التحقيق.. يوميات سورية

الجديد  راتب شعبو [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(78)]

لوحة: أحمد قليج
في مساء ذلك اليوم والأيام القليلة التالية كنت الابن المدلل لفرع التحقيق. فقد خصّني بكل اهتمامه ودلاله. وقفت في المساء أمام ضابط أراه للمرة الأولى، واضح أنه أكبر سناً وأعلى رتبة وخبرة من الضابط الذي قابلني في الكركون. رجل هادئ متهكّم، يخاطبني طوال الوقت بلقب “دكتور” بنبرة يتلطّى فيها الهزل في ثنايا الجد. عرفت فيما بعد أن هذا الرجل هو ضابط برتبة رائد، وكان مساعداً في الفرع ثم درس الحقوق وتطوّع في الشرطة وعاد ضابطاً إلى الفرع نفسه. خبرته واضحة. لم يبدأ معي أيّ حديث يتعلق مباشرة بتحقيقي. بدأ بالتعبير عن تأثّره لعذاب الأمهات على غياب أبنائهن، وهو يقصدنا نحن الأبناء الذين يملؤون الزنازين في الداخل. وقال إنه يغيب عن أمّه عشرة أيام وحين يزورها تحضنه وتبوسه وتعدّ له البامية التي يحبها، رغم أنها مطمئنة عليه وتعرف أنه في عمله، فكيف حال الأمّ التي لا تعرف أين ابنها ولا تعرف ما مصيره؟ يتكلم كأنه في سهرة وليس في جلسة تحقيق. هذه الطريقة ناجحة، جعلتني بالفعل أقلّ حذراً. غلبتني طبيعتي العفوية. طلب لي كأساً من الشاي، ثم أشار إلى صورة كبيرة لرئيس الدولة حينها (حافظ الأسد) معلقة على حائط المكتب، وقال وهو يبتسم ألا تراه كالشمس. سكتّ. فضحك ضحكة قصيرة ثم دخل إلى مواضيع شخصية عن الحب والعلاقات المنفتحة بين الشباب والبنات في الجامعة وسأل عرضاً: ألا توجد صبية ما يتقطع قلبها عليك وأنت معتقل الآن. قلت لا، قال مبتسماً إذن أنت تتفرغ للقضية، مع أنك ناجح في جميع موادك الجامعية، كيف تستطيع التوفيق بين الأمرين بسهولة. هذا النوع من التحقيق يشبه الإنزال ما وراء خطوط القتال، تصبح العناصر المعادية خلف ووسط العناصر الموالية. طريقة هذا المحقق هكذا، هي لا تقتحم خطوط التماس بل تقفز فوقها، لا تواجه بل تتسلل، لا يسألك هذا المحقق مباشرة هل لديك نشاط سياسي ما، بل يفترض أن هذا قائم ويتعامل مع نتائجه المفترضة. ويتثبّت من افتراضاته حسب الإجابات. طريقة ذكية وهادئة، غير أن كل هذا “التكتيك” تغيّر ما إن تلقّى المحقق مكالمة هاتفيه أنهاها بعبارة “حاضر سيدي!”.

تغيرت هيئة المحقق ونظر إليّ بطريقة جديدة أقل ألفة، وقال: لا أريد أن أتركك لهؤلاء الحمير كي يضربوك ويهينوك، أنت لا زلت بكرامتك إلى الآن، ولكن ما أن تمتد يد عليك حتى تتبهدل ولا يمكن أن تستعيد وضعك الحالي بعد ذلك، أنت الآن بلباسك وتجلس أمامي على الكنبة، أما إذا استلمك هؤلاء فمعناه أن تضرب وتجلس على الأرض بالكيلوت وتهان. أريد منك أن تخبرني كل شيء (هذه الكل شيء المعرّفة والمغرقة في الإبهام في الوقت نفسه!) كي أساعدك. ثم السيناريو المكرور: أوراق وقلم، اكتب كل شيء. ولكن ماذا يعني كل شيء؟ يعني كلّ ما تعرفه منذ ولادتك حتى الآن، اسم الأم والأب والأخوة والأعمام والعمات والخالات والأخوال وأين درست ومن تعرف وما هو نشاطك السياسي ومتى تنظّمت ومن نظّمك ومن هم أعضاء التنظيم ومن هم القياديون وأين تجتمعون وأين المطبعة.. كل شيء، كل شيء، يعني كل شيء! تكتب، ثم: أكل ما تعرفه لا يتجاوز نصف صفحة؟ اكتب من جديد! تكتب، ثم: تملأ الورقة بمعلومات فاضية لا قيمة لها، أنت تعرف ماذا نريد، اكتب من جديد.. كل شيء يسير بك نحو الهاوية الأكيدة، قطار وضع على سكة تنتهي بهاوية تفتح فمها بلهفة. السيناريو المحفوظ والمكرر نفسه: يمسك الرائد الورقة التي كتبتها للمرة الرابعة أو الخامسة ويمزقها ويقول بضيق إنه حاول أن يساعدني ولكنّي أنا لا أساعد نفسي. هذا الكلام هو بسملة البدء بالتعذيب. سبحان من حللك للتعذيب!

- اشلح تيابك وخليك بالكيلوت!

لكن لا أدري ماذا دار في خلد أحد عناصر الجلد حتى يشرح لي من باب لزوم ما لا يلزم قائلاً “يعني خليك بالكلسون”. لفظة الكيلوت أخف وطأة من لفظة الكلسون، أقل سوقية وأقل إيحاء. ربما أراد هذا العنصر أن يعطي أمر الشلح شحنته الكاملة. الرائد يغيب عن المشهد، وقد قال لاحقاً إنه لا يحب أن يراني بهذا المنظر (الحق أن هذا الرائد لا يميل إلى العنف، وهو لم يمد يده بالضرب عليّ أو على أيّ ممن حقق معهم من مجموعتنا على الأقل، بقية الضباط، بمن فيهم رئيس الفرع، لا يروي غليلهم ضرب عناصر الجلد فيضربون بأيديهم. ربما لو كان الأمر للرائد لاتبع التحقيق سبيلاً أقل عنفاً).

- انزل بالدولاب ولا!

حتى تلك اللحظة ورغم كثرة ما سمعت قبل ذلك عن الدولاب كوسيلة تعذيب لم أستطع تخيل كيفية استخدام الدولاب في الجلد. كنت أتخيل أن المجلود يستلقي على ظهره ويمررون رجليه من الدولاب ثم يقيدون قدميه معاً بحبل ويبدؤون الجلد. ولكن هذا التصور لا يفسر الحاجة إلى الدولاب في الأساس. وقفت حائراً. حمل أحد الجلادين الدولاب وتقدم منّي ثم أنزله من رأسي ليستقر على كتفي وطلب مني أن أنزل الدولاب إلى تحت إبطي وأن أمسكه بيدي، كمن يريد أن يستعين بالدولاب للسباحة، وأن أستلقي، ثم طلب أن أثني رجليّ وأمرّرهما من الدولاب، كان الأمر عسيراً بعض الشيء لكن هذا العنصر ضغط بكلتا يديه بقوّة على رجليّ بحيث أصبحت مطوياً على نفسي أكثر لتدخل رجلاي في حلقة الدولاب إلى أن صارت ركبتاي أمام أنفي. صار الدولاب حلقة تشد جذعي من تحت الإبطين إلى طرفيّ السفليين من عند الركبتين، والنتيجة أن قدميّ صارتا مواجهتين تماماً للسقف بوضعية مناسبة للجلد. الوضعية بحد ذاتها تعذيب. تركوني على هذه الحالة دون ضرب لفترة من الزمن بدأت أشعر بعدها بخدر شامل في رجليّ. الغريب أني وأنا في هذه الوضعية كنت أقل خوفاً من لحظة نزولي إلى القبو يوم أمس.

جاء الأمر بتنزيهي. النزهة هي أن تركض على طول الصالون ذهاباً وإياباً تحف بك عناصر الجلد من الجانبين وفي يد كلّ منهم خيزرانته التي يستخدمها ضدك حين تصبح ضمن مداه المجدي

دخل بعد فترة رجل قصير ذو كرش (سأعرف لاحقاً في سياق التحقيق أن هذا هو مساعد التحقيق الأساسي أبو أحمد، يقولون هنا إنه الكل بالكل، وهو أول من سيستقبلنا في الفرع الجديد في العدوي عند عودتنا من سجن تدمر بعد “عمر طويل” وقد بات بعد هذا العمر شبيهاً بكلب هرم) برفقة مجموعة من العناصر وبيد كل منهم خيزرانة. وللمزيد من التهيئة قام اثنان بشد ساقيّ إلى بعضهما بقوة بواسطة حبل مربوط إلى قطعة خشب متينة، إجراء مؤلم جداً تشعر أنه يعصر الساقين إلى حدّ أن الألم يصل إلى العظم الذي تشعر أنه يمكن أن يعجز عن مقاومة كل قوة الشد هذه. تقدم ذو الكرش وقال بيقين وعادية من يطلب باكيت دخان من محل سمانة: مين هني أعضاء اللجنة المركزية في حزبكم. قلت له لا أعرف. ليس من باب القوة أو الصلابة أو أيّ شيء من هذا القبيل بل لأنني لا أعرف حقاً. وكأن كلمة لا أعرف كانت إشارة البدء. تواتر رهيب من الضربات على باطن قدميّ، كانت تلك خبرة قدميّ الأولى بمعنى الدولاب. يمكن أن يصح قول إن الحذر أشدّ من الوقيعة في كل شيء إلا في الألم. مهما حاولت أن تتصور الألم وتعيشه في خيالك وتحيط بأبعاده، فإنك لا يمكن أن تتكهن بشيء من حقيقته. ومهما خفت من الألم فإن خوفك لن يتفوق على شعورك به. يتصاعد الألم بحدة ويكسر كل حواجز النفس، فتصرخ وتستغيث وأنت الذي تخجل من رفع صوتك والتعبير عن حاجتك بقوة وعلانية. تشعر أن الألم الذي يكتظ به جسدك يحاول الخروج من حنجرتك غير أن سبيل خروجه مغلقة، فتصرخ كأنك تريد أن تمزّق حنجرتك لعلك بذلك تفتح سبيلاً لتحرر الألم. ثم في لحظة يتوقف الضرب وينتهي الألم. في لحظة! (سأعرف بعد سنين طويلة من هذه الخبرة أن هذه ميزة للخيزرانة مقارنة مع الكرباج الكاوتشوكي المسطح الذي خبرته في سجن تدمر، فألم الكرباج المسطح لا يتوقف بتوقف الجلد. يصح أن تقول إن الخيزرانة تلسع، أما الكرباج فيجب أن تقول إنه يدحل أو يسحق أو يبطش). يا لها من متعة! متعة العودة إلى نقطة الصفر. متعة الشعور بجسد لا يتألم.

- تذكرتن يا عرصة؟! صرخ ذو الكرش.

- وحياة ألله ما بعرف يا سيدي!

- ليش أنتو بتعرفو ألله؟

يبدو أن كلمة ما بعرف هي بمثابة الأسيد الذي يكوي أعصاب المحققين ولا سيما منهم أولئك الذين يعرفون الله جيداً! ذات مرة سمعت أحد “منظّري” الأقبية يقول ملاحظة مفادها أن المعتقلين السياسيين يقسمون في التحقيق بما لا يؤمنون به، فترى الشيوعي يقسم بالله وترى الإسلامي يقسم بعرضه.

الإنسان الصالح في الدول المتخلفة هو الإنسان الذي لا يسمع ولا يرى ولا يحكي، ولكن حين يسقط هذا البشري في قبو أجهزة الأمن عليه أن يعرف، بل عليه أن يكون مخزن معلومات!

من جديد تبدأ نوبة من الألم الرهيب، نوبة تدوم أكثر من سابقتها. ثم من جديد، يسأل ذو الكرش إن كان الدولاب نشّط ذاكرتي. الدولاب كان على وشك أن يغرق وعيي، وليس فقط ذاكرتي، في عالم آخر مظلم. ولا أدري كيف توفّرت لي قوة القول إنني لا أعرف شيئاً. أدرك المكروش أن الاستمرار في الجلد يعني فقد الوعي فأمر بالتوقف. استراحة جلادين وسكب ماء على الرأس ثم عود على بدء. ليت الجلادين يستريحون طويلاً! فليعط الجلادون حوافز مادية من مال الشعب كي يطيلوا استراحتهم! ليكن بطل الإنتاج في مصلحة صناعة الألم هذه هو أقل الجلادين إنتاجاً. لم يزل الجلادون يستريحون ويستأنفون “الإنتاج” حتى اقتنع ذو الكرش فيما يبدو وأيقن أنني لم أعد أحتمل المزيد من الضرب، فطلب فك قدميّ وتحريري من الدولاب، وغادر صالون التعذيب متوعداً بزيادة “الطاقة الإنتاجية” في الجولات القادمة. بقيت مكوماً على بلاط القبو غير قادر على الحركة. غير أن أحد “المنتجين” رفسني بكعبه على كتفي قائلاً بحنق:

- فزّ ولا! يلعن أبوك عرص ابن عرص، هلكتنا!

لكني لم أستطع الوقوف. وخانتني نباهتي فلم أعتذر. انهمرت الخيزرانات كالمطر على هذه الكتلة الحية المنهكة التي أتعبت الجلادين. “ليت الفتى حجر”! أعوذ بالله من رجل هو من اللؤم والحقد على استعداد لتحمل الألم إلى حدوده القصوى لا لشيء إلا لكي يتعب الجلادين! ألا يعقل أن يكون هذا الرجل حلقة في مؤامرة تستهدف الجلادين إنهاكاً وتعباً؟! ولكن مهلاً! أليس الجلد هو عرس الجلادين وربيعهم؟! لماذا يتذمرون إذن من رجل يقدم جسده وليمة لخيزراناتهم وأبواطهم؟ رفسة أخرى على الرأس هذه المرة، مشفوعة بأمر جديد بالنهوض متبوعاً بما يمكن أن يولده تعب الجلادين من شتائم. تحاملت على نفسي ووقفت فلا أحد يعلم المكان الذي يمكن أن تختاره الرفسة الثالثة. توقع أيّ شيء من تعب الجلادين. لاحظوا! هذا الرجل يستطيع الوقوف إذن، ولكنه يناكف ويعاند وغاية مسعاه إتعاب الجلادين وإفساد رواقهم! طلبوا مني الهرولة في المكان فوق بقعة من الأرض عليها ماء. حاولت أن أهرول على قدميّ اللتين صارتا ضخمتين وثقيلتين وداميتين فلم أستطع واستندت إلى الحائط. رأيت كيف راح دمي يتخلى شيئاً فشيئاً عن كثافته للماء المسفوح على بلاط القبو.

لوحة: إسماعيل الرفاعي

جاءني صوت أحد عناصر الشرطة:

- تحرك يا حمار! تحرك، منشانك!

ها هو جلاد يهمه شأني! بات باطن قدمي حساساً إلى حد الشعور بالألم إذا ما صادف وجود مجرّد حبة رمل تحت قدمي. بات مجرد تخيل ضربة الخيزرانة على القدمين تعذيباً. كان ثقل قدميّ هائلاً فلم أستجب للأمر.

جاء الأمر بتنزيهي. النزهة هي أن تركض على طول الصالون ذهاباً وإياباً تحف بك عناصر الجلد من الجانبين وفي يد كلّ منهم خيزرانته التي يستخدمها ضدك حين تصبح ضمن مداه المجدي. أنت دائماً ضمن المدى المجدي لأحدهم، أنت إذن دائماً تحت الضرب. لا السرعة تنجيك ولا البطء. امش إذن، المشي أسهل! غير أن هذا الضرب أقل إيلاماً لأن الضربات لا تتكرر على النقطة نفسها، لكنه ضرب مخيف واحتمال الأذى فيه كبير. يبدو أن الشرطي الذي أبدى اهتماماً بشأني يعرف ما يقول، إذا لم تهرول من تلقاء ذاتك فإنهم يجبرونك على الهرولة تحت لسع الخيزرانات.

هذه البداية في التحقيق معي أعطت انطباعاً عنّي بأني عنيد. أما الحقيقة فهي أنني لا أعرف. عاد ذو الكرش، فأعادوني إلى الدولاب. ولكن هذه المرة بسؤال جديد أكثر بلاهة وعبثية من السؤال السابق. وقد مهد لسؤاله بجولة من الجلد أوقفها بإشارة منه وسأل فوراً:

- وين المطبعة ولا؟

اسودت الدنيا في وجهي وأيقنت أنني على هذه الحال قد أشوّه أو أموت تحت الضرب دون أن يكون أمامي مخرج. قد أكون جاهزاً لقول ما أعرف كي أتفادى الألم، قد أكون جاهزاً لخيانة أصدقاء ورفاق وأهل، ولكن ما يطلبه مني هذا الرجل لا أعرفه. سوف أزيد من تعب الجلادين حتى أنهكهم إذن.

- والله ما بعرف يا سيدي! قلت وأنا في قعر سحيق من اليأس وقد بدأت حنجرتي تتشنج ولا تطاوعني في الكلام، شيء أشبه بالبكاء الجاف.

- بدك تعرف! نحنا هون منشان نخليك تعرف!

هذا النوع من الكلام من مثل هذا النوع من الناس وفي مثل هذا الظرف أشبه ما يكون بمرور مدحلة على القلب. الكثير من اليأس مضافاً إلى الكثير من الألم الذي لا يطاق ينتهيان بفقد الوعي. صحوت على لطش ماء بارد، كان بدء الشعور بالصحو لذيذاً. حررت من الدولاب وأخذت إلى المكتب منهكاً لا أقوى على الوقوف، أجلسوني على الأرض أمام مكتب المحقق، عارياً مبلّلاً بالماء مرتجفاً من البرد ونفاد القوة والروح. كان في المكتب الرائد وملازمان، أحدهما هو ذو الشفاه الغليظة الذي قابلني في سجن الشيخ حسن، والآخر شاب طويل أشقر أراه للمرة الأولى، لكنه سرعان ما سيكشف بعد قليل عن نباهة فريدة. فبينما راح الرائد يجود عليّ بأقوال تشبهه: هل يعجبك هذا الوضع، ألم يكن من الأشرف لك لو سمعت نصيحتي، أنت تحبّ أن تبهدل حالك! (يا سيدي، أنا رجل أحبّ أن أبهدل حالي وأحبّ أن أعذّب الجلادين وأتعبهم ولو على حساب ألمي ودمي، أنا مخلوق من هذا الطراز! يا لهذه المحنة التي ابتلاكم بها الله بأن رماني بين أيديكم!) قفل الرائد هذا “العتاب” فجأة وقال:

- شوف! بدك تضل تاكل قتل حتى تعترف وين المطبعة، هي تعليمات المعلم! منشان هيك ريّحنا وارحم حالك واحكي.

لماذا يطلبون طلبات عالية؟ هل يعتمدون سياسة اطلب العشرة كي تأخذ التسعة؟ ولكن هذا غير منطقي، فهذه العشرة لا تتضمن التسعة، ثم ما هي التسعة التي يريدونها؟ يلحّون على طلب معلومات عالية وشديدة الحساسية من شخص غرّ لم يعترف حتى أنه ينتمي فعلاً إلى الحزب الذي يدور التحقيق حوله.

- يا سيدي والله ما بعرف! وحياة الله ما بعرف!

نهض ذو الشفتين الغليظتين شاهراً في وجهي سلاح تكشيرته الثقيل وقال محاولاً فيما يبدو أن يظهر للرائد قدراته التحقيقية: رح نخليك تعرف! خدوه! لم يتدخل الرائد. شحط، تلبيس دولاب، جلد، صراخ يثقب الجدران، خلايا تموت، قلب يضمحل، وعي يتلاشى، استغاثات “عضوية” موشكة على الفناء. توقف الجلد. كان ذو التكشيرة فوق رأسي مكشّراً. كشّر كما يحلو لك، واشتم كما يحلو لك، شتائمك لطيفة، وتكشيرتك حلوة، فقط أوقف الجلد!

- تذكرت وين المطبعة ولا؟! جاءني صوت أخنّ صادر من البلعوم أو من تحت اللسان أو من دهاليز الأنف أو من أيّ مكان سوى مصدر الصوت الطبيعي.

- تذكّرت! تذكّرت سيدي!

زها ذو التكشيرة بنصره الذي يؤكد أن الدولاب يجعل من لا يعرف يعرف ومن لا يتذكّر يتذكّر. وأمل بعودة مظفرة إلى مكتب الرائد.

- وين؟ خلصنا، العمى بعيونك!

رحت أخترع عنواناً سرعان ما تبين له أنه غير حقيقي وأنه مجرد مناورة يائسة للتخلص ولو مؤقتاً من الجلد، فما كان منه إلا أن بصق عليّ ورفسني بقوة وعاد إلى المكتب وهو يشتم ويتوعد. ثم بعد قليل وجدت نفسي في المكتب أمام الثلاثي نفسه. بادرني الرائد ببرود: ما بدك تقلنا وين المطبعة وتريح حالك يا دكتور! (مخاطبته الساخرة إياي بلقب دكتور تذكر بقصة الشيخ الذي وقع بين أيدي أناس حاقدين عليه فقاموا بربطه من رقبته إلى عربة ثقيلة وطلبوا منه جرها إلى أن أنهكوه، ثم تركوه. وفي مجلسه حكى الشيخ قصة ما جرى له مع أولئك الزناديق مضيفاً، لوجه الحق، أنهم طوال الوقت لم يخاطبوه بغير كلمة “يا شيخنا”!) أقسمت له بأنني كنت أرحت نفسي من زمان لو أنّي أعرف أينها أو لو أني أعرف شيئاً عنها. فالتمعت عينا الملازم الأشقر وقال كاشفاً عن نباهة واعدة:

- منعرف أنك ما بتعرف وين المطبعة، بس بدك تدلنا عليها!

في أجهزة الأمن، القوة تملأ كل الفراغات. تملأ فراغات ضعف الشخصية وعدم اتساق المنطق وتضارب الأسئلة…الخ.

لمحت المساعد ذا الكرش الذي غاب عن معظم فترة التحقيق الصباحي. تقدم مني مهدداً وشاتماً (الشتم شديد البذاءة من الملامح الثابتة في التحقيق، وللشتم في مثل هذا الحال مفعول كاوٍ على النفس

كأن كل مشاعر الخوف والإهانة والألم واليأس ترجمت نفسها إلى شعور واحد هو الشعور بالبرد. رجفة خشنة تبدأ من القلب وتنتشر إلى المحيط تليها أخرى وأخرى بتواتر يتسارع شيئاً فشيئاً. أحسست بخواء فظيع في داخلي وبغثيان عميق. تجمعت على نفسي أكثر. تمنيت يائساً وقوع كارثة، اشتهيت جريمة كبيرة، أكبر من جريمة الماغوط، تلخبط الكون وتقلب المجريات. أعادوني إلى الزنزانة كما أنا عارياً ومبللاً ومنهكاً، ورموا ملابسي خلفي داخل الزنزانة ثم أقفل الشرطي الباب وهو يقول: لسا ما شفت شي، هَيْ بس تسلاية! سلمت نفسي الكسيرة إلى النوم. النوم ترياق. نمت بعمق كما لم أنم من قبل. يستقيل الوعي، يرمي عن كاهله دفعة واحدة كل الأحمال التي أثقلت عليه في بضع الساعات السابقة، ويترك المادة للمادة، يترك الجسم يرمّم نفسه وفق قوانينه المستبطنة. استيقظت، لا أدري بعد كم من الوقت، على فتح باب الزنزانة وصوت العنصر:

- فزّ ولا!

يا ألله، هل نسوا العالم وعبدوني؟ أما من شغل لهم سواي؟ تشعر أن كل وزن الدولة يكبس على رأسك، ويطبق على صدرك. عصب ماكينة الدولة هو الأجهزة الأمنية، وحين تشاء هذه الأجهزة فإن الماكينة تتحرك حسب هذه المشيئة. تشعر أنك الشغل الشاغل للدولة، السيارات جاهزة لإحضار كل من تتلفظ باسمه، وموظفو الجامعة جاهزون لنبش الملفات والأرشيف بحثاً عن اسم زعمت أنه في الجامعة، وأجهزة الاتصال الحديثة تصل البعيد والقريب لتنسيق حركتهم كي يكتشفوا تلفيق أو حقيقة ما تقول. لا شيء ناقص، لا شيء متعثر، فقط حين يتعلق الأمر بك.

كانت الحركة في صالون التعذيب الرحيب والصقيل والشديد الإضاءة، مختلفة عن فترة الصباح. درجة الاستنفار عالية أكثر منها في الصباح، وجوه العناصر أكثر جدية، وتعاملهم أكثر قسوة. لمحت المساعد ذا الكرش الذي غاب عن معظم فترة التحقيق الصباحي. تقدم مني مهدداً وشاتماً (الشتم شديد البذاءة من الملامح الثابتة في التحقيق، وللشتم في مثل هذا الحال مفعول كاوٍ على النفس، من أين يكنّ لك هؤلاء كل هذه الكراهية والعدائية وهم لا يعرفونك وأنت لم تقترف شيئاً مشيناً يفسر ظهور مثل هذه المشاعر تجاهك، أن يحمل العنصر خيزرانة ويضربك فهذا تنفيذ لأمر وأداء لمهمة ولكن أن يشتمك بكل هذا الحقد وكل هذا الفحش فهذا شيء شديد المرارة على النفس) وختم تهديداته بصفعة على وجهي أتبعها بأخرى ثم أمر العناصر بوضعي في الدولاب. رغم كل قسوة الصباح الفائت يبدو هذا المساء أكثر قسوة، لا شك أن في الأمر أمرا. كل العناصر أسرعوا للمساهمة في عملية وضعي في الدولاب كما لو أنهم يؤاجرون. الكل يبادرون بإعلان العدائية ضدي بالضرب والنهر والشتم والتوعد. لحظات وينحلّ اللغز، فبينما أنا في الدولاب في وضعية الاستعداد التام قالباً (وفي وضعية غير الاستعداد التام قلباً)، وبعد أن شدوا وثاق قدميّ معاً على أتم وجه، ظهر رجل مربوع بشعر أبيض خفيف سبق أن رأيته يوم وصولي من اللاذقية في مكتبه العالي، إنه رئيس الفرع. ارتبك الجميع. توجه سيادته إليّ مباشرة ووضع حذاءه على رقبتي وقال بتكشيرة لا تضاهيها سوى تكشيرة الملازم ذي الشفاه الغليظة:

- أنت منظَّم ولا؟!

طوال الصباح يقطعون جلدي سائلين عن أعضاء قيادة وعن مطبعة، وها هو سيادته يعيد الأمر إلى تتابعه المنطقي. ولكن ماذا يعني كل ما جرى في الصباح؟ من قاد التحقيق ومن حدد الأسئلة؟

- لا وحياة ألله يا سيدي! وحياة محمد مو منظم يا سيدي!

غضب من السماء نزل عليّ. كانت فاتحته صياح أحد العناصر “ولك هادا سيادة العقيد يا عرص”. إذن بصرف النظر عن السؤال، يجب أن تقول نعم لسيادة العقيد رئيس الفرع، لا شيء إذن سوى النعم. “لولا التشهد كانت لاؤه نعم!”. من يقف فوق رأسك الآن ليس الملازم ولا المساعد ولا حتى الرائد، إنه العقيد رئيس الفرع بشخصه. حتى الخيزرانات نفسها باتت أكثر نشاطاً وإيلاماً. ألمٌ يشتد كي يمزق شيئاً يقاوم التمزق، ليته يتمزق فأستريح! ألم يتصاعد ويتصاعد وينحشر في المنطقة الفاصلة بين أسفل الرقبة وأعلى الصدر على شكل كتلة كتيمة خانقة. غمرتني رغبة عارمة بالبكاء، ومن ثنايا حنجرة تتمزق راح يخرج صوتي رسول استغاثة إلى قوم لا يرحمون. اقترب سيادته أكثر وحاول دسّ مقدم حذائه في فمي وهو يرفع صوته بكلام لم أفهمه، فاختنقت. بعد لحظات توقف الجلد، وأنا على شفا هاوية سحيقة. تنهال فوقي المياه والشتائم. عندئذ أطلق سيادته نبوءته لي بكل ما أوتي من سلطة وكراهية وبذاءة: “بدك تصير دكتور ما هيك يا خرا؟ بيكونو شواربي على كس شرموطة إذا بعمرك بتصير دكتور!”. ورغم جحيم الدولاب وتغيم الوعي وطوفان اليأس فإن ذاكرتي التقطت هذه العبارة واحتفظت بها. وبعد سنوات طويلة انكشفت لي آلية تنفيذ نبوءته الباصرة في ورقة صغيرة (توصية!) وضعها سيادته في ملفي الذي رأيته في المحكمة بعد 11 سنة ونصف من توقيفي. وقد قضى هذا الرجل قبل أن يتحقق من صحة نبوءته، قضى في تواليت، كانت آخر لحظات حياته في ذلك المكان المناسب. ولا يمكنني أن أنكر أن خوفي من تحقق نبوءته كان ملازماً لي طوال فترة دراستي رغم أن صاحب النبوءة كان قد صار تحت التراب من سنوات. وعندي ما يكفي من الشعور بأنه ما كان يمكنني متابعة دراستي لو ظل هذا الرجل “المتنبئ” على قيد الحياة، قوياً ونافذاً وقادراً على قيادة تنبؤاته. ولعل موته المفاجئ هو ما أفشل نبوءته، فقد كان يمكن أن يوصي “حوارييه” بالسهر على نجاح تلك النبوءة لو أدرك أنه سيموت وكان لديه ما يكفي من الوقت والقوة ليوصي.

لوحة: فادية عفاش

يغيب سيادته. يحررونني من الدولاب، هرولة في المكان فوق الماء، تنزيه، ثم تنزيه، ثم أحمل الدولاب على كتفي وأقف في إحدى زوايا صالون التعذيب يحرسني عنصر شاب. لعل سيادته تعب من تعذيب التعذيب ويستريح لشرب فنجان قهوة مثلاً. قليل أو كثير من الوقت لا أدري فقد تعطلت لديّ آلة الوقت، قليل أو كثير من الوقت ويعود الفيلق، يتأخرهم العقيد. ليبدأ جولة جديدة:

- بدك تساوي حالك بطل ما هيك، الظاهر بتقرا روايات كتير؟ بس لازم تعرف يا عرص يا ابن العرص أنه نحنا ما عنا أبطال، الكل راسن تحت هالصرماية!

هذا سيادة العقيد رئيس الفرع، وإذا غضب، فإن ألف خيزرانة تغضب لغضبته. وها هي الخيزرانات الغضبى تشفي غليلها من قدميك المتورمتين النازفتين.

- دخيلك يا سيدي بدي أحكي!

تتوقف ماكينة الدولة، تهنأ قدماي بقليل من الراحة. ليت التوقف يطول ليطول الهناء!

- شو بدك تحكي ولا ابن العرص!

- سيدي.. سيدي.. والله أنا مو منظم يا سيدي! والله..

يغضب العقيد ويشتم فتغضب الخيزرانات وتشتم، وهل لا زال في رصيد قدميّ بقية لتسديد فواتير الغضب؟! غرقت في لجة من الألم الثقيل الكاوي والصراخ الشاتم المهدد من كل مكان. ضاق صدري وتيبس الهواء في حنجرتي..

- بدي أحكي يا سيدي!

غير أن ماكينة الدولة لم تعبأ بي هذه المرة وواصلت مهمتها الرهيبة. كررت الصراخ دون جدوى. “بدي أحكي يا سيدي!” ولكن دون جدوى. الألم ثقيل أكثر مما يمكن أن أحتمل، الهواء يغادر صدري دون أن يعود، أشعر أن قلبي يلتف على نفسه ويتعثر، وكذلك وعيي. أصرخ: أنا منظم!!.. تهدأ ماكينة الدولة دفعة واحدة. تنعم قدماي باستراحة. يعثر دمي من جديد على وجهته. ماكينة الدولة ترتاح على إنجاز. وقدماي كذلك. اعتراف! لقمة تحتاج إلى مضغ! عقول شرسة تخبط في ظلمة دامسة بلا دليل ولا ضوء كاشف.

يعبر في ذهنك أن هناك مؤامرة أزلية، مؤامرة كبرى في الخلق، وإن غاية خلق القدمين على هذا الشكل هي التعذيب ولا شيء آخر. أما كان يمكن تعديل الخلق فلا يكون باطن القدمين هذا المكان المناسب للجلد؟ يخطر في ذهنك أشكال افتراضية لقدمي الإنسان، شيء ما يشبه الأظلاف مثلاً، أو على الأقل قدمان بلا أصابع، إذ ما وظيفة أصابع القدمين سوى أن تكون نقاط ألم فظيع عند الجلد؟ سوى أن تكون مكاناً يختاره جلاد كي يمارس عليه أقصى درجات الإلحاد؟ يعبر في ذهنك أن كل شيء في خلق الإنسان إنما معدّ ليناسب أولئك الذين يعذّبون ويقتلون ويغلبون، “تؤخذ الدنيا غلابا!”. ولكن انتظر! حين يتعذر جَلد القدمين بعد تهتك وتلف جِلد القدمين، هل يعدم الجلاد الوسيلة؟ سيجمعك بعد حين كركون الشيخ حسن مع فرحان، الشاب الجميل الذي اشتهته السجون منذ بداية شبابه واستأثرت به طويلاً، لترى كيف يمكن أن يستعيض الجلاد عن باطن القدمين بباطن الركبتين مثلاً، كيف يصير الجزء الداخلي من مفصل الركبة مكاناً احتياطياً للجلد. تجمعك السجون الأخرى بأناس شهدوا وسائل تعذيب لا تنتهي. الألم قاسم مشترك لكل الوسائل ولا حدود للألم الذي يعانيه جسد الإنسان. ولئن كانت متعة الجسد البشري محدودة فإن ألمه غير محدود.

يمكن أن يعجز الألم الجسدي عن قهر النفس وكسرها واستعبادها، فهناك أشخاص لديهم قدرة مميزة على احتمال الألم، حينها يمكن أن يلجأ المحقق إلى إنتاج ألم من نوع آخر. من القصص أن بحرة الكركون شهدت ذات يوم التحقيق الذي جرى مع رجل كبير السن بتهمة إسلامية. لم تكتف البحرة بالمشاهدة فقط بل شاركت أيضاً بأن استقبلت في مياهها الباردة جسد ذلك العجوز عارياً ومتورماً ومدمى مرات عديدة. غير أن الألم الجسدي فشل في تحطيم “مقاومة” هذا الرجل، مما أثار عدوانية المحقق الذي كان معروفاً بأنه لا يتورع عن فعل أيّ شيء، فما كان منه إلا أن أجبر العجوز على أن يتخذ وضعية معينة وهو عار تماماً ثم هدده بأن يجعله موضوعاً جنسياً لأحد عناصره الشباب ما لم يعترف بكل شيء، الـ”كل شيء” التاريخية إياها. كان هذا كافياً كي ينهار الرجل ويقدم اعترافات أشبه ما تكون بالهلوسة اختلط فيها الصحيح بالوهمي الأمر الذي جر المصائب على أهل قريته بالكامل، من الفران إلى الدكنجي إلى كل من له موقع في ذاكرة ذلك العجوز!

لوحة: فادية عفاش

يعود العقيد إلى فريسته. تستنفر الخيزرانات والدواليب والأكف والحناجر، حتى هواء القبو يعاند طبيعته الفيزيائية ويصبح متماسكاً ويستعصي على الشهيق، كما لو أنه يرغب هو الآخر في التحول إلى عنصر في جوقة التعذيب يأتمر بأمر العقيد الظافر. لا شيء حيادياً في هذا القبو، كل شيء منحاز إلى العقيد وجنده ضد هذه الفريسة المنتخبة.

- رحت ع لبنان ولا؟! قال العقيد مكشراً باستعلاء وقرف! ما هي قصة التكشير؟ وإلى أيّ حد كنت غافلاً عن وجود هذا السلاح من قبل؟ فأنا لم أكد أستوعب تكشيرة الملازم الأول غليظ الشفتين حتى هوجمت بتكشيرة أخرى تفوقها قدرة على ختم القلوب وعمي الأبصار. تكشيرة العقيد دخلت بقوة في هذه الجولة التحقيقية كسلاح فعال على الحلبة. تفاديت التكشيرة وأجبت:

- لا والله ما رحت يا سيدي!

- كذاب!

وانطلقت آلة صناعة الألم الجبارة في عملها. الجميع ينهمكون وينصبّ تركيزهم على جسد منهك دام متخبط. أتخيل صورة انهماك الرجال (الرجال فقط، لا يجوز للنساء ذلك!) في السيطرة على الأضحية قبل ذبحها.

في خريف عام 1982 كان حزب العمل الشيوعي، في خطوة مرتجلة، قد أرسل إلى لبنان، إلى طرابلس بالتحديد، مجموعتين من أعضائه للتدرب على القتال واستعمال السلاح في معسكرات تابعة لحركة فتح. علم الأمن بذلك فصار السؤال عن السفر إلى لبنان جزءاً من كل تحقيق مع متّهمي حزب العمل الشيوعي.

ذهبت آلة صناعة الألم بعيداً في عملها. وراح وعيي يتكسر ويتلاشى تحت موجة الألم الرهيبة. بت أشعر أن رئتيّ تنكمشان وتتحولان إلى كرة إسفنجية مشبعة بزيت ثقيل تحاول الخروج من صدري عبر البلعوم، لا تريد رئتاي أن تتحملا مشقة العيش في جسد يتعرض لكل هذا الألم. تتوقف الآلة ليكرر صاحب الأمر سؤاله بمزيج من العدائية والقرف والتسلط، ولأكرر نفيي وأنا في حضيض من اليأس، ثم تستأنف الآلة الصماء عملها في معالجة جسد عالق في برزخ. ينهي سيادته المهمة، يقرر مصيري، ثم يودعني برفسة مشفوعة ببصاقه وبذاءته.

هل خطر يوماً في بال أبي شيء كهذا؟ كان أبي من البعثيين الأوائل وكان يكرّس نفسه للعمل الحزبي والنقابي على حساب اهتمامه بنفسه وبأسرته. صار ممثلاً للبعثيين في مكتب الاتحاد العام لنقابات العمال في أواسط خمسينات القرن الماضي ورئيس النقابة العامة لعمّال المناجم والمحاجر للإقليم السوري زمن الوحدة، بعد أن كان قد شارك، تحت إشراف “بعثي”، في تأسيس نقابة عمّال الإسفلت التي انضوت لاحقاً تحت النقابة الأولى. وانعكس إخلاصه “للبعث” على مجمل حياته وترك بصمته على أسماء أولاده. يناديه الواجب البعثي فيترك كل شيء خلفه ويلبيه. ففي الوقت الذي ينشغل فيه أرباب الأسر في الريف بشؤون الزراعة والسعي لاكتساب أراض جديدة على حساب الأراضي الأميرية أو على حساب أراضي بعضهم البعض، كان أبي يجول في بلدان العالم الاشتراكي “الصديق” تنفيذاً لمهامه الحزبية التي لا يعلو عليها شيء، تاركاً أراضينا الفقيرة والمحدودة موضوعاً للإهمال ولطمع الفلاحين المجاورين. كانت أمي تقول بسخرية مريرة: أبوكم لا يطيع سوى أوامر حزبه، ليت هذا الحزب يأمره بزراعة أراضيه والاهتمام بأسرته بدلاً من هذا التجوال الدائم الذي لا نجني منه سوى الشقاء. اعتدنا على غياب أبي المتكرر عن البيت. كان تعبير “مهمة حزبية” حاضراً دائماً في حياتنا الأسرية. يسافر أبي، تاركاً لأمي كل شيء، تربية الأطفال والحراثة والزراعة والجني والحماية والعناية بالحيوانات وتأمين حطب المواقد للطبخ والغسيل وحطب التدفئة.. الخ. كان يترك لها كل شيء، سوى النقود. وتحكي أمي أن أبي أوشك أن يضربها ذات مرة لأنها احتجت على أخذه كل الرصيد المالي الهزيل من البيت قبل سفره “الحزبي” إلى دمشق، قائلة كيف ترضى أن تتركنا دون نقود؟ ألا يؤمّن لك هذا الحزب مصاريف سفرك؟ لم تكن أمي تدرك أنه حين كانت تسطع شمس المهمة الحزبية البعثية في ذهن أبي كانت تكسف أمامها كل كواكب المهام “التافهة” الأخرى. فهل يتقاعس عن “المهمة الحزبية” خشية أن يجوع ولد أو تشقى زوجة مثلاً؟ كان بعثياً مهووساً وليس فقط مخلصاً. يحكى أنه في الثامن من آذار 1963، حمل علم البعث عالياً في طرقات القرية قبل أن يعود ويرفعه على سطح بيتنا، ابتهاجاً بانتصار “الثورة”. لم يكن يعلم أبي أن أمثاله إنما هم وقود غيرهم في الوصول إلى السلطة، أما بعد ذلك فللسلطة وقود من نوع آخر. بدأ أبي بعد “الثورة” يشرب الخيبة شيئاً فشيئاً من كأسين، الأول هو كأس شعوره بتقصير “الثورة” عن تنفيذ ما كان يحلم به منها، من وحدة وتحرير وإنصاف للعمال الذين قضى عمره يعمل للدفاع عنهم دون أدنى مكسب شخصي بل بالكثير من الخسائر الشخصية، والثاني هو كأس شعوره المتزايد يوماً وراء يوم بالتهميش والإقصاء داخل حزبه نفسه. التهميش الذي انتهى بأن تم فصله من الحزب على أيدي البعثيين الجدد الذين كان يثقل على نفوسهم في الاجتماعات بجرأة نقده وسطوع تاريخه ونظافة يده.

هل كان يخال أبي أنه بعمله “الحزبي” ذاك الذي كرّس له شبابه وحياته، إنما كان يبني لابنه الأصغر الذي ولد بعد أشهر قليلة من رفعه العلم البعثي على سطح البيت، قبواً للتعذيب. هل كان يتصور أنه في كفاحه ذاك إنما كان يحمل على كتفيه أمثال هذا العقيد الذي سيشتمه في وجهي وعن طريقي بكل هذه البذاءة؟ هذا العقيد الذي لا يملّ من تكرار القول “الكل تحت هالصرماية!” مشبعاً بسلطته غير المحدودة وغير الخاضعة لحساب، هذا العقيد الذي تغذى وأمثاله على عرق وشقاء ودم أبي وأمثاله، بات اليوم لا يرضى بأقل من السمع والطاعة، ولا يتناول أبي وأمثاله إلا بالشتائم. وقد لاحظت، بالمناسبة، أن الكثير من السجناء اليساريين الذين التقيتهم في السجن هم أبناء لآباء بعثيين يشبهون في تاريخهم تاريخ أبي.

عبر في ذهنك أن هناك مؤامرة أزلية، مؤامرة كبرى في الخلق، وإن غاية خلق القدمين على هذا الشكل هي التعذيب ولا شيء آخر. أما كان يمكن تعديل الخلق فلا يكون باطن القدمين هذا المكان المناسب للجلد

في الأيام التالية عاد التحقيق معي إلى الأرض، أسئلة عن طبيعة علاقتي بهؤلاء الأصدقاء الذين في الزنازين، عن الكتب التي نقرؤها، الغاية من هذه القراءات، علاقة الحزب بها، متى تلتقون، أين تلتقون، من اقترح فكرة اللقاء.. الخ. تحقيق “طبيعي”. تراجع ضغط التعذيب قليلاً. المساعد ذو الكرش يتولى الآن معظم مجريات التحقيق، يدوّن اعترافاتك على أوراق بيضاء، يتجاوب مع اعتراضاتك. لكن ذات مرة غضب من اعتراضي على إحدى التلفيقات التي اعتبرتها هامة ومضرّة وطلبت حذفها، فنهض وصفعني بعنف وهو يرفع صوته ويقول:

- يا حيوان أنت محلك هون خلف الطاولة مو هون! مشيراً إلى مكاني حيث أجلس أمام الطاولة. لم أفهم في البداية معنى قوله، ولم أفطن إلا بعد أيام في خلوة الزنزانة إلى الدلالة الطائفية لكلامه.

هدأ بعد ذلك وكأنه يدخل في مشهد جديد، وقص عليّ كيف أنه نسي حاله مرة وصفع ابنه، الطالب الجامعي، صفعة رهيبة حاسباً أن ابنه موقوفاً. وقال إن ضغط العمل كبير ويجعل المرء عرضة للخلط. استغربت كيف ينتقل هذا الرجل بهذه السرعة وهذه الجذرية فيبوح لشخص انتهى للتو من صفعة بهذا العنف. في هذا المشهد البوحي الجديد كان يمكنني أن أسأله، فسألته ألم يختلط الأمر عليك ذات مرة فتحسب الموقوف ابنك؟ غير أن سؤالي لم يرق له، فقال “لا” ناشفة كما لو أنه ظن أني أنصب له فخاً، ذلك أن من شأن مثل هذا الشعور إذا صرح به أن يهدد حياته الوظيفية!

ذو الكرش يبهّر التقرير بأشياء كاذبة فقط ليعطي الكلام نكهة شيوعية، ولكنها أشياء قليلة الأهمية. ترضى عن ملفك، توقع عليه. ملفك يقول إنك غير منظم في أيّ حزب، وأنه لا علاقة مباشرة لهؤلاء الشباب بأيّ حزب. تشعر أنه رغم كل شيء (كل شيء!) فالخاتمة سعيدة. سترفع الملفات إلى جهة أعلى ثم ربما إلى جهة أعلى، ثم يبتّ بأمرنا ويخلى سبيلنا دون شك. تفاؤلي المسكين هذا لم يفارقني طوال 16 سنة من السجن. 16 سنة وهذا الطفل الغافل المطمئن يلهو في حديقة نفسي، لا يملّ، ولا أدري هل يتعلق بي بأكثر مما أتعلق أنا به. يضعف تفاؤلي أحياناً وينكفئ لكنه يألفني كثيراً فلا يملّني ولا يغادرني. أشعت في نفسي وفي نفوس من حولي أملاً بأننا خارجون من هنا إلى دراستنا وأهالينا. من يقرأ الملف لا بد أن يغزوه التفاؤل. لم يدر في خلدي أن هذه الأريحية من قبل المساعد في صياغة الملف تعكس عدم أهميته، وأن انطباع سيادة العقيد وتوصيته هو ما له القيمة أمام الجهة الأعلى والأعلى. انتهى التحقيق، فتحت معظم طاقات الزنازين. وارتاحت نفوسنا من ضغط الترقب والخوف والتعذيب. وراحت أجسامنا تطالب بما فاتها من طعام طوال فترة التحقيق. وراحت الأيدي في فترة توزيع الطعام تمتد من الطاقات مطالبة بالمزيد من الخبز. على أن فترة بقائنا في الفرع بعد انتهاء التحقيق لم تشهد اعتقالات سياسية ذات قيمة، كل ما حدث هو اعتقالات متقطعة وفي قضايا غير سياسية فيما يبدو. ولم يكن هؤلاء المعتقلون يمكثون أكثر من يوم أو يومين في الفرع وأحياناً لا يبيتون فيه، دلالة على ضعف فعالية هذا الفرع قياساً على فروع الأمن الأخرى في تلك الفترة. ذات يوم من تلك الفترة وصلتنا من داخل قبو التعذيب أصوات جلد وصياح رجل يقول:

- دخيلكم أنا ماني بألبا! دخيلكم خدو الجبس كلو يا سيدي!

كان هذا بائع جبس قريب من الفرع اشترى العناصر منه واحدة ولكن تبين بعد الكسر، كما يزعمون، أنها بيضاء وقليلة الحلاوة. ويبدو أن العناصر كانوا متحاملين سلفاً على هذا الرجل لأنه لا يسامحهم في السعر، كما قال أحدهم، فاغتنموا فرصة غياب الضباط ووجود رئيس مفرزة متساهل كي “يربوه” متذرعين بأن الجبسة التي اشتروها منه كانت “مغشوشة”. (لكل مستوى من مستويات الفرع ظلمه الخاص. ظلم يتناسب مستواه مع مستوى الظالم في تراتبية الفرع، “فالظلم من شيم النفوس!”). علّق أحدنا على هذه الحوادث المتفرقة والعابرة بالقول إن هذه أصوات قرقعة أمعاء الفرع الخاوية..


كاتب من سوريا مقيم في باريس