أشجار ماكبث

وقصائد أُخر

الجديد  نجلاء عثمان التوم [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(18)]

لوحة: حسين جمعان
‎بلسانٍ مَشقُوق

‎تعالي يا حُطَمة مدّي رِجليكِ في المدينة؛

‎اللّسانُ كثيرٌ وفاسدٌ فعليكِ به،

‎عليكِ بالأشياءِ الطيّبة وبالصّدقاتِ والتبسّم،

‎هذه الوادعةُ الشّنيعة تفوحُ منها التّعاليم،

‎في المحراب ثمّة رتينةٌ في المحراب

‎وتحتَ كلِّ حقٍّ نُسخٌ أشدُّ عفونة،

‎عليكِ باللّغةِ الدائمة

‎عليكِ بالعَضَلةِ المشبوهةِ في حركةِ الإمعان،

‎لا تُبقِي على رسول

‎لا تُبقِي على الصّدغ

‎سيَأتي عنكبوتٌ يعلِّمكِ الأركانَ

‎أطيحي بهذه الترّهات

‎سيَأتي إلهُ القفزِ على الزّانة

‎ضَعيهِ في شخشخةِ الثمانينيّات مع ماكينات السّنجر والصّوَر الفوريّة.

‎لم يَعُد لسانٌ إلا التّجربة

‎سنتكلّم بألسِنة النّار

‎بلسانِ الأفعى المشقوق،

‎سنُمرِّر السّمَّ إلى ساقِ الحلفاء

‎ونَلدُ جلودَنا بأنفسنا،

‎المشانقُ غُرفُ توليد

‎ومن الجثّةِ يَخرجُ الليّلُ في الظّلمةِ الأشدّ،

‎يَخرجُ السّوادُ من العتمة

‎وفي العتمةِ يسير

‎هذ المهرِّجُ المتوحِّدُ يَسعى بأضَلّ يَسعى بالمحو،

‎فعندما يتجدّدُ الطموحُ تَسقطُ الحكمةُ تلقائياً

‎تُولدُ القوانينُ تحتَ عَجلةِ الخذلان

‎تَحدُث الأجنّةُ في الطّفرةِ والشّاشاتُ ملطّخةٌ بالأرحام

‎يأتي الإقبالُ دامعاً

‎خَلقاً جديداً بلا أصل،

‎لسانٌ يبدأُ من العُجمة

‎كلمةٌ صَحراءٌ خاليَة،

‎تبدأ الأعصابُ من عضلةِ الفهد،

‎من غيبوبةِ المادّة،

‎من قرحةِ الرّئة، من الأذى والصّدّ،

‎من عَلاجمَ روحيّةٍ وكثبانِ الضّفادع المثقوبة.

‎ها هو الغَد

‎يتعرَّقُ نافدَ الصّبرِ في سريرةِ الجَائحة،

‎هذا الغَدُ الميّتُ منذ الآن

‎هذه الجثّةُ التي ننتظرُ

‎وإيّاها نَخلق.

‎لأنّ اللّحظةَ عَديدةٌ إنْ حَدَثَت

‎الدّمُ المفتوحُ ولا يُشبِهُ حَدقة،

‎الدّمُ الحُرُّ من الرّغبة،

‎الدّمُ الأوّل

‎المعطوفُ على الفراغ.

‎تَبدأ المسطّحاتُ

‎وحيدةً درجةَ أنّ البساطةَ خاويةٌ من ذاتِها،

‎بطيئةً لأنّ الزّمنَ خطوةٌ قد لا يَمشِيها الحُلمُ في الفراغ،

‎لأنّ اللّحظةَ عديدةٌ إنْ حَدَثَتْ

‎مثقوبةٌ بالوَشَكَانِ

‎تَسيلُ منها العودةُ إلى ألمٍ رخوٍ

‎حيث تَبِيضُ الأرففُ الهالةَ المنخورة المحيطة بقلبيَ الآن.

‎الكنَفُ المتاهةُ المدرّعةُ بعينٍ أكثر من البَصَر،

‎بمراحلَ لبُوَاتٍ،

‎بالكثير من الله في حناجرَ مُنمنَمةٍ بالنّار.

‎أغْرَقُ حرّيّة

‎يا ثمرَ الآلةِ يسّاقطُ ضوَعانَ الوجه.

‎أقْطعُ الطّريقَ بجسدٍ أضَلّ.

‎حِذاءٌ شاخصٌ في صَهدةِ اليوم،

‎فقرٌ أجهلُ مِن حولِهِ،

‎ذليلٌ كجمرةِ الشّرح.

‎النّبضُ المسفوحُ على دَرجِ القُبلة.

‎برقُ الانسلاخِ عن القُبلة.

‎مَرْسُومُ الخدِّ دمعةٌ بصَريّةٌ تمخرُ العالَم وأكثر.

‎فيكَ اللّغةُ،

‎وبالإِعراضِ والطّيرِ أَجرَحُ.

‎أُنْزِلُكَ رعبي يَرعَاك.

‎الزّمنُ يَموءُ العراءَ

‎بلا وطأةٍ تحرُسُ ولا مهماز.

‎يَنجمُ الأغيارُ يَنجمُ الأغيارُ

‎من كلِّ خطوةٍ،

‎ومن السّير!.

‎في كنزِ البَندولِ كلِّهِ ليس ثمّةَ إلّا

‎«كلُّ لحظةٍ أوثاقٌ، كلُّ مُقيَّدٍ قَيْدٌ»،

‎أشجارُ السّيرِ قُدُماً إلى السّيْر،

‎يا بَندولاً

‎هو العينُ تَنهَبُ الموسيقى

‎وتَنبُع.

‎قَلبُكَ الجبلُ بَعدَ الجبال،

‎قَلبُكَ صوتي يَنْضُوكَ ويَقطُرُ عنك.

‎في مِلحِها المعزولِ عن الأرض:

‎الدّمعةُ تَرْقَى إلى صحراء.

‎الضّواري تُوْرِقُ من النّبض؛

‎أورغازْم رَمليّ

‎في لحَاء اللّيْل.

‎جيشُ العناقِ يَعبُرُ دمعةَ الجسد.

‎كلّما يَقعُ المقدُورُ في فتنة اللّحظة

‎وتَقعُ اللّحظةُ في بسالةِ اليأسِ

‎يَبدأ المستقبَل.

‎الكنايةُ سفينةُ أشباح

‎في شبحِ بَحر.

‎مِن تهافُتِ الإفصاحِ على رئةٍ تجنيهِ من الصّمت،

‎مِن تُوْرِقُ الكلمةُ من كنَفِ الحاصدِ والحصادُ يَسْرِي،

‎مِن خَصّني بأحمالي دُونَها ذؤابةُ النّاس،

‎مِن سطرٍ أعتى من دينونةِ التّكرار؛

‎أطيرُ مع الجَذرِ ألهجُ مع الأفاعي بتوَهانِ الشّبق.

‎لِنَقُل ليسَ بالموتِ ونقيضِه،

‎لِنَقُل بالموتِ ومُهشّماتِه،

‎في مسيرةِ العادة

‎في الرّكضِ داخلَ الثّانية

‎إملاقُ التّذكّرِ والوصفِ الذي لا تُوصَفُ هنّاتُهُ وعظمتُه.

‎لعلّ الرّيشةَ طارتْ من شقاءِ ﭬـان جوخ إلى الطّير.

‎لعلّ العالم قَبلَهُ مجنوناً أو كان بَعدَه؛

‎ربّما قمحُهُ المعتلُّ مجزرةٌ سحيقةٌ يَقودُها الإنزيم.

‎هل بفَضلِهِ التّنكيلُ وعذابُ الميوعةِ الدّقيق؟

‎مِن محراثِ يدِهِ قفَزَ النّومُ إلى عُزلةٍ كانت لغةً طوفاناً مَخدوشاً بالزّهور،

‎مِن العالم الذي لا يُصغي خصوصاً لأُذنِهِ الذّاهبةِ مع الرّيحِ والدّم،

‎مِن أبديّةٍ معمولةٍ من عَصا وجزرةِ مُستحيلاتٍ أرضيّة.

‎صادفتُ نظرةَ ولادتي فيَّ؛

‎المضارَعةُ الواقعيّةُ تُشفيها من النّظرِ ومنِّي

‎ونصبحُ فجأةً ماضينَا.

‎في كلّ صُدفةٍ لا تَحدُثُ يُشرقُ تَحوّلٌ

‎جَوْعَى عُضاليّون

‎عينٌ تسيرُ قلبٌ يَركض

‎وبسرعةٍ وفي بطءٍ نَصِلُ منها إلى الغرَق.

‎مجرّد حياة:

‎مسيرةٌ مَسحولةٌ على شوكةِ الإخصابِ المملّحِ بالهاويَة،

‎تمشي النّبضةُ وحيدةً عابرةً أميالَ الخفقانِ والدّحض؛

‎رئةٌ ضالعةٌ يأكلها الفَهم،

‎بخارُ المنسأةِ الصّاعدُ كلحنٍ من الصّقورِ الحمراءِ تُدوّمُ

‎في رئةٍ ضالعةٍ في لحمِها يرنّ من آلةٍ إلى آلةٍ إلى عنفوان.

‎يا حبيبي يا لبوةً محجوبةً تَنشبُ تحتَ سياطِ المحجوب.

‎عينٌ وأكثَر

‎أسفرَت عنها يدُ الصّرخةِ المعقودةِ على الصّليب،

‎يَرَى الدّمُ نفسَهُ بنفسِهِ

‎وترتجفُ الفكرةُ مثلَ سمكةٍ في الهواء.

‎الثّقوبُ بين الكلمات

‎حيثُ تُقلِعُ الجُزرُ المتفشّيةُ أكثرَ من التّضحيَة؛

‎أقتربُ وأهدّد

‎أنا دفّةُ الفيضان.

‎رئةٌ مسرورةٌ في حوضِ زهورٍ مُزركَشٍ بالقيامة:

‎الكانْـﭭَاس المُرْفَضُّ على الصّليب

‎تَسيلُ الحضارةُ من جفنيهِ المخذولين؛

‎حديدٌ على مَسِيحٍ على خشب،

‎ومسمارُ الرّسْغِ رَاءٍ الكونَ بجسمِهِ

‎جاهلاً مَعنَاهُ

‎قبلَ أن يَكُونَ ذهولاً مُرسَلاً لتنضيدِ الرّسل.

‎ثمّةَ صورةٌ ذهنيّةٌ تتبخّرُ وتفورُ حولَ كلمةِ مسمار،

‎حصاةٌ ركلَتها أُمِّي

‎وغاصت في الزّغب.

‎مُسترَقّة بكَنَفِ السّاعة

‎أَعُوْلُ الماضيَ بالدّمِ والقيح

‎والقمرُ في صمتِهِ اللّئيمِ يأكل.

‎أَتُوقُ إلى النّظرةِ تتبرعمُ في الخفاء

‎وحينَ تَصِيرُ يَصِيرُ معها مَنظورُها

‎وحينَ تَفْنَى يَفْنَى.

‎مِرآتان سريعتان شَرِهتان

‎تَعكِسان العتمة

‎مثلَ شمسٍ جميلةٍ تَنشُبُ في قلادةِ الكمال.

‎حِينَها الجسدُ مسكوبَاً في كتابٍ؛

‎مُفهرَساً وتنويريّاً وقابلاً للفَهْم.

‎اللّغةُ في هيئتِها الكاملَة، والزّمنُ هو تلك اللّحظة. تُصبحُ الذّاكرةُ نسياناً كبيراً مُكوّناً من لحظاتٍ حاسمةٍ مُكرّرةٍ مُنتظمةٍ؛ والقلبُ تذكاراً من مجهولٍ لمجهول.

‎الرّكضُ في ظِفرِ الكابوس،

‎وفي المهدِ شجرة تَبَلْدِي مسحورة عاديّة

‎تَنجُو تحتَ شمسِ اللِّيْرِي

‎منذُ ستّمائة عامٍ،

‎أهطُلُ بلا أدنى جسمٍ

‎من ظُلمَتِها المصْمَتةِ تحت قوسِ النُّوْبَة

‎والجبالُ أبابيلُ منحوتةٌ من مادّة الزّمن.

‎تركضُ الغريقةُ بالنّيران

‎لترنّ كلمةٌ في هواءِ كَادُقْلِي؛

‎كلمةٌ عاديّةٌ

‎لا يَملُكُ الربُّ الفقرَ الكافي ليَسمَعَها.

‎إذا كنتُ الآنَ جثّتيَ المتخثّرةَ بانتظارِ أوّلِ مُترمّمٍ، فإنّ المراوَغةَ الوحيدةَ الممكنةَ أنْ أَكُونَ بذاتِ الوقتِ هذا الضّبعَ المتردّدَ المنعكسَ في بؤبؤِ عينِيَ الميّتِ، معتقِداً أنّني منذُ الآنَ جزءٌ من توغُّلِهِ النّظيفِ في هُويّتِهِ الجديدة. أَسْرِي في ذاته، شِلْوِي شِلْوِي قطرةُ جنونٍ وحيدٍ في ظهيرةٍ بيضاءَ لالُوْبَةٍ تَستدرُّ رئاتٍ وكهفاً وهشّةً مخلَّدة. حَيْضٌ قوامُهُ الصّحَارَى النّاصعةُ بندوبها، من حيثُ أقبلَ وجهٌ محضٌ وكأنّهُ ليس حتّى وجْهَ لاشيءٍ، ومع ذلك؛ أيْ لذلك، وجهُ دمٍ وغُنوصيٌّ كقِطّةٍ أدرَكت تَوْهَها وضعفاً كثيفاً يَنشبُ في الأعناق. إذا كنتُ الآنَ جُثّتي، لو أنا إذَنْ حياتي أَنْدَمِعُ من المنظورِ بتَرِكاتي وجهلي إلى عين النّظر، لنَظرتُ فقط إلى تلك النّظرة.

حسين جمعان

‎لا يَشغَلُني أَعـثُـر

‎يَتحرّك الأفق مثل زهرةٍ تُغلقُ تيجانَها فجأةً،

‎لا يَعودُ أُفقاً ولا هي زهرة،

‎ليسَ بَعد

‎ليسَ في الماضي على الأخَصّ

‎منذ يَندثرُ المنظورُ في النّظرة وتَختلجُ فيه

‎مُنذ يُولدُ الكونُ في الشّخصِ مراراً،

‎مُنذ صارَ الإصغاءُ هو المعنَى

‎مُنذ تَدحرَجَ الكونُ من قبضةِ الخجَل

‎وتَراكبَت الأمواجُ يَحضُّها الخشبُ على الطيران،

‎الخشبُ الطائرُ في دَمِ الغابات

‎الخشبُ الدّفينُ في حَوْلِ النّسغ

‎مُنذ البَحرُ طائراً والطّيرانُ الغرَق.

‎بجَحفَلِ العُثورِ والقَنص، يأتي العذوبةَ مُنهمِراً، يأتي في الهُلاَّك، في أعيُنهمُ المفتوحةِ يأكلُ منها الطّيرُ والوحشُ والأزَل. تَسري الخسارةُ فيهِ، إلى جذوةِ الرّوح، الرّوحُ الرّوحُ انْطَلَسَت، في مَعرضِ السَّرَيان. لا مَسغبةَ لا حِرمَان، عندَ كعبةِ الصّميمِ يَتخرّجُ الجَسدُ من يَرقةِ التّجسيد، يَطِيرُ في جُثّتهِ سالماً مُصفرّاً بنَّاء.

‎التّفادِي ينالُ، التّفادِي ينالُ؛ قاعدةٌ ألهَبَها الاستثناء.

‎لا يُمكنُ تَصوُّرُ الشّيِء على الحافَةِ بوصفِهِ الشّيءَ ذاتَه، لا يُوجَدُ شَيٌء على الحافَة؛ الحافَةُ هي التحوُّل، هي السّقوط. الحافَةُ فارغةٌ، كلّيّاً، بانتظام.

‎عندما يَطيرُ وَجهُكَ في الدّم ـ مُطلَق الدم ـ ويَصيرُ عليَّ أجمَعكَ من شَأفةِ الغرَق، لا يَشغَلُني أَعثُر، يَشغَلُني طرَبُ الاستعارةِ وطرَبُ الظّنّ.

‎اقترَبَ العدُوّ، محمُولاً على عرَبةِ الآلهةِ اقترَب، والموتَى ما زالوا في الأرحَام، اقتربت الحيتانُ تَسعى في نبضِهِ العميقِ الرّطب، جاءَ ورُمحُهُ يَقطُر، مَرحَى يا رئة، يا رئتيَ الفخريّة، مَرحَى يَتُها الزّهرةُ الزّهريّة، تَزحفُ في جَحافلِ السِّمسمِ والنُّقوش. طوبَى له، طوبَى لدَيمومةٍ تَنسجُها الدّيدان، مَرحَى يا دمِي يا حنّاءً على حجرٍ غريبٍ صارمٍ وحقيقيّ، َمرحَى يا لسانيَ في ديربي الثّعابين، اركضْ أيّها الّلسان، اركضْ اركضْ، إلى القارعة، زاحفاً مثلَ نوبةٍ تحتَ القصف، اركضْ مع الألسنةِ الشّافية تسيلُ من المنجنيق، يَلزَمنا جَبل، الجبالُ تركض، الغزَالة جاوَزَت، جِدَاد الوادي البنّيّ المبقّع يطيرُ مع الثّيران الحمراء.. مَرحَى مَرحَى لكلّ هذا النّسيان.

‎الحكمةُ المبذُولةُ مُغلَقة.

‎أنا الرّئةُ الخضراءُ في العتمة.

‎أيّها الميّتُ في قبرِه، يا ضِمادَ اللّحد، أيّها الَجنينُ العظيم، أيّها المانح، أيّها الأمُّ الكبرَى، يا إسعاداً يَنهمرُ منذ الآنَ في ضَميرِ المشْي.

‎السّلامةُ خِضَمّ، النّجاةُ إنذار.

‎في سدّة الرّدميّة

‎عندما خَرَجتُ من رَحمِكَ الآليِّ

‎وسَقطتُ في مُرضِعتكَ الغيبوبة

‎وشُجّتْ عينِي بثَمودِ النّظرةِ نَظَرْتَنِيها

‎وشُجّتْ من رَكضِ عَينُكَ في عُرْيِ دَثِّرُوني دَثِّرُوني.

‎عندما صَيّرتَني أمَّك بمَنحِي قُدرةَ الدِّثار

‎وصَيّرتَني جِلدَك بمَنحِي قُدرةَ أُحِبّك

‎لم تَسألْ ما تَناثَرَ مع خَطاطِيفِ الجِفط عن التّوأمِ طارَ من رَحِمك تَوأمِي حَمَلَ اللّوحةَ كلَّها وسَرَى إلى خَرائطَ شَفَّتْ مُعلّقةً من عَراقِيبها في سِدرةِ المنتهَى،

‎أقلَعْنا في صرخةِ الدّم،

‎طِرْنا كهرباءً مجرّبةً في السُّرَّةِ العَظمِ تمشِي بين الكواكبِ وضَواري الدّمعة،

‎لماذا أنجبتَني آلافَ المرّات أثناءً أثناءً فلا سَكَن

‎لماذا تَبرَّعتَ بمادّتِكَ الخَالقيّةِلتُنشِىءَ حقلاً من الدّبابيسِ الجَوفيّة في حَقْوِ الوصَال

‎لماذا طِرْتَ في قبضةِ القابلةِ ناهشاً ظفرَها اللّبنيّ،

‎لا يَعُود الدّمُ كافياً فأخرُجُ من رَحِمِكَ في قِماطِ البِرِنْجِي

‎لا يَعُودُ الوقتُ كافياً فتَلِدُني في الزّمان،

‎أخرُجُ من الإطلاقِ إلى السّديمِ غَيبوبةً مادّيةً كما خَلَقتَني أتبخّرُ خارجَ الإدراك.

‎حينَ لا أفكّرُ فيكَ أتحوَّلُ إلى شجرة،

‎وإذْ تدركُ جذوري أيَّ هاويةٍ يَهوُونَ تَسقطُ الخلفيّة

‎أصِيرُ شَجرةً لا تَحدُث

‎سلسلةَ استحالاتٍ باقية

‎سلسلةَ لاعَوداتٍ بفَضلِكَ غيرِ المفكَّر فيه،

‎ثم تَتوالى الكُنوز؛ تَخرُج الترّهاتُ من فمِي الضّفادعُ من مُستنقَعِ الشّهوةِ تَسيلُ من بظريَ الحفائرُ وكَمايِن الطّين، تهجمُ القطعانُ تهجمُ سياطُ الرّغبة

‎العينُ غوّاصةٌ بَحريّة

‎الشّجرةُ منجنيق

‎نَتعاضَدُ على القانون

‎نَعثرُ عليكَ في سدّة الرّدميّة ونَفتِكُ بك.

‎العُروق النّديّة الصّغيرة الخائفة

‎أتكلّمُ بك لا أقولُك،

‎في شأنِكَ الكثيرِ أضربُ وفي شأنِكَ الواحد: حبيبي مجرّد إمكانٍ أتحدَّر منه،

‎بفضلِه أكلتُ حزمةً من الآلهة وطبختُ ديانةَ العين؛

‎في الغابةِ، التي لم نَزرع، تُضرمُنا العائلةُ في الجوِّ ويَضعُنا الأصدقاءُ في عرشِ الرّخويات.

‎أقولُ لبّيكِ يا علومَ القسوة لبيكِ قوافلَ تحملُ الصّحراءَ في الصّحف،

‎كُنّا سنحيَا بفضلِ الخلَل

‎كُنّا سنحيَا لأنّ شيئاً تعطّل

‎إلّا أنّني أطأ الجزيرةَ الطيّبةَ برُوحي فتصلُ أقداميَ المشعِرةُ أقدامُ الشّمبانزي إلى جذوةِ الصّهد،

‎أضربُ أقدامي في الأمَل فتبزغُ فوّهاتُ المكسيم،

‎ماتَ الماضي اتّصالاً بالقبورِ الذّائبةِ في عُصارةِ الحنوط،

‎وجاءَ المستقبلُ في قماطٍ يتدلّى من فكِّ البادية،

‎وفي الكرَمِ جاء، في الكرَم ليس في النّبع الكرَمُ في البركان

‎وفي أشهَدُ معنى النّبعِ في مادّةِ البركان

‎أرى العُروقَ النديّةَ الصّغيرةَ الخائفة

‎تَتنادَى

‎أرى الماءَ يهتفُ الأرض الأرضالأرض

‎أرى الدّوّاماتِ تَنجرفُ في النُّهَى

‎أرى النّبعَ يتكلّمُ في لغةِ العينِ كلامَ العين.

‎في مَوضعِ الجناح

‎مَودّةٌ في أساسِ التعذيب:

‎موتى في مائدةِ اليَد،

‎إشجارٌ في سدّة الطلاقة

‎في النّمورِ اليتيمةِ تأكُلُ المآذن

‎في غُنّةٍ هجَرَتْ صدرَ الواقفِ المخاطب؛

‎آه يا خطوتيَ الأشَدِّ إيلاماً من أنها بلا قَدَم

‎الطُّرْقُ تُؤلمُ مثلَ طائرٍ يتعمّدُ النظرَ إلى في مَوضِعِ الجناح.

حسين جمعان

‎سودان

‎صوتُكَ جائسٌ في الرّتق

‎الثقوبُ المسيطرةُ تَجرحُ له المؤانسةَ من الجذعِ والتفريع،

‎له مرحُ السّرطاناتِ المتعاكسةِ تَعقرُعمودَ النور،

‎له جحفلُ الطلَبة خِفافاً ثِقالاً ضدّ لمباتِ النّايلون.

‎صوتُكَ القارُّ في الكفرِ بالحياة،

‎في التيّارِ التحتيِّ لقيامةٍ تَحملُها الجرذانُ على ظهورٍ عاريةٍ إلى شمسِ الوباء.

‎هاجَرَ فيكَ الوحشُ تحتَ عين الرّادار

‎واندثرَت لُغاتُه في صحرائِك؛

‎لا نَحدسُ منكَ إلا عُواءً فاقداً الشّيء

‎إلا شيئاً يُشبِهُ البهجةَ المتروكة، أو الرَّثاثة، أو غيلانَ السيّاب

‎ضجّة فظيعة،

‎لكنّ صوتَكَ إبرةٌ في كومِ خرس

‎طرينَاه في أحاديثنا أنا والحيّة والتمساح،

‎كانت الحيّة مَريضةً وممتلئةَ المعدة

‎والتّمساحُ غيرُ راغبٍ بالمرّة

‎كأنّه أكَلَ جميعَ عَمّاتِه،

‎كنّا براكينَ خامدةً

‎غرْقى بلا تولٍ ونُدرك بالدّقةِ ما فعَله بنا الله؛

‎القدرُ ضخمٌ مثل جرفٍ ضخم

‎يَرتعبُ اللّبلابُ من زفيرِهِ ما الطّائلُ ما الطائل؟

‎حين هرَبَ العُتقاءُ بَقينا مع هرّةِ الرّسول

‎حين هرَبَ الملوكُ بَقينا مع البَرْكَلِ والجُعرانِ والرَّحَط والدّيُوم

‎حين صَفَنت الجبالُ عَثرْنا على بسطامَ مُضرّجة

‎وَجَدنا مُستقبلاً غارقاً تحتَ دَهب النّوبة

‎وَجَدنا بلداً مُهترئاً صعلوقاً جميلاً حارقاً مثلَ تَموتْ تَخَلِّي

‎لم نَعثُر على قَدَمٍ بل سَرَيان الجرْف

‎لم نَعثُر على السّيرِ بل حرارة البول

‎سِرْنا إلى الغيبوبةِ الضخمةِ

‎حتى تقرَّحَت الأرضُ

‎حتى التهَبَت الخيران

‎حتى دامَ الألمُ وانفجَرَت الأسمال

‎يا لنا من أفيَال.

‎أيّها البلد المجرم،

‎أيّها القاتلُ؛ تأتي على أمّي وتأكلُ رحمتَها التي وَسعَتك،

‎صحيح، تأدُّباً، لم نَطلُبْك في المعنى،

‎لكنْ حتى اسمُكَ لم يَعدْ ممكناً

‎ومثل الزّمن، أي الحوت، صِرتْ بئراً دمعيّة تَفورُ فيها الأغاني والرّموز

‎تَفورُ فيها كَثرتُك يا حبيبي،

‎قِيلَ إنّك مَضفورٌ مُلتحمٌ مُتعرّجٌ مَنفوشٌ وتَقف زَائغَ البصرِ مثلَ نعامةٍ في جناحِ الحالم

‎تَفورُ وحشتُكَ وتَخرُجُ من أطرافِ زغبكَ الكواكب

‎لأنّكَ واحدٌ ممتدٌّ، واحدٌ بلا حَدّ

‎ولولا زركشةً خَرساءُ على حَقويكَ ما أدرَكنَاك

‎لولا أهلّةُ الدّمِ على تيجانِ القمح،

‎لكنْ، ستظلُّ الآنَ محجوباً عارياً مقتولاً

‎لأنّ بَينَك والله طبقاتٌ من الآلهة

‎وكلّهم يخدمون في سلاح الجوّ.

‎إنسان

‎جمالٌ كيديّ

‎نبذَةٌ عاطفيّةٌ للهُواةِ فقط والقَمَر

‎مجرّد سعادة مغفورة لم تُرتَكَب.

‎النَّظرُ خرقةُ المنظور

‎مُظاهرةُ الخدرِ في قبضةِ الأربعينيّات

‎مَساقطُ اعتزاليةٌ وترجيع

‎الإغراقُ لكنَتُها والغرَق

‎يا شرْنقَاتٍ حرَّة،

‎يا مُثلثاتٍ شديدةً تُلخِّصُ البرقَ المنعقدَ في يَدِها

‎تلكَ هي الموسيقى

‎تلكَ هي أسيلُ أو لا أسيل

‎تلكَ هي العَشّة

‎تلكَ هي الفلّاتية الأخيرة.

‎هناك

‎المحمِيّةُ بالواجبِ الظنّيّ

‎وكالخَفقانِ تَهرُبُ

‎هناك

‎الضّروريّة

‎إذْ نَعجَزُ إمّا عن الوُصولِ

‎أو لأنّ خُدّامَ السّاعةِ يَحمِلونُ القرنَ الحاليّ

‎ويَزحفونَ تحتَ إبطِ الغَيبِ

‎لإمتاعِ هذا اللّفظ

‎هناك

‎كُنّا في عينِ شيء

‎وما نزال.

‎سنَنهَبُ المسيحَ من ثقوبِ راحتيه

‎رُوحيَ المقتلعةُ من الأمّ،

‎المشرَّدةُ في الكتمان،

‎المصكوكةُ في فضَّةِ الجدري،

‎تَنمُو في غزلانِ الصّواعق:

‎مَن يَصلُكَ يَصلُ ذاتَهُ لا يتعدّى،

‎مَن يَضلّكُ يُحرَق ولا تجربة،

‎ويُفقرُكَ سَعيُ نجمتِنا إليكَ حتى تَصيرَها،

‎ويُفقرُكَ الوحشُ يَكتملُ بك

‎وعندما نَسقطُ مِن أعينِ الغزلانِ دَمعاً عاديّاً تترنّحُ فيه الجبال

‎تترنّحُ وتسقط.

‎لتَذهَبْ إلى الجحيمِ إلهي

‎لتَعِشْ بقيّةُ الآلهةِ على الدّيدان

‎سنَلمعُ إلى أن يرَانا فرخُ القَطَا

‎ومِن مِنقارِهِ سُكارى نتهاوَى على الوادي

‎في أمانِ الحنجرةِ في أمانِ البِجَا

‎وننسى أوّل ما ننسى سعيَنا فيك

‎ونَبرأ أوّل ما نَبرأ من ختمِك

‎ونتحرّكُ في قطيعٍ ضخمٍ يصلُ بين جبلين صوتيّين

‎قطيعٌ من الصّدى

‎كلُّ مَوجةٍ تركضُ في جهة

‎كلُّ مَوجةٍ خَلقٌ جديد

‎ولا يَعودُ هناك شأنٌ صادرٌ عن صُدورِهِ عنك

‎سنَنهَبُ المسيحَ مِن ثُقوبِ راحتيه

‎سنأكلُ القبَس آهٍ هالَتُكَ الرّبةُ المسهوكةُباللايفْبُوي

‎وأرْفُفُ الجَمالِ التي تُغطّي جمالَك،

‎نَنزعُ شأفةَ الزّنود، الخوارجُ حُبيباتُ العرَقِ في مَهاوي النبض، بَرموداتك السّبع، التماثيلُ تَذهبُ في لوﭬـر العُنق، مَناطقُ الغيب، مَهابطُ الإنسانِ والأصنامُ تدور

‎ولا يَعُود ثمّة جُوع

‎ولا ثمّة إلّا جُوع

‎ولا يَعُود إلّا ها طريحاً جنّة النّبات

‎ها جميلاً حبيبي

‎حانَ مُعتنِقوك

‎حانَ مُعتنِقوك

‎لكنْ، مثلَ صقر البوليترز 1984 سننتظر قليلاً، بوقار.

‎جبرائيل

‎في سقيفةِ قلبي

‎بسيطاً حادّاً مثلّ مأموريّته،

‎أحاديّاً بحيثُ يَستحيلُ قوله.

‎قلتُ لنُنهي المسألة؛

‎رُوحي خاليةٌ ومتورِّمة

‎وصورةُ حبيبي محفورةٌ في الورَم مثلَ وَسْمٍ في بطنِ ثورٍ أحمر،

‎وكلّنا لم نَحدُث

‎مثلك تقريباً يا جبرائيل.

‎أنا لِثامُك

‎أيّتها الرُّوح الجائعة

‎أتضوّرُ لجُوعِك

‎لتفسُّخي لديكِ وتفسُّخكِ عندي

‎بيننا برزخُ الجهلِ والحقّ يَعصفُ من النواحي.

‎لسْنَا عُشّاقاً بل قتَلة

‎بل لبوةٌ حول إلهٍ جريح؛

‎العضَلُ مَشدودٌ والقدرُ يتقوَّس في البؤبؤ.

‎مَجزُوء

‎نَسهَرُ إليك

‎المختصَراتُ والقواميسُ الرّهيبة

‎لترقيقِ مَعناك

‎ترجمةُ الفصولِ الأربعة

‎كلُّ أبيضَ رهينٌ مُضمَرُ اللذّة

‎المناشيرُ الحلوةُ الفاسقةُ ابنةُ الشّعاعِ الملول

‎تتألّقين

‎يا مريمَهُ المذعورة

‎تَدلفينَ إلى الشّعبِ النائمِ في ندبةِ الكهف

‎كم لبثوا؟

‎تحسَبينهم جنّةً في ذهولهم عنها.

‎غريغور ماندل

‎التوجُّه إلى الغشاء،

‎إلى كلمةٍ محيطةٍ مُشقّقةٍ يَدرأها طوفانُ ألسِنتِها الرّخوة،

‎إلى تَسافُدٍ طويلٍ بين الأدمةِ والإبرة كافكا،

‎إنّها طريقةٌ أخرى جافّةٌ للكتابةِ عن شيءٍ لزج

‎لا يَلبث، مخترَقاً بالذّكاء المقرور،

‎بالتحوّل من صيرورةٍ شديدةٍ إلى معبودٍ كئيب.

‎في أنبَلِ الفُرصِ لا يُساوي الطريقُ مسافةً بين نقطتين

‎ولا يُساوي ضجراً يأوي كنوزَه في العرَاء

‎مشوارٌ كرتوني يَبدأ من بيضة أو دجاجة الاختلاج

‎مِن عَلَقِ مدارِ السّاعة يشحّمُ الثقبَ المطِلّ

‎من شُقوقٍ عُصابيّةٍ تنضجُ وتتقصّف

‎بالوجودِ الجائسِ الكثيفِ للصّوتِ البشريّ،

‎مِن شمسٍ صغيرةٍ تُشبِهُ سُهولاً معيّنةً في مارْشات إسماعيل عبد المعين.

‎في أنبَلِ الفرَص

‎مثل فرصةِ بساطةٍ واحدةٍ مُهمَلةٍ كهواءٍ أُدرِجَ في أولمبيادِ ﭬـرجينيا وولف

‎تسبحُ فيه من حجرٍ لحجر

‎لا تُوجَدُ مسافة،

‎تُوجَدُ نظرةٌ طويلةٌ أبديّةٌ

‎تَلِدُ الأبديّة.

‎الضّحكةُ بنيانٌ في الجوّ،

‎معمارٌ سياسيٌّ

‎مُضطردٌ

‎يتفشّى

‎مُنتصراً

‎وحيداً على

‎تهمة الحرّية.

‎يَنطوي الكتابُ على قداسةٍ ضروريّة: التعفُّن البطيء

‎لذلك نفرَحُ بالكتبِ النافقة،

‎بالأفكارِ التي نُعطِيها احتضارَها فنَحميها من الخلود،

‎بمصائر ِالحلِّ المقيَّدِ إلى مِسحَلةِ الجوع،

‎بالاصفرارِ المعقورِ لهياكلِ السّحَرةِ السِّنسكريتيّين،

‎يُحرِقونَ حيّةَ الحقيقةِ التي أكَلت أرواحَهم

‎وينامُونَ في العراءِ مُستخِفّينَ بالإيمانِ

‎الذي دفنُوهُ مع غريغور ماندل في حقلِ بازلّاء.

حسين جمعان

‎‎حتّى لو الشّجَرة

‎حتى لو بمزيدٍ من التفرُّعاتِ والشّقوق

‎حتى لو أُطعِمَت الأفعى من عُشّ الذي آمَن

‎حتى لو تخلّقَت النافذةُ من علَقةِ الذّهن

‎اسمَعْ

‎هذه المعادلةُ صحيحةٌ، بل إله

‎سيظلُّ كلُّ شيءٍ كما لن يكون أبداً

‎بالمرّة

‎سيَظلُّ كلُّ شيءٍ على أسنّةِ القَيد

‎لأنّ الشّجرَ شيءٌ والشّجرُ نفسُهُ شيءٌ آخر يا أرخميدس.

‎لثّة

‎تلك البئرُ المضلّعةُ هنا عندي والتي لثّةُ الوجودِ المكشوفةِ للبخار الموَلول في مصنع اليوم، في تخرُّجِ الأنابيب الحيويّة من النّظرات المنكسِرَة والجُمَل المبتورة وتكرارِ وجبةِ الخطر المشترك الأعظم. انهارَ مجازُ المنْسَأة. يا كراريسَ النّضجِ المتصرِّمةِ حول جثّةِ النجاة، الكَعْ الكَعْ يا تيتلَ الأسفارِ القلويّة، على ظهرِكَ كتبُ القانون وأحمالُ العشائر وجمَلونات الطفولة؛ مَتروكةً لتجفّ في ترعة مبروكة، لا أعرفُ كيف أكشُطُ ملحَها من لساني.

‎بكهانةِ العدلِ المكتوبِ على ظَهرِ وحيدات الخليّةِ تكراراً متنوّعاً فريداً لسلسلة العمل؛ أتحوّل. وبمُزعةِ الجبَل.

‎بورتريه الشّذرة

‎أستَرِقُ الوَجدَ

‎لئلّا أستحِثَّ المصائرَ الخفيّةَ المنحدِرَة،

‎اللّيلُ نافورةٌ من الخفاء.

‎التأَمَ حشدُ النّباتِ البربريّ

‎الغابةُ بذرةٌ واحدةٌ موّارة.

‎قمَرُ الاكتئابِ يَدورُ حولَ نفسه

‎يا للدّمعةِ المنيرةِ ذاتياً.

‎لا لزومَ للغُفران

‎الواعظُ يُحتضرُ في أحلامِ قطٍّ برّيّ.

‎كلّ ما نَعرفُهُ

‎فيه شيءٌ من ذلك الهرَبِ من عذابٍ لم نَجد القوّةَ لتركِهِ يصير.

‎النِّيلُ لغةٌ ناطقة.

‎أسيرُ في شوارعَ غارقة

‎الجليدُ يَختصرُ التاريخ والجغرافيا

‎أنا العالمُ الثّالث بحذائِهِ المبتَلِّ اليتيم.

‎عراءُ المجرّةِ يتوغّلُ في الجزيرة

‎قيعانُ البلطيقِ ترتفعُ عن سطح البحر

‎المحارُ التَهَمَ نجمةَ الصّباح.

‎الرّخويّاتُ في الخلفيّة

رأيتُ الرّجلَ أخرسَ مُرتجفاً يَتلو قصيدة

‎لجمهورٍ في كرْبٍ عظيم،

‎التنّين يخرُجُ من فمِهِ في جَزرٍ ومدّ

‎والجمهورُ يقتربُ يبتعدُ تحت صَهدِ الكلمات،

‎تقوَّسَ الأفقُ واحتَدّ

‎وارتجَفَ كلُّ جَنانٍ مثلَ هِرٍّ جبليّ

‎عبرَ التنّينُ فوقُ رؤوسِ النّبات

‎مُتعطّشاً لمملكتِهِ الفريدة

‎مُزدرياً إيّاها كونَهُ عارٍ دونها

‎قالَ لكلِّ نبتةٍ تكلَّمِي لأراها

‎تكلَّمِي يا درَنات الماء

‎تكلَّمي يا سلعوّةَ درب الأربعين

‎لكنْ انشَقّت الحملةُ عن أسطوانةٍ إداريّة؛

‎من كان لديه جثّة ليَنطِقها الآن أو يسجّلها في الكمبيالات،

‎قال طبيب إسماعيل باشا وهو يُجري معادلةً حسابيّةً في رأسِهِ: جَمعتُ ستمائةَ أوقيةً من الغضَاريف،

‎آذان الشّايقيّة، يا مولاي، ليست سيئة، لكنّها تتعفّن بسرعة.

‎الرّخويّات في الخلفيّة

‎بطيئةٌ بطيئةٌ مثل اللّغة

‎وفي آثارِهَا على الرّملِ تهدِرُ البريّةُ بالترجمة،

‎ما هذا العالم؟

‎البطنُ المبقورُ الحافلُ بالطّرائدُ هذا العالم

‎القمَرُ مُرقّطاً يَسبحُ على ظهرِهِ في البازَلت العالم

‎يَضربُ بفخذيهِ مُستكشِفاً فلزاتِ التّوصيلِ الجيّد

‎مُنقّباً غيهبَ روحِهِ عن القصدير

‎العالم كلُّ مَن لا يَذكرُ دودةَ قزِّهِ مَسجونةً في خُصيةِ الإسكندر الأكبر

‎إنّه لا يتذكّر الله

‎ناهيك عنا عمّال الدّرَت،

‎طارَ ريشُ النّعام طارَ الذي رفَسَ الطّيَران طارَ المنزُوعُ الفوّاحُ المحشورُ في أكياسٍ قطنيّةٍ

‎إلى مُصَوّع

‎ثمّة خريطةٌ توضيحيّةٌ يتبادلها جنديّان مثل نارجيلةٍ مملّة

‎حولَ كيفَ يُمكنُ لثَورين فقط رفعَ قلبي بكلّابة

‎اتّبعوا الإرشادات يا جماعة

‎باقي العمليّة إنزال عادي

‎على فئرانِ قَعر السّفينة.

‎الصّافرة برَقت في خفاءِ البحر

‎الحُلفاءُ الحُلفاءُالحُلفاءُ في رَحمٍ مُبقّعٍ وغريب

‎بدأت تجارةٌ صغيرةٌ قوَامُها الفورمالين

‎العالمُ رائحةُ فورمالين مُهرَّب

‎ضاعَت جثّةُ البحرِ في أمواجِ جُثث العبيد

‎أجهضَتنا السّفينة

‎الإمكانُ احترَق

‎وتوقَفت اللّغةُ، التي لم نعرفها أبداً، عن الوجود.

حسين جمعان

‎أشجار ماكبث

‎يَنطلي مَهْربُ الصّمتِ على آلة الكيان.

‎شراعٌ قروحيٌّ يَصيدُ إلهاً نائياً عن جنّة الرّيح.

‎يَتحرّرُ الجُوعُ من ربقةِ الفهدِ الخائضِ في عَظمِ الخيال،

‎حتى الغلالةُ المحمومةُ تَنطلي وتنهلُ الجسمَ إلى أصفارِه.

‎تَتخرّجُ كنايةٌ من قنطرةِ هلاك

‎تُبحرُ خفيفةً في القُعورِ العُلويّةِ لمادّةِ الجهل،

‎يَنضجُ أخيراً القطارُ الرّئويّ،

‎يَنضجُ أخيراً المسيحُ المقرور

‎تَفوحُ نحاساتُ الوطأة

‎يَخرجُ الماضي من شرنقةِ الغدِ والشّرنقةُ إلى فراشتِها الجديدة

‎ويكشفُ الرّبّ عن جمهورِه الكرستاليّ

‎كان،

‎والغابةُ نافورةُ زرافاتٍ تطفو في ظفرٍ يتحسّس الخلود،

‎غارقاً وحيداً في بداهةٍ ذهنيّةٍ فائرة.

‎مَلاكُ الصّمتِ انطَلى على آلة الرّيح والدّم،

‎تَنشُبُ في نخاعِ اللّيل

‎لحظةٌ سكونيّةٌ

‎وسَرطانٌ أعزَلُ في غَزلٍ وشُروحاتٍ

‎يَموءُ الهوامشَ

‎وناهباتُ اللّذَة

‎تُمصمِصُ بعضَها تحتَ الغرور.

‎أيّتها الرّحلة المعتصَرة من ضَرعِ الهذيان

‎يا حرباً مَيؤوساً منها مع حكمةِ الخلَل

‎بدأ مكانٌ بمَوتِ رشيدة

‎فاضت اللّحظةُ السّحريّةُ المتآكلة

‎فاضَ التآكلُ الرّحيمُ الذي كُنّاه

‎لقرون استمرّت جثّتُنا دونَ حَلٍّ مثلَ عاهةٍ قمَريّة

‎متكوِّرينَ على الدّمِ النّاجي من مذبحةٍ بعيدة

‎جَزِعينَ من الوجهِ القاتلِ للضّجَر.

‎الكتابةُ ذئبةٌ طارَت من مِفصَدِ الدّم

‎من أجلِ هذا التلوُّث خُلِقَ هيكلُ الافتراسِ الضّامر

‎خُلِقَت الطّرقُ والمتاهاتُ المرسومةُ على أطلسِ الأثداء،

‎خُلِقَت الرّائحةُ الدّقيقةُ للإمكان

‎وخُلِقَ الضَّياع.

‎تَنغلِقُ الأسرارُ على المغارة

‎تَتعرّى البحارُ من الماءِ مُلقيةً مِئزرَ الطّحالبِ في الغسيل،

‎ليَبدأ فصلُ الحُصولِ مُتصاعدُ الشّهوة

‎تتفتّقُ مَواكبُ القيعانِ فجأةً عن نهرِها الجبليّ وتَسيلُ الأقاليم،

‎وكما تُولَدُ الحاجَةُ المرعبةُ إلى الألم

‎يُولَدُ مُستحيلٌ نَزيهٌ مجّاناً مع كلّ عبوةِ حرّية

‎ومع كلّ شَمسٍ تَلهثُ غابةٌ

‎هي القلبُ

‎صوبَ كياسة المجهول.

‎أيّتها الخطرة، يا مخالَطةَ الوقتِ المتكدّسِ في الجنين

‎يا مجالَسةَ السّحرِ الجائسِ في اللّحظةِ الهاربة

‎أيّها التسرُّبُ إلى الفخِّ والتّرويض

‎ويا الرّحمةُ القتيلُ للأمومةِ الوحش.

‎البَحرُ كلُّ خطٍّ لا ينتهي بمقبرة

‎إقلاعٌ مَغمورٌ يَحملُ في ظَهرِهِ بغالَ التّجديد

‎إلى مُستقبلٍ مَنسيٍّ مُرتعشٍ من لذّة عُثورِه،

‎إلى حقلِ القرُوحِ الذّهنيّة

‎حيثُ في مُعسكرَاتٍ مُعقّمةٍ

‎تُستزرَعُ الرّئةُ في شمعدانِ السُّلّ

‎وتَنبُتُ في كلِّ مرّةٍ شمسُ الحياة.

‎لماذا،

‎مثل أيّ جثةٍ،

‎لا يَكبرُ الألم

‎لماذا

‎ينهضُ

‎مارداً

‎بليغاً

‎عارفاً

‎إلهاً

‎يأكلُ مثل مجاعةٍ

‎ومهما يُقصَفُ بفئرانِ التجربةِ

‎لا يَصرخ

‎إلهي إلهي…

من مجموعة جديدة للشاعرة تصدر عن دار نشر «توتيل» في استانبول


شاعرة من السودان مقيمة في ستوكهولم