الشلاّل

نص قصصي سينمائي

الجديد  نبيل المالح [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(28)]

لوحة: بهرام هاجو
ندى هي فتاة سبع سنوات من العمر. اليوم هو يوم عطلة المدارس من نوع ما. والد ندى، إبراهيم، هو موظف صغير في محطة تلفزيون محلية. فرض عليه أن يأخذها معه إلى مستشفى التوليد حيث تنتظر زوجته مولودا جديدا.

يحاول الأب أن يترك ابنته مع والدتها في المستشفى لأنه لا يمكن أن يتركها وحدها في المنزل، ولكن الأطفال غير مسموح لهم بالدخول إلى محطة التلفزيون حيث يعمل. كما ترفض إدارة المستشفى رفضا حاسما السماح لندى بالبقاء في المستشفى، وبالتالي يجد الأب نفسه مضطرا أن يأخذها معه للعمل. إنه يحاول التوصل إلى سبل لإدخالها إلى محطة التلفزيون.

المشكلة في ندى، والتي تنعكس على كل شيء حولها، هو خيالها الفائق، مما يخلق الكثير من المشاكل. الخيال الذي يسبب المشاكل عن طريق الخلط بين الخيال النهائي لها مع العالم المحيط. والدها هو على بيّنة من هذه المشكلة ويبذل جهده لتلافي المشاكل الناجمة عن ذلك.

يعبر الأب وابنته الشوارع المزدحمة من المدينة باتجاه محطة التلفزيون، ولكن المدينة تبدو مختلفة عن أيّ واحدة أخرى. يبدو كما لو أنها مزيج من عشر مدن شرقية جمعت في مكان واحد.

ندى، من ناحية أخرى، مثلما هي عادة ما تكون في لحظة من حياتها، تخلق عالمها الخاص بك. إنها تخترع مفردات عالمها من محيطها بالطريقة التي تناسب اتجاه خيالها.

وبالتالي، كل التفاصيل حولها هي مصدر إلهام لأشكال وأفكار وتأملات لا أحد يمكن أن يتنبأ بتوجهاتها. كل ذلك هو عالم رائع وغريب. بل هو أيضا بديل لرتابة الحياة التي تحيط بنا.

الوالد حائر في كيفية إدخال ابنته إلى مقر التلفزيون.

الموظف في مكتب الاستقبال هو رجل صارم غير مرن ولا يسمح لها بالدخول بأيّ ثمن، لأن الأطفال ممنوعون منعا باتا من دخول المحطة. لذلك، فإنه يصبح ضحية لتأملات وخيال ندى.

يأتي الإنقاذ في نهاية المطاف. في وصول حافلة نقل الأطفال الذين يشاركون عادة في برنامج الأطفال الأسبوعي. وتشرف عليهم السيدة المستبدة (غريتا)، التي توبخ باستمرار (سامي)، وهو واحد من الأطفال الذين يثيرون غضبها بشكل مستمر. وهي مقتنعة بأن سامي يفتقر الانضباط والموهبة.

ندى وسامي يتبادلان الشعور بالظلم. وهذا يؤدي إلى مساعدة سامي لندى على إخفاء نفسها بين الأطفال الآخرين في الحافلة والدخول إلى مبنى التلفزيون.

داخل مبنى التلفزيون، يحاول الأب إخفاء ندى في مكان ما. ولكنه يبدو أن هناك مشكلة أخرى، فالبناء يغلي تماما. جميع المديرين والمسؤولين التنفيذيين هم في حالة تأهب كالم وتوتر لأن المالك الجديد لمحطة التلفزيون سيزور المبنى اليوم. والجميع في حالة تأهب قصوى من أجل تنظيم المكان وجعله في أفضل حالاته.

الأب في حالة حيرة كاملة، وجميع الموظفين والمديرين والحراس يقومون بدوريات في الممرات والغرف، بحثا عن أيّ شيء قد يغضب الزائر حاليا.

في نهاية المطاف، تساعد مذيعة لطيفة الأب. وتنصح بإخفاء ندى في الغرفة التي لا يمكن لأحد أن يبحث فيها، فهي مستودع الأجهزة البالية المنسقة والمهملة من معدات التلفزيون.

يدفع الأب ابنته إلى تلك الغرفة وهو يرجوها أن تبقى هادئة وعدم إثارة أيّ مشكلة حتى يأتي الزائر المهم وتصل زيارته إلى نهايتها.

وفي الوقت نفسه، فإن غريتا، المشرفة على برنامج الأطفال، تطرد سامي لتحديه وعدم رغبته في تنفيذ الرقصات والأغاني المملة السخيفة التي تطلبها.

يمشي سامي في ممرات المحطة وقد سيطر عليه شعور بالملل والإحباط، ولكنه يكتشف ندى التي تتلصص النظر من أحد الأبواب وتدعوه للانضمام إليها إلى داخل مستودع الأجهزة التالفة.

داخل المستودع المظلم، أعداد هائلة من المعدات التالفة أو المنسقة وشاشات قديمة وأجهزة متراكمة. وقد غطّاها الغبار وشبكات العناكب. يبدو وكأن لا أحد دخل هذه الغرفة منذ سنوات.

يتجول الطفلان في أرجاء المستودع، ويتعثران بالمعدات المكدسة. ويكتشفان أنهما غير قادرين على مغادرة المكان، فالممرات مكتظة بالحراس والمدراء وهم يقومون بدوريات في الممرات وبحث كل مكان لإزالة كل ما يمكن أن يكون مزعجا لعيون الزائر الهام.

الأب، الموظف البسيط في المحطة، يواجه الكثير من القهر والتهميش وهو يتابع عمله في توزيع البريد على الغرف والمكاتب والستوديوهات، والكل منهمك بالإعداد من أجل زيارة الزائر المهم.. أما في الستوديوهات فالبرامج التقليدية السخيفة هي السائدة، أما برنامج الأطفال بقيادة غريتا فهو برنامج سخيف تقليدي يعتمد على أغان بالية يساهم فيها موسيقيون شبه نائمين. وفي ستوديو آخر تقدم المذيعة نشرة الأخبار وكأنها تقرأ نعوة أو مراسم تشييع.. فيما يتم التحضير لتصوير إعلانات عن صابون أو مساحيق تجميل بطريقة سخيفة ومزرية.

أما بالنسبة إلى برامج المنوعات والتي من المفترض أن تكون مضحكة، فالجمهور المشارك عابس. ولا أحد باستثناء مقدم البرنامج ثقيل الظل. إنه سعيد مع نفسه ومع أصوات الضحك المسجلة مسبقا والتي تستدعي المبالغة في الحركات والتعابير.

يشعر الطفلان بالملل في المستودع الذي أرغما على الاختباء فيه.. ويبدآن بمحاولة تزجية الوقت باللعب بالأجهزة الميتة. وتلعب ندى بالضغط على أزرار بيانو، ولكنها لا تدري أن كل ضربة على البيانو تجد فعلها على مقاعد المجتمعين في مجلس الإدارة، حيث يشعر المجتمعون بأن هنالك قوة سحرية عجيبة تتحكم في مقاعدهم، ويتولد ليدهم الإحساس بأن مؤامرة إرهابية ما ضد المحطة.

يضغط سامي على بعض الأزرار، فتضاء أضواء بعض الأجهزة.. ويبدو أن جميع الأجهزة قد بدأت بالعمل ودبّت الحياة في الشاشات العتيقة، وظهر عليها كل ما يجري في الستوديوهات، والطفلان لا يعرفان ذلك ولكنهما يحسان بأن كل ما يفعلانه على الأجهزة يؤثر على ما يجري في الواقع في الستوديوهات.

يستغرق الطفلان باللعب وهما يشاهدان تأثير لعبهما على البرامج، خاصة وأن لعبهما وخيالهما يجعل مواد البرامج أكثر ألقا وحيوية.

بهرام هاجو

تكاد غريتا، المشرفة على برنامج الأطفال أن تفقد صوابها وهي تكتشف أنها قد فقدت السيطرة على البرنامج وأن كل ما يجري هو عكس قراراتها. ولكن جمهور المشاهدين قد أصبحوا مأخوذين أمام سحر وخيال وابتكار البرنامج الذي أصبح مختلفا تماما عن الصيغة التقليدية الجامدة التي كان عليها.

أما فنيو المراقبة، فقد أصبحوا عاجزين عن إيقاف هذا التدخل، ويسيطر الرعب على المديرين، خاصة وأن موعد زيارة الزائر الهام يقترب، وهو الذي سيكون مالك المحطة الجديد. وتسري الأخبار بأن هناك مخربين قد استولوا على المحطة، فتصدر الأوامر للحرس والجنود للقيام بعملية بحث مكثفة في جميع أنحاء المحطة بحثا عن هؤلاء المخربين.

ندى وسامي مستمتعان بلعبتهما، وهما الآن يتدخلان بنشرة الأخبار، حيث يغيران من اشكال المذيعين والمذيعات الجامدة ومن القراءة الجامدة، فتصبح نشرة الأخبار أكثر جاذبية. ويذهبان إلى المسلسلات الدرامية فتغدو أكثر إنسانية ومرحا ويلغيان العنف، ثم يذهبان إلى برنامج المنوعات ثقيل الظل، فيجعلانه مرحا حافلا بالمفاجآت الطريفة. ثم يدخلان إلى الأفلام المعروضة، ويكتشفان أنها حافلة بالقتل والعنف وإطلاق النار، فيحوّلانها إلى عروض إنسانية مؤثرة. أما في برنامج الرياضة، فهما يحوّلان مشاهد المصارعة الحرة إلى نوع من الرقص الحديث الذي يؤديه المصارعون.

***

على إحدى الشاشات، يظهر قتال بأشعة اللايزر في شوارع مظلمة، ويبدو أن هناك مطاردة بين رجال قساة مدججين بالسلاح ومخلوقات فقيرة صغيرة ذات لون أخضر زاه، ويتعاطف الطفلان مع المخلوقات الصغيرة المذعورة، وأحدها يهرب من مطارديه لاهثا مرعوبا.. ويصل به المطاف أخيرا ليخرج من الشاشة ويختبئ في الغرفة التي فيها الطفلان، حيث يحاول الاختباء بين الأثاث وبين الأجهزة. ولكنّ المسلحين القساة يخرجون أيضا من الشاشة ويلاحقون ذلك المسكين في أرجاء مستودع الأجهزة، ولا يعرف ندى وسامي كيف يمكنهما مساعدة الهارب المسكين. ولكنهما ينصبان فخا للرجال المجرمين وذلك بإعداد كيس للقمامة وتحضيره عند زاوية إحدى الطاولات، حيث يتزحلق الرجال إليه، فيسارعان لربطه وإغلاقه.

***

سامي وندى مذهولان بسبب مغامرتهما المفاجئة، ويقرران متابعة اللعب وابتكار أشكال جديدة وممتعة للبرامج.

جميع التغيرات التي يقوم بها الطفلان تظهر على شاشات المشاهدين، والجميع مأخوذ بهذا الوجه الجديد والطازج لهذه المحطة.

أما المسؤولون في إدارة المحطة، فهم يشعرون بذعر بالغ عند مشاهدتهم ومتابعتهم للتغيرات المفاجئة التي طرأت على البرامج والتي غدت جذابة ومسلية بعكس نوعية المحطة الجادة الصارمة.

يشعر والد ندى بالأسى والغضب وهو يشاهد ما يجري في المحطة، ويعلم أن ابنته بخيالها الجامح هي التي تقف وراء ما يجري. فيتسلل إلى المستودع، خفية عن عيون الباحثين والحراس، وينضم إلى ابنته وزميلها سامي، حيث يفاجأ بالألعاب المجنونة التي يمارسها الاثنان على برامج القناة.

يرى الأب هذا التدخل المذهل للطفلين في البرامج، تدخل جميل ومبتكر ولكنه مرعب من وجهة نظر الإدارة. ويحاول أن يقنع الطفلين بالانصراف والهرب، ولكنه يشاهد على الشاشات كيف أن المحطة قد استنفرت كامل طاقتها من موظفين وحراس ومدراء للبحث عن هؤلاء المخربين. ولكن الذين يبحثون عن الطفلين هم أنفسهم الذين كانوا يمارسون عليه شتى أنواع الضغط والقهر، فيقرر الأب أن يشاركهما اللعبة.. حيث أصبح باستطاعتهم التأثير على حركة الأفراد من مدراء أو حراس فيقومون بتحويل الرسميين إلى راقصين، والذين يصرخون ويتهمون إلى مطربين، وموظفو السكرتاريا إلى موسيقيين. وعمليا، فإن البناء بكامله بدأ يرقص ويغني. وبدأت بالظهور رسوم طفولية مشرقة على الجدران. وتغيرت ألوان البناء، فأصبح أكثر إشراقا وتفاؤلا بعد أن كان لونه هو الإسمنت الرمادي الكئيب.

يكاد مدير المحطة يصاب بالجنون وهو يرى أنه فقد التحكم بحركاته، ويستجمع كل طاقته لإصدار الأوامر بالاستنفار الكامل لإيجاد هؤلاء المخربين بأيّ ثمن.

وأخيرا، وبعد تمشيط الغرف واحدة بعد الأخرى، أصبح لدى الإدارة معرفة بالمكان الذي يمكن أن يكون فيه المخربون. فتتم محاصرة المستودع حيث الأطفال ووالد ندى.

وتتم المداهمة بشكل مفاجئ، مما يرعب الأطفال، ويركض الطفلان، بينما يحاول الأب تعطيل حركة المهاجمين. ويركض سامي مع ندى في أرجاء المستودع، ولكن سامي يتعثر بإطار خشبي فيه صورة فوتوغرافية كبيرة للغاية، ويجد سامي نفسه وقد سقط مع ندى في فضاء الغابة. ويلاحقهما الحراس، ولكنهم يصطدمون بالسطح القاسي للصورة.. ويقف الجميع مذهولين.

يجد سامي وندى نفسيهما في هذا المكان المدهش، إنها غابة من خارج هذا العالم، وهما يسبحان في دفق من الأنوار والضياء والألوان. وكل شيء يتفجر عن أشياء ومشاهد خارقة الجمال. حتى قطرة الندى تخفي في داخلها عوالم خيالية ساحرة. وفي داخلها يلتقيان بكل الأفراد الذين التقيا بهم.. ولكنهم أناس بالغو اللطف والحرارة الإنسانية.. حتى الذين كانوا أعداء يظهرون وهم يطيرون مع بعضهم في انسجام بالغ في هذا الكون المدهش. وتخفي ندى في يدها واحدة من قطرات الندى المدهشة الحافلة بالعوالم السحرية بموسيقاها السحرية.

وهناك في عمق الغابة الساحرة يتجهان نحو بوابة هائلة، وما إن يفتحانها حتى تبتلعهما ويجدان نفسيهما وهما يطيران في فضاء غريب وممرات وأنفاق لانهائية، ويسمعان أصواتا بعيدة لصفارات إنذار. وفجأة يجدان أنهما قد خرجا من أنابيب تبريد الهواء في إحدى غرف المحطة فيبحثان فيما حولهما، ليكتشفا أن المكان خال من أيّ إنسان أو موظف. وعندما ينظران من النافذة، يكتشفان أن جميع الموظفين قد أصبحوا خارج المحطة بانتظار استقبال الزائر الهام، وهنالك فرقة موسيقية عسكرية وإجراءات صارمة تقليدية، بيدو الأمر وكأنه عرض عسكري.

موكب الزائر المهيب يقترب من بوابات المحطة، والاستقبال الرسمي الحافل بالانتظار.

يكتشف الحراس وجود ندى وسامي، فتصدر الأوامر بإلقاء القبض عليهما. وتبدأ مطاردة. ويبدو أن الطفلين قد بدآ الشعور بالحصار حولهما ولا يعرفان ما المفر. ولا تجد ندى من طريقة سوى أن ترمي العسكر الذين صوبوا بنادقهم نحو الطفلين بنقطة الندى السحرية التي احتفظت بها في يدها. ولكن نقطة الندى ترتفع وترتفع في السماء لتنفجر إلى ملايين النجوم الملونة التي تتساقط ببطء، وتتساقط على البناء الإسمنتي فيتغير لونه الإسمنتي الجامد إلى ألوان زاهية. وتسقط على الحراس والجنود بملابسهم العسكرية الثقيلة فتتغير الألوان إلى زاهية بهيجة. وعوضا عن الموسيقى العسكرية الجاهزة لاستقبال الزائر، تتحول إلى موسيقى راقصة حافلة بالحيوية. ويتحول الجميع من جموع جامدة إلى جموع ترقص وتغني، تغني أغنية الحب بمختلف اللغات.

الزائر الهام يصل وما إن يترجل من السيارة متجهما، حتى ينقلب إلى شخص آخر، ويشارك الآخرين الرقص والغناء، بل وهو يقود الآخرين إلى مزيد من الفرح والبهجة.

مجلس الإدارة المتجهم لهذه التحولات المفاجئة يركض لقطع الكهرباء التي تعمل عليها كل الأجهزة، ويستطيعون قطع الكهرباء فيتوقف كل شيء. وتعود الألوان الشاحبة السابقة والمناخ البائس الحزين، ودهشة وخيبة أمل كبيرة تحيط بكل الناس.

ولكنّ طيورا كانت تشارك في الاحتفال، تسارع للطيران وتعيد مفاتيح الكهرباء، فيعود الفرح والبهجة على الجميع.


مخرج سينمائي من سوريا مقيم في دبي

مقالات أخرى للكاتب:

  • كأنني‭ ‬أبدأ‭ ‬اليوم