الكيانات الوطنية وفكرة الأمّة العربية أو الإسلامية كمصادر لولاءات سياسية جامعة وديناميكيات جيوبوليتيكية. علينا أن نعي أن النسق الكياني تمكّن بفعل استمراريته منذ عدة عقود من تثبيت نوع من الشرعية الفعلية التي دفعت بها ديناميكيات سياسية واجتماعية واقتصادية مخصّصة لكل من هذه الكيانات.

ما بين “الدولة-الأمّة” هنا وهناك ومتخيّل الأمّة العربية والإسلامية، برزت تناقضات لا تزال فاعلة في قلب الثقافة والديناميكيات السياسية لاعتبارات ليست فقط أيديولوجية بل تعود إلى اختلاط السياسي بالديني في الإسلام، وكذلك لعدم النجاح في اكتساب شرعية فعلية تمحض القدرة على حلّ مشاكل التماسك الوطني والتداخل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من خلال رؤىً وسياسات قائمة على الاعتراف المتبادل والمساواة في الحقوق الأساسية والإنماء المتداخل والديموقراطية المؤسّسية والقبول بواقع التعدّدية الإثنية واللغوية والثقافية والحضارية.

في المسألة الشرقية الجديدة سيطرح إذن بشكل حاسم مصير المكونات العرقية والدينية واللغوية، ويربط البعض ذلك بمشاريع التفكيك وإعادة التركيب من دون التنبه للحساسيات والذاكرة تاريخية وعيش مشترك صمد بالرغم من أنواء كثيرة عبر السنين، يزداد التخبط مع أصحاب الذاكرة المثقوبة والخطاب المشروخ لأن النظرة إلى أبناء الوطن الواحد حسب تصنيفات أيديولوجية دينية إلغائية أو حسب معايير قومية مغلفة أو مذهبية انفعالية، ستقود الجميع إلى الحائط المسدود إذا لم يبرز تدريجيا نهج قادر على بلورة عقد اجتماعي جديد يكون بمثابة ميثاق إعادة تأسيس الكيانات والدول أو المشرق برمته.

لقد سقط الرهان القومي الطوباوي والمتخيل الإسلاموي الذي يُحلّ الأمة محلّ الوطن.

لا يمكن تجزئة المشروع النهضوي العربي، فهو مشروع متكامل تتداخل فيه مهمات التحديث الفكري والسياسي والثقافي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي ومهمات التحرر القومي.


كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬باريس