حين تتخطى الرواية أسوار الصمت

الجديد  جميل الشبيبي [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(154)]

تمتثل رواية “جدار الصمت” للروائية الفلسطينية دينا سليم، الصادرة عن دار الجندي – 2015 إلى السيرة الذاتية، حين تؤكد كاتبتها “قمت بتدوين هذه الرواية مباشرة بعد وفاة ابني باسم سنة 2014″. تستحضر فيها لحظة وجود مشخص لابنها بقامته التي تعاند الاختفاء عن عالمنا الأرضي وتؤجل لحظة وداع لا تريد لها الاستمرار، وبين هاتين اللحظتين، تعمد الروائية، على استنفار الذاكرة مرة والتقنيات الروائية مرة أخرى، كي تبني صرحا ناطقا لذات تلاشت ثم غابت في اللانهائي لتعود إلى دائرة الوجود المفتوحة “تقرع ناقوسها في فراغ الوجود من جديد، مثلما عادت إلى رؤوسنا التساؤلات الكثيرة لتطرح نفسها، أهمها، لماذا رحلت الآن بالذات، ولماذا لم تنتظر قليلا؟”.

نفس حزينة

كيف يتسنى لروائية -هي في الآن أمّ- أن تسرد حياة ولدها البكر بعد أن غادر الحياة، وهو في اكتمال شبابه وحيوية حضوره الطاغي في ذاكرتها كطيف نقيّ من الأدران الأرضية التي كانت تحيط به أو حين يقوم بها؟ كيف لها أن تتجرد من حزنها المقيم وتجعل ابنها (باسم) شخصية روائية، تحتمل التألق والذبول، وتطالها الرذيلة أو تكتنفها فضيلة من نوع خاص، أتأمل قدرة كاتبة واعية لحزنها المقيم أن تحيل سرد حياتها الخاصة إلى سرد روائي يحتمل الخيال الروائي في كذبه وصدقه، في ما يطاله من خيال وما يكتنفه من غموض وتداعيات ورغبات غير بريئة !

بداية مهدت الروائية دينا سليم للحدث الطارئ -الموت- الذي سيطرق باب بيتها بإحساس مرهف ومخاوف تغلف النفس، تتحرى كل حركة أو صوت غريب أو أيّ تغيير مهما كان صغيرا، وهو يتضخم في قرارة النفس كهاجس بقدوم كارثة، وخلال ذلك ينمو إحساسها “أحسست بروحك تحوم في البيت، روحك حلت دون أن تطرق الباب ولم تقف على عتبة الدار، وكما في كل مرة نظرت خلفي، لكي أحظى برؤيتك”، كان ذلك قبل يوم من عيد ميلادها، ثم يأتي سقوط الساعة الجدارية التي أهداها لها في عيد ميلادها وتهشّمها علامة دالة على الموت الذي يتربص بابنها المريض. ولا تكتفي الروائية بأحاسيس الأم/الساردة عشية الرحيل الأبدي لابنها بل تعمد إلى افتراض انتشار هاجسها في أجواء المدينة، ليصل إلى (بيضاء) و(دجانة) المسؤولتين عن تغسيل وتكفين جثث الموتى وإقامة العزاء والندب، وهما تحضران عدتهما لاستقبال جثة الابن المريض.

تقييد سلطة الموت

في معظم الروايات السيرية، يتسيد ضمير الأنا في سرد تفاصيل الرواية، لتبدو التفاصيل تعبيرا عن حياة خاصة، وتظهر الأسئلة والحوارات وكأنها تعبير عن هذه الحياة، مما يكسب الرواية صدقا فنيا، يسمح لكاتبها إيصال أفكاره وتساؤلاته دون رقيب أو تشكيك.

وفي هذه الرواية استثمار واع للتفاصيل السيرية، فالكاتبة تغادر حزنها المقيم، وهواجسها نحو عالم روايتها التي تريد منه هدّ جدار الصمت، وبناء حياة مفعمة بالأمل، حياة تستعيد فيها حياة ابنها باسم، وتتويج حضوره بتلك الحوارات الكثيرة معه، مرة بالحوار المباشر وأخرى باعتباره مرويا له، يستمع لتداعيات ذاتها ونداءاتها لتأجيل الرحيل ثم بالوصف الدقيق المسهب لمراحل مرضه، وتحولات شخصيته حين تلقي ضوءا كاشفا على معاناته، وتمرده على مرضه وأطبائه، وأيضا وهو يمر بأدوار المرض، بالتزامن مع معاناة الأمّ وهي تضحّي بكل شيء من أجله ومن أجل عائلتها الكبيرة، حين تهجر وطنها فلسطين تجاه وطن جديد سترى فيه رعاية واحتضان من نوع فريد وهي إذ تسهب في سرد معاناتها من خلال تضحياتها، فهي تسجل صورة مفعمة بالإيثار والحب والشفقة النادرة.

رسمة لسمان خوام

والروائية في سعيها إلى كتابة رواية، تكثف سيرة حياتها الممتدة على زمن طويل، وتركز الكثير من تفاصيلها على علاقتها بابنها ومرضه ومن أجل إدامة ذلك تلجأ إلى تنويع وجهات النظر في روايتها هذه، بتشكيلة من الضمائر التي تناسب سرد أحداثها، كضمير الغائب، وضمير المخاطب وضمير الأنا، بالتناغم مع فصول الرواية ومنعطفات أحداثها وحواراتها. يضاف إلى ذلك دخول صوت باسم إلى السرد من خلال مذكراته التي يتحدث فيها عن حوادث أخرى من وجهة نظره ويسجل فيها آلام أمه وحزنها عليه ومكابداتها مع والده القاسي.

وتكشف الحوارات الطويلة بين الساردة وباسم، صراعا خفيا بين جيلين، أحدهما -الأم- يحرص على بقاء نظام العائلة، بالعناية والتضحية في سبيلها، والثاني يتبنى الفوضى، والتمرد على قوانين العائلة بالشكل الذي يمجد الفردية وسيادة صوت الذات وتمركزها على نفسها، وبهذا المعنى، تدشن السيرة موقفين من الحياة كل موقف يحمل تساؤلاته وخبرته في حياة عاشها وخبر منعطفاتها، وفي هذا المجال حرصت الروائية على إدامة هذا الصراع الخفي، وغذته بما يبقيه صراعا لا يحتمل التصالح.

من جانب آخر طورت الروائية صوتا ثالثا، إلى جانب الصوتين المتصارعين، يتعلق بالأجواء الصحية التي كرسها الوصف والتعليق لبيئة المنفى: الطبيعة الخلابة في أستراليا، والأنظمة والقوانين العادلة التي تكفل حرية الإنسان وتسمح له بالاحتفاء بذاته ضمن قوانين احترام الآخر وحريته وحياته الخاصة، وكل ذلك أعطى الرواية توجها إنسانيا، وشفافية عالية كسرت أفق الإحزان والندب والانكسار، تجاه حياة نابضة بالحركة والتغيير لا تتوقف عند الهواجس والأحزان الخاصة، ولا تكرس العزلة والانكفاء على الذات، بل تدعو إلى الانغمار في تيار الحياة البهيج الجارف لكل شيء.

استطاعت الروائية دينا سليم أن تستثمر سيرتها الذاتية لتكتب رواية مشبعة بالأحاسيس والأفكار والحوارات المثمرة، وبناء الشخصيات القوية المؤثرة كشخصية الأم وشخصية باسم وشخصية الأب الأناني الذي يمتثل لرغباته ومتعته فقط، إضافة إلى الشخصيات الثانوية التي أعطت الرواية انعطافة نحو الشفافية والإنسانية العذبة كشخصية الراهبة دي لورد التي “كانت أول من انتشلني من حيرتي، وأوفى من ساهم بترميم قلبي المجروح، ساندتني عندما أمضيت وحيدة لا ألوي على شيء سوى التفكير بعدم العودة”، وشخصية هيلينا عازفة البيانو التي تعزف للمرضى وهم يعيشون لحظاتهم الأخيرة حتى نهايتهم المحتومة !

وخلال ذلك تخطت الروائية أسوار آلامها وأحزانها العالية لتؤسس عالما من الرحمة والإنسانية والتسامح على أنقاض وقائع القهر والعسف والحرمان التي عاشتها في طفولتها وصباها في مسقط رأسها فلسطين. ولتعيد سيرة حياة ابنها باسم بما يحقق له حياة روائية ورقية خارج جبروت الموت والفناء.


كاتب من العراق