السلطة ضالّةُ المؤمن والكافر

على النقيض مما أكّد عليه النبي، فإن الحكمة لم تعد ضالة مؤمني داعش والقاعدة والإخوان الرحم الأم لكل تلك الجماعات التي ظهرت تالياً، ولكن هدفاً آخر لا ينفك يشغل تفكيرهم، منذ أن قرروا التشبه بالآخرين وهجر مقاعد الدرس ومنابر الجوامع ولبسوا بدلاً من العمامة والجبة، طربوش السياسيين وحملوا عصاهم، ليس للإشارة بها في الخطب البليغة بل لزجر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عالم السياسة لا عالم الدين.

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(32)]

لوحة: أحمد قليج
وكذلك فإن تضحيات كبار الشعراء والفنانين ومحرري العبيد على مر العصور، لم تكن هي ذاتها مطالب العلمانيين، الذين فقدوا ذاكرتهم في لهاثهم نحو طريدة أخرى.

لكن الشأن السياسي له تعقيداته الخاصة، والتي لا يسهل الحديث عنها دون الخوض في تفاصيل كثيرة وتقاطعات أدت وتؤدي إليها، غير أن الشأن الثقافي في ما يتصل بالسلطة والرنوّ إليها، يبدو أكثر إلحاحاً، لأنه هو ما يتسبب بتشوهات السياسة والمجتمع في ما سيلي تغيير “العقد الثقافي” إن صحت التسمية.

عقد ثقافي؟

ما هو الشكل الذي اتخذته العلاقة بين المثقفين والمجتمعات التي خرجوا منها، ونبتوا في تربتها؟ وإن كان التناقض بين طرفي تلك المعادلة، هو المنطقي حين يبدو المثقف رائداً متقدماً على بيئته، فإن الصراع معها سيكون طبيعياً إذّاك، ولكن ليس القطيعة، فالأخيرة تترك المجتمع نهباً لمن لا يقطع معه، ذاك الذي يريد الهيمنة عليه، واستثماره والتحكم بسلوكه وضبط مفاجآته التاريخية، ولن يكون هذا المتربّص سوى واحد من اثنين، نظام الحكم أو الأكليروس.

إن عقداً مضمراً بين المثقفين والمجتمع، يبدو وكأنه قد أبرم عبر تاريخ حرص خلاله المثقفون على ما سمّي بـ”الأصالة” التي رفضت قطع صلاتها بجذورها، تلك الجذور هي التي تلتقي مع الناس في ينابيع مداركهم، وبقي هذا العقد الثقافي، يتسع ويضيق بفضل التدخلات التي يمارسها كل من الحاكم ورجل الدين، ويتمتع بمحاسنها المثقف والمجتمع تارة، ويسحقون تحت جنازيرها تارة أخرى، حتى ظهر التغير الكبير في نمط سلوك الأطراف الأربعة معاً.

فقرر المثقف “القطيعة” التامة مع المجتمع، والذهاب نحو العالم الافتراضي، قبل ولادة العالم الافتراضي ذاته، وترفّع عن أولئك المغبرة وجوههم والمشحّمة أيديهم من سكّان المناطق العشوائية والأرياف ذات العادات و”الروائح” التي طالما أزكمت أنوف المثقفين.

عثر نظام الحكم على وصفته لقطع الطريق على المثقفين، وتشويه صورتهم بكل شكل ممكن، أمام الجموع التي يريدها له وحده، لا يشاركه في حكمها سلطان، حتى لو كان لشاعر أو رسام أو ممثل أو نحات أو روائي أو مؤرخ.

وذهب رجل الدين، نحو استثمار انهيار العقد الثقافي، للحلول محل المثقفين في قيادة المجتمع، فهو إذ يعتبر العلوم الشرعية “ثقافة” لا يجد حرجاً في اعتبار ذاته مثقفاً بدوره، وبالتالي طبقة طليعية رائدة عليها ولها أن تقدّم شكل المستقبل.

أما المجتمع، فآثر بمكر تلقائي اتقاء شرّ الأقوى بين هؤلاء، ونبذ الأضعف، فلم يجد سوى المثقفين ليقطع معهم كما قطعوا معه، وهنا يعود السؤال القديم الذي طرحناها مراراً (لماذا اختارت الملايين الغفيرة من شعوب الشرق الانخراط في فساد نظام الحكم بدلاً من الاحتجاج عليه؟).

ولأن العلاقة بين المثقفين من جهة والمجتمع ورجل الدين ونظام الحكم من جهة أخرى، باتت على تلك الصورة، ذهب المثقفون نحو ثأر من نوع آخر، من كل من لا يتوافق معهم، فتشكلوا وانتظموا في أحزاب وتنظيمات لا مشروع لها سوى الوصول إلى السلطة، للبطش بكل من المجتمع الجاهل ورجل الدين الرجعي والحاكم المستبد، ولكن أدواتهم لم تكن تسمح لهم بالانتصار في ذلك الصراع غير المتكافئ، فتحوّلوا إلى ضحايا له، وامتلأت بهم السجون، وطردوا إلى المنافي، ومن بقي منهم بخير، لاذ بقويّ من أولئك الأقوياء الثلاثة ليكون ظلّه حيث لا ظلّ إلا ظلّه، فنشأ مثقفو السلطان، ومثقفو الطوائف والمذاهب، ومثقفو التسلية الاجتماعية في مجالات لا تزعج أحداً.

السياسة نجاسة

بقيت الساحة خالية لمتحاربين اثنين، نظام الحكم ورجال الدين، الذين كانوا قد أسسوا لأنفسهم هياكل تسمي نفسها سياسية، غير أنها تتخذ السياسة قناعاً، وليس بعيداً عن هذا قول الرئيس المعزول محمد مرسي في إحدى خطبه الأخيرة “السياسة نجاسة”، وهو الذي كان وتياره الإسلامي كاملاً (الإخوان المسلمون) متحالفاً مع نظام حسني مبارك، بعهد واضح المعالم، مكّنه ومكّن أعضاء آخرين في الجماعة من دخول البرلمان المصري، فكانوا نواباً في زمن الاستبداد، ولم يكونوا ضحايا كما حلّ بالمثقفين الذين عزلوا تماماً عن التدخل في الشأن العام.

قرر المثقف “القطيعة” التامة مع المجتمع، والذهاب نحو العالم الافتراضي، قبل ولادة العالم الافتراضي ذاته، وترفّع عن أولئك المغبرة وجوههم والمشحّمة أيديهم من سكّان المناطق العشوائية والأرياف ذات العادات و”الروائح” التي طالما أزكمت أنوف المثقفين

تم توظيف المجتمع في خدمة المشروع الباطني للإسلام السياسي، والذي كما سبق وأشرت كان قد اتخذ السياسة والمفاهيم المدنية قناعاً لا أكثر، للمشروع الديني، الذي لم يتزحزح أنملة عن مبادئه القديمة المنادية بالخلافة، كما في مراحل حسن البنا الشهيرة.

واستخدم الوعظ ومال الصدقة والزكاة في توجيه الناس، ليكونوا خزاناً بشرياً للمشروع الديني، وكان الهدف الحقيقي والأوحد هو الوصول إلى السلطة، وليس إلى تطبيق مفهوم “الدعوة” التي يرفع شعارها الإسلاميون كل حين، فتلك الدعوة لم تكن سوى دعوة لتحشيد الناس، لا إلى هدايتهم لدين جديد.

بينما ذهبت القاعدة واستيلاداتها المختلفة إلى الفتك بنظم الدولة حيث ظهرت، والضرب في كل مكان، لاستدراج العنف الأميركي كما في تنظيرات أسامة بن لادن وأبو مصعب السوري الذي يعتبر فيلسوف القاعدة والجهاديين، وقد وضع كتباً عديدةً في هذا مثل «باكستان مشرّف.. المشكلة الحل والفريضة»، وكتاب «مختصر شهادتي على الجهاد في الجزائر»، بالإضافة إلى عدد من الشرائط الصوتية منها «قراءة في التجربة السورية» و«دروس في نظرية حرب العصابات» و«واقع المسلمين.. الأزمة والمخرج» في كابل، وشريط “الجهاد هو الحل” في العام 2000 في كابل.

و”ظواهر الأزمة الجهادية،” و”الحلول المطروحة للخروج من الأزمة”، و”أخطاء ومفاهيم يجب أن تصحّح”، وكتاب دعوة المقاومة الإسلامية العالمية” الذي يتطرق فيه إلى ما يسميه “الجيل الثالث من الجهاديين”، وكتاب “أهل السنة في الشام في مواجهة النصيرية والصليبية واليهود” الذي تذكر المصادر أن اسم جبهة النصرة مشتق من أحد النداءات التي وجهها أبو مصعب في نهايته في قوله “من الشام المباركة في مطلع الستينات كانت بداية انطلاق الجهاد، وفيها ازدهرت في الثمانينات، وإليها تعود اليوم إن شاء الله، فالنصرة النصرة يا إخوة الجهاد”.

ليأتي الجيل المستولد الجديد، والذي مثله تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، مفصحاً أكثر عن المشروع السلطوي لتلك الحركات، بانقضاضه على المناطق وتكسيره للحدود، وإعلانه “دولة”، وبسطه لـ”سلطة” مطلقة تطبق شريعة خاصة غاشمة، ضد من أسمتهم كفاراً ومرتدين وأعداء، متوجهة هذه المرة بالفعل إلى الانتقام من المجتمع بأسره، ومن نظام الحكم الاستبدادي في العراق وسوريا، ومعهما من ورثت العداء التاريخي له، من القاعدة متمثلاً في الغرب ودوله وحلفائه في الشرق.

لوحة: حسين جمعان

السلطة التي بحوزة الأنظمة

لم تنشأ الدولة في العالم العربي، نشأة طبيعية، بل إن جميع أنظمة الحكم التي رأت النور فيها خلال المئة عام الماضية، كانت إما ناجمة عن تحالفات قبلية وعشائرية اعترف بها العالم، أو عن تركيب تمّ وضعه مسبقاً بيد الدول التي استعمرت المشرق والمغرب.

واستمرت تلك الدول، تتقلب فيها السلطة، بناء على من يتمكن من الظفر بها، وتم إفشال التجارب الديمقراطية في كل من سوريا ولبنان وغيرها، ليستقر الأمر للأقوياء من العسكر، ممن اعتبروا أنفسهم بدورهم مثقفين من نوع آخر أيضاً، فلا المثقفون المدنيون ولا الإسلاميون أفضل منهم، ولا أحق منهم بالسلطة، كما رأوا.

صحيح أنه لا يمكنك التغيير دون أن تمتلك سلطة التغيير، لكن تلك السلطة ليست فقط، حيازة القوة غير المحدودة التي منحها لنفسها الاستبداد، أو تلك التي منحها لنفسه الإسلام السياسي بفضل ادعائه ربط سلطته بسلطة الله في السماء والنصوص المقدسة.

أما السؤال الذي عجز المثقفون عن العثور على إجابة له، فهو أين تكمن السلطة الأقوى تأثيراً، والأكثر تحكماً بأطراف المعادلة، والأبعد مدى في تأمين الاستقرار وتحقيق الرؤى؟

كان دور الشباب في انتفاضات الربيع العربي، إزاحة السلطة القائمة، وليس الحلول محلّها، وهنا خلق الخلل الذي أوصل بلدان الربيع العربي إلى ما وصلت إليه، فزهد الشباب بالسلطة، بل عجزهم عن مناطحة المطالبين التاريخيين بها، والذين استغلوا الشباب لإشعال الصراع من جديد، واكتفوا بالفرجة على حرب الملايين المطالبة بالتغيير، مع القوى التي لم تسمح ولن تسمح للتغيير بأن يحدث، لأنه ينتزع منها السلطة، والبلد الذي نجح فيه الشباب، كان الإسلاميون يسارعون إلى استثماره للقفز إلى السلطة، مطلبهم الأصيل، ليطبقوا سلطتهم السماوية المطلقة وغير المحدودة من جديد، وليتحولوا بدورهم إلى استبداد جديد لا يقبل الآخر ولا يتخيله شريكاً في الحياة فكيف في الحكم وهياكله ومؤسساته.

سلطة المعرفة

كثيرون، ومنهم الدكتور سالم يفوت في كتابه “سلطة المعرفة” الصادر عن دار الأمان في الرباط في العام 2005، رأوا أن مفهوم “السلطة”، بقي أسيراً لفهم الماركسيين في المجتمعات العربية، أي بمعنى الصراع على السلطة الماركسي القائم على صراع الطبقات وضد المفاهيم البرجوازية للسلطة. إلا أنه مع ميشيل فوكو وتيار الاختلاف في فرنسا ظهر المفهوم الجديد للسلطة، ففوكو يرى السلطة عبارة عن علاقة قوى، وهو متيقن أن كل علاقة قوى هي بالضرورة، علاقة سلطة.

اعتبر فوكو أن “السلطة” لا تمارس نفسها مثل الملكية المباشرة، فهي استراتيجية أكثر منها ملكية، ولا ترجع آثارها ومفاعيلها إلى تملّك ما، «بل تعود إلى تدابير وحيل ووسائل وتقنيات وأعمال» «فهي تمارس أكثر ممّا تتملك، ليست حقا تحتفظ به الطبقة السائدة وتحتكره، بل هي مفعول مجموع مواقعها الاستراتيجية». لذلك يقول فوكو عن السلطة إنها “ليست مؤسسة، وليست بنية، وليست قوة معينة يتمتع بها البعض، إنها الاسم الذي يطلق على وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين». ولا يلغي فوكو بذلك، الصراعات الطبقية أو يتجاهلها، بل يراها جزءًا من كل طرف من شبكة معقدة تشمل الكل.

أكّد فوكو أن الدولة، ذات السلطة التي قدّمنا أن أطراف المعادلة في العالم العربي تتصارع عليها، الدولة ذاتها مفعول وأثر للمجموع، ونتيجة للكثير من البؤر التي تجد موضعها في مستوى مختلف تماماً، عن ذلك الذي توجد فيه السلطة، وتمثل من جهتها أساسا لا مرئيا لها، أي ميكروفيزيائية السلطة. إذن السلطة هنا سلطة منتشرة ومبثوثة في الجميع وبين الجميع. فالسلطة علاقة بين كل الأفراد والمؤسسات والأفكار.

لكن السلطة تبقى مسألة معقدة، أمام كبار فلاسفة العالم، فكيف بمثقفين عرب، يشي خطابهم بقصور معرفي مهول، ومدارك شفاهية، أكثر منها كشغل كثيف وثقيل على المواضيع، ولنبق مع فوكو الذي نظر إلى السلطة ضمن تصورين اثنين، الأول هو، التصور القانوني أو الليبرالي للسلطة، أي التصور الذي نلمسه من خلال كتابات فلاسفة القرن الثامن عشر، والثاني من جديد هو التصور الماركسي للسلطة، الذي يرتبط بالتنظيرات ذات الأصول الماركسية لظاهرة السلطة السياسية في علاقتها بالبنيات الاقتصادية للمجتمع.

ذهب رجل الدين، نحو استثمار انهيار العقد الثقافي، للحلول محل المثقفين في قيادة المجتمع، فهو إذ يعتبر العلوم الشرعية “ثقافة” لا يجد حرجاً في اعتبار ذاته مثقفاً بدوره، وبالتالي طبقة طليعية رائدة عليها ولها أن تقدّم شكل المستقبل

يستغرق فوكو في قراءة فهم السلطة، على اعتبار أن النظريات الكلاسيكية للسلطة تنظر إلى السلطة كحق يُمتلك أو ثروة يُمكن تحويلها والتخلي عنها بشكل جزئي أو كلي؛ من خلال عقد يتفق عليه جميع أفراد المجتمع من أجل تأسيس سيادة ودستور للمجتمع قائم على التبادل العقدي، كما عند روسو الذي سعى إلى محاولة تأسيس مجتمع مدني قائم على حقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ في ظروف تخوّل لبعض الأفراد امتلاك السلطة بالشكل الذي يحقق نوع من التماثل بين السلطة والأملاك؛ أو بين السلطة والثروة.

وكذلك الأمر مع تحليل استراتيجية عمل السلطة في التصور الماركسي، الذي يقتضي ضرورة استحضار مفهوم “الوظيفة الاقتصادية” عندما ترتبط السلطة بعلاقات الإنتاج التي تسعى إلى ضمان هيمنة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج على الطبقة العاملة.

هل السلطة هي القمع والحرب؟

يعتبر فوكو السلطة كظاهرة قائمة أساسا على القمع؛ أي أنها برامج تسعى إلى قمع الغريزة (غريزة الفرد؛ الطبقة؛ المجتمع ككل)، وهذا ينسجم مع توجه ماكس فيبر الذي يعتبر القمع من الوسائل المهمّة والمشروعة التي تعتمدها السلطة من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار. وكذلك مع فرويد الذي يرى أن على البشر ومن أجل الاندماج مع المجتمع، كبت غرائزهم وقمعها بشكل مستمر.

أي أن السلطة هي الحرب المستمرة بوسائل أخرى، يقول فوكو إن “السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى”، وبالتالي فإن علاقات السلطة الممارسة في مجتمع ما، تبقى قائمة على الحرب وبالحرب؛ فالسلطة لا تتخلى عن الحرب أبداً، بل تعمل على تحييد انعدام التوازن، الذي قد يظهر بالضرورة هنا أو هناك، بحيث يكون للسلطة دور في إعادة تثبيت لعلاقات المجتمع، من خلال نوع من الحرب الصامتة المطبقة على المؤسسات والأجسام، الفعل الذي يجعل السياسة مجرد معاقبة مستمرة تتواصل فيها التفاوتات في القوة الظاهرة في الحرب أو الناتجة عن الحرب.

إن امتلاك السلطة على الحرب، يعني امتلاك سلطة القرار بشن تلك الحرب، وبتصور كهذا، تصبح السلطة التي يتصارع عليها الجميع، باستثناء شباب الميادين والساحات العامة والمظاهرات المدنية السلمية، حرباً جديدة على الإنسان في المشرق، وحين يدرك المثقفون أن صراعهم لحيازة السلطة إنما هو صراع لشن حرب جديدة قمعية وعنيفة ضد ظواهر المجتمع ومنها الجهل والتخلف والإرهاب والاستبداد ذاته، سيغيّرون من تخيلهم لذواتهم على أنها أضاح منذورة للذبح، تبوء بالخسران والضعف والهزيمة، وأن العالم يجتمع ضدهم كل مرة.

وفي خارطة كهذه، لا مكان لسلطة لا يمكن التحكم بها، كالسلطة المستمدة من السماء، كما عند الإسلاميين، أو سلطة تطبق ما تراه عبر الدبابات والمدافع والمعتقلات والقتل وتدمير المدن.

هو دور المجتمع إذن، الماكر الأكبر، والمنتظر الأطول بالاً وصبراً على المتقاتلين، كي ينتج سلطته المعرفية، غير القابلة للبيع والشراء والانتزاع، على يد هذا المثقف أو ذاك الملتحي أو ذاك العسكري أو ذاك المتاجر بدماء الخلق ومستقبلهم، سواء أكان مؤمناً أو كافراً أو بين بين.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا