المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(156)]

الأدب والسياسة

“الأدب والالتزام” لبونوا دوني أستاذ الأدب الفرنسي والفرانكفوني في جامعة لييج ببلجيكا عنوان كتاب يبحث في العلاقة بين الأدب والسياسة من خلال سيرة أدباء القرن العشرين ومواقفهم المعلنة أو المبثوثة في أعمالهم.

يلاحظ الكاتب أن كل المراحل شهدت حضور السياسة لدى الأدباء في أشكال متنوعة، تتجدد بتجدد الظروف والمناسبات.
ويتساءل لماذا استبد هوس الالتزام بكتّاب القرن العشرين. والجواب أن الحداثة خلعت عن الكتّاب مسألة السياسة كما يقول بودلير، فما عاد الالتزام حقيقة يشترك فيها الجميع، بل صار ظلا ينداح على الأدب برمته.

ويتساءل الكاتب أيضا كيف يمكن، بعد ثورة أكتوبر 1917 ، أن نتصور أدبا غائبا عن الجدل، عاجزا عن الانخراط في حركة التاريخ وفي الزمن الراهن؟ والسؤال الأهم : كيف يمكن للأدب، بما هو متفصّ من السياسة وإكراهاتها، أن يحافظ على خصوصيته واستقلاليته؟

القرية منطلقا للعالمية

جديد الصيني مو يان، الفائز بجائزة نوبل عام 2012، كتاب بعنوان “تجاوز الوطن الأصلي” يضم أربع مقالات، اثنتان كان ألقاهما عام 2000 في الولايات المتحدة، الأولى “الجوع والوحدة منطلقا للإبداع″ يسرد فيها بداياته وطفولته البائسة.

والثانية “كيف حالك عم فوكنر؟” عن انفتاحه على العالم في أواخر السبعينات عندما بدأت أعماله تترجم إلى اللغات الأجنبية.

والثالثة عن لقائه بالياباني كنزابورو أوي المتوّج هو أيضا بنوبل عام 2002، وكان قد زاره في قريته وجرى بينهما حديث طويل عن البدايات وحرفة الأدب ومصادر الإبداع عند كليهما.

وأما الأخيرة، التي حملت عنوان الكتاب، فهي عبارة عن بحث كان أنجزه عام 1993، يُحِلُّ أدبه وجّدته وعالميته في قريته غاومي بمقاطعة شاندونغ.

ولا يدعي مو يان هنا أنه ينظّر للأدب، بل هو في عمله بطريقة براغماتية، ويسرد ذكرياته وكيف استوحى أعماله من طفولته وقريته وتاريخها، ليصوغ من تلك التجربة الإنسانية أعمالا عالمية.

حضارة الأيقونات الزائفة

شهدت الثقافة المعاصرة تحولا سلبيا عميقا، ليس ثمة، فيما يبدو، ما يستطيع أن يقف أمام مسخها وحتى زوال قيمتها. فانتصار صحافة النجوم وشطحات السياسيين وامتهان الفنون والآداب هي أعراض مرض عضال يشخّصه ماريو برغاس يوسا في كتابه “حضارة الفرجة” الصادر مؤخرا عن دار غاليمار، في تقديس الترفيه وجعله الهدف الأسمى في حياة مجتمعاتنا.

لقد كانت الثقافة فيما مضى وسيلة تكوين، حمالة لشروط الوعي والرؤية، في حين أن أوّليّة الفرجة صارت اليوم قاعدة أساسا غرضها الترويح وتلهية الناس عن كل وعي أخلاقي أو ثقافي أو سياسي. وفي رأيه أننا نعيش اليوم عصر الأيقونات الزائفة، وأغذية الذهن الزائلة، والجريمة الأخلاقية، والإبهار الذي يؤدي إلى العمى.

وبعد أن يقدم خريطة لبنى السلطة والنفوذ في المجتمعات الغربية، يدق يوسا ناقوس الإنذار، ليحذّر من مخاطر هذه المرحلة المتسمة بالتسيب والانحلال، وينبه مجتمعات تسير بنفسها إلى الهاوية.

المساواة الغائبة بين الجنسين

بعد كتابه “تجربة الميز العنصري”، صدر لإريك ماسي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بوردو كتاب جديد بعنوان “ما بعد البطريركية” لاحظ فيه أن المجتمعات الغربية، برغم تبنيها مبدأ المساواة بين الرجال والنساء، لا تزال تصنع بكيفية جماعية أنماطا أخرى من التفرقة: في الرتب الوظيفية، والأجور، ومشاغل البيت وشؤونه.

ويتساءل هل يمكن أن نرى في ذلك شكلا من أشكال إخضاع ماكرة لتكريس هيمنة ذكورية بطريركية توصف عادة كحاضنة أنتروبولوجية لها من السلطة ما يجعل نقدها غير ذي جدوى حتى وإن كان راديكاليا؟ ويقترح إطار تحليل مغاير، بوضع علاقة النوع في أطرها التاريخية والاجتماعية، ليبين كيف أن التوتر بين مبدأ المساواة وصناعة التفاوت يعكس أوجها متعددة لتصالح نوعي وقتي ومتغير يتمثل في “ما بعد البطريركية” الناتجة عن التحولات المتلاحقة للبطريركية وتناقضاتها الداخلية. عندئذ يمكن حل مفارقة المساواة المتفاوتة في المجتمعات الغربية، وفهم أشكال التوافقات الملحوظة في جهات أخرى من العالم.

المفارقة المجنونة

“إنه لأمر مفارق!” عبارة تطلق للتعبير عن المفاجأة والاستغراب والغضب أحيانا، أمام وضعيات تبدو متناقضة أو غير معقولة أو مستعصية على الفهم. من خلال التعابير الغامضة حد التناقض في الخطاب اليومي، يرصد عالما الاجتماع فنسان دو غولجاك وفابيان هانيك في كتابهما “الرأسمالية المفارقة – نظام يدفع إلى الجنون” نشأة هذه “المنظومة المفارقة” وبنيتها.

ويستكشفان علائق فرنسة الاقتصاد وتطور الوسائل التكنولوجية الحديثة بهيمنة فكر وضعي ذي غاية نفعية. ويبيّنان كيف أن طرق التسيير الحديثة ووسائل إدارة الأعمال التي تتبعها تضع العمال في مواجهة أوامر مفارقة مستمرة إلى الحد الذي يفقدون معه معنى ما يقومون به.

كما يستعرض الكتاب مختلف أشكال المقاومة، وآليات التخلص أو ردود الفعل الدفاعية التي يضعها الأفراد ضدّ هذه المنظومة. فالمفارقة بالنسبة إلى البعض تقود إلى الجنون، فيما يرى فيها البعض الآخر دعوة إلى التجاوز، وابتكار أجوبة جديدة، فرديا وجماعيا.

الخصوصيات والتعايش السلمي

“إمكانية الكوسموبوليتانية، البرقع، حقوق الإنسان والتعايش” عنوان كتاب لقسطنطين لانغي الباحث في العلوم السياسية، يطرح فيه مسألة الكونية على ضوء منع المشرع الفرنسي نقاب فئة من المسلمات منذ عام 2010، ويطرح من ورائه مسألة تعدد الثقافات والمثالية الكونية.

يتوقف الكاتب عند الجدل الذي أثاره قانون المنع، في الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية، ليحلل حيثياته وموقف النخبة السياسية والفكرية منه، ويسجل التناقض بين منطق رجال القانون وبين المنطق السياسي للمشرّع. وفي رأيه أن ذلك التناقض كان له أسوأ الأثر على الحياة المشتركة للمجتمع الفرنسي بكل مكوّناته.

فهو مؤشر على عدم قبول الآخر، ورفض عاداته وتقاليده وعقيدته، ويتساءل كيف يمكن التوفيق بين مبادئ القانون وبين الشروط السياسية للتعايش السلمي؟ ويرى أن ذلك ممكن، لأن قانون 1905 يحدد صلاحيات الدولة والكنيسة ويترك للفرد حق ممارسة شعائره كما يهوى، في ظل احترام القانون.

هل الحياد ممكن زمن الحرب؟

جديد الكاتب والدبلوماسي جان كريستوف روفان رواية بعنوان “نقطة تفتيش” تروي مغامرة فتاة تدعى “مود” انخرطت ضمن منظمة غير حكومية تقودها إلى البوسنة زمن الحرب، حيث يعهد إليها بقيادة شاحنة رفقة أربعة رجال يبوحون لها تباعا بجراح وجودهم التي تكتموا عليها سنين، في أنفة وكبرياء. مثلما باحوا لها بطبيعة حمولة الشاحنة التي كانت تقودها.

من خلال شخصيات قوية مرسومة بدقة، أبدع الكاتب رواية ذات بنية بوليسية ونفس ملحمي وتحليل سيكولوجي عميق. وعبّر عن المعضلات العميقة التي تنخر هذه المرحلة. كيف يمكن الحديث عن حياد الأعمال الإنسانية حين تستعر الحرب في قلب أوروبا وتهدد باشتعالها؟ وأمام مشاهد القتل والدمار والتصفية العرقية، هل يمكن للمرء أن يبقى على حياده ولا يحمل السلاح دفاعا عن المضطهدين والمستضعفين والمشردين؟

نساء يتحدين الموت

“أغبرة المنفى” رواية جديدة لباتريك بار، بطلتها امرأة تعاني من العيش المدقع في أرياف أسبانيا مطلع القرن العشرين، وعند اندلاع الحرب تفرّ إلى فرنسا للعمل في مزارع الكروم دون أن يأتيها المنفى بما كانت تأمل.

تقنع زوجها وأبناءها وبنتيها بالعودة إلى بلدها، فتجد نفسها في أتون حرب أهلية مدمرة انتهت بمقتل زوجها وأبنائها، وانتصار قوات فرانكو، ما جعلها تلوذ بالمنفى مرة أخرى صحبة بنتيها عبر جبال البيرينيه، ومنها إلى باريس حيث يتكدس اللاجئون من كل الجنسيات في بيوت وضيعة وأحياء قصديرية، فيعشن الفقر والخصاصة، وتتزوج البنتان وتنجبن.

وفي يوم تسلّم الأم ليا لحفيدتها ريبكا علبة أحذية يغير محتواها عيشهن جميعا من حال إلى حال. رواية ملحمية تشيد بشجاعة نسوة تحدين الأوضاع العويصة، وغلبت إرادتهن وحب الحياة لديهن بشاعة البؤس، وفظائع الحرب والموت.

هل الثورة الرقمية ثورة ثقافية؟

هل نحن اليوم أمام الثورة الصناعية الثالثة، بعد ثورة أولى قامت على تطوير الآلة البخارية والسكك الحديدية، وثورة ثانية كان من أهم رموزها استغلال الكهرباء والبترول؟ فالذي يوحدها جميعا وجود شبكات كبرى (سكك حديد، كهرباء، إنترنت)، ومخترعون (جيمس وات وآلته البخارية، توماس إديسون وإمبراطوريته الصناعية، بيل غيتس ومؤسسته ميكروسوفت) ومخيال يعلن عن ولادة بشر جدد.

انطلاقا من المجال الثقافي (سينما، تصوير شمسي، كتب، موسيقى، فنون، صحافة، راديو، تلفزة…) يحصر الباحث ريمي رييفال في كتابه “ثورة رقمية، ثورة ثقافية؟” أبعاد هذه الثورة الجديدة في علاقة الفرد مع ذاته ومع الآخرين، وفي الوصول إلى المعارف، وفي علاقتها بالمعلومة والبرهان. هل هي قطع أنتروبولوجي لمجتمعاتنا أو هي تحول جديد في استعمالنا لوسائل الاتصال كما عرفتها الإنسانية عبر تاريخها؟ هل هي تحوّل في السلم أو تحوّل في الطبيعة، في عالم تتصارع فيه قيم التحرر والانفتاح ضد استراتيجيات المراقبة والهيمنة؟

المعبود ومريدوه

يخيّل إلى المرء أن كلّ شيء قيل عن رامبو، سواء في حياته أم في مماته، وقد وضعت حوله مؤلفات من كل صنف. وازدادت الأسطورة توهجا بعد اعتزاله الشعر ورحيله إلى هراري، إذ صار أكبر من شخصية رامبو، وأعظم من شعره، خصوصا في عيون من يسمّيهم جان ميشيل دجيان “عشاق رامبو” -وهو عنوان كتاب صدر له مؤخرا- واستغلوه لخدمة قضاياهم، كذا الكاثوليكيون والسرياليون والثوريون وعازفو الروك وسواهم.

في هذا الكتاب يستعرض المؤلف كل أصناف عشاق رامبو ودوافعهم التي تتراوح بين الصدق والرياء، البحث عن الحقيقة وركوب الموجة، السطحية والعمق، ما حاد بالبحوث والمقالات والبرامج عن رامبو الشاعر إلى رامبو متخيل يرسمه كل واحد على مقاسه، بشكل حوّله إلى نجم سينما أو روك ستار وحتى إلى كائن من كوكب آخر. ويكشف الكاتب عن الوجه المجهول لهذه القارة الأدبية العجيبة، متسائلا من الذي يستفيد من الآخر: المعبود أم مريدوه؟

خطر التطرف على أوروبا

“الفكر الضالّ” كتاب للباحثة الفرنسية ألكسندرا لينيل لافاستين تستكشف فيه عشرية اتسمت بما تسميه “خيانة المثقفين”، تلك الفئة التي عجزت في رأيها عن تصور أن الشرّ يمكن أن يأتي أحيانا من معسكر المعذبين في الأرض سابقا، أولئك الذين يوضعون عادة في خانة الخير.

وتبين أن جدلهم الذي لا ينتهي للتمييز بين ما هو مقبول سياسيا، وما هو مرفوض سياسيا، أدى إلى فظائع يناير الماضي، وسقوط ضحايا في صحيفة شارلي إيبدو والمتجر اليهودي هيبر كاشير، وساعد في تمهيد الطريق لقارة أوروبية يمينية متطرفة.

وفي رأيها أن مواقفهم ساهمت في تعزيز خطرين يهددان أوروبا برمتها: اليمين المتطرف من جهة، والتيارات الإسلامية المتشددة من جهة أخرى، أي عالمين متأزمين يتصارعان في القارة العجوز. وفي رأيها أن أوروبا تسير نحو الكارثة إذا لم تسارع باستعادة ماضيها المستنير، لدرء التطرف أيّا ما يكن مأتاه.

محلل تنبأ بإخفاق الإسلام السياسي

“فشل الإسلام السياسي” كتاب كان أوليفيية روا المتخصص في الإسلام السياسي أصدره عام 1992، وناقش فيه مسألة فشل الإسلام كأيديولوجيا سياسية، في وقت كانت الحركات الإسلامية على اختلاف مشاربها وتعدد اتجاهاتها في تزايد مستمر، تتمدد باستمرار من بلاد المغرب العربي إلى جزر إندونيسيا.

وقد انطلق في تحليله من كون الأصوليين يتخذون القرآن برنامجا للحكم، ويعتقدون أن في الإمكان بناء مجتمع يقوم على تعاليمه ليفرضوها عن طريق الدولة. وفي رأيه أن التجارب التي مرت بها أفغانستان وإيران تثبت العكس، وتقيم الدليل على أن مفهوم الدولة الإسلامية متناقض وصعب التحقق. بعد أكثر من عشرين عاما تأكد تحليله من خلال إخفاقات الأحزاب الإسلامية التي وصلت إلى الحكم عقب ثورات الربيع العربي.

صدر الكتاب في طبعة جديدة مع ملحق بقلم الكاتب لم يسبق نشره، دعا فيه إلى إنعام النظر في مسألة الإسلام السياسي بعيدا عن الحركات المتطرفة التي ظهرت أخيرا في مختلف بقاع العالم الإسلامي، وانتشار العمليات الجهادية في العالم، للوقوف على أبعادها ومنطلقاتها.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا