ثقافة الرخيص، ثقافة 'القط بسبعة أرواح'

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(160)]

في منتصف التسعينات، لاحظ مدربو الطيران في الغرب أن تلاميذ القوة الجوية يتعلمون التحليق والمناورة بسرعة قياسية تفوق الأجيال السابقة بكثير. شيء ما تغير في أدمغة الشباب جعلهم أكثر تأهيلا. انها العاب الفيديو التي كبروا وهم يلعبونها. أصبحوا طيارين "بالفطرة". عقولهم أعادت ترتيب العصيبات الدماغية لتقوم بهذه المهمة. كانوا ايضا أكثر جرأة وإقداما.

في منتصف العقد الأول من الالفية الجديدة تطور الأمر كثيرا. كان تلاميذ التحليق والطيران اللذين لم يعودا حكرا على الطيارين، أفضل من جيل التسعينات. طيارو الطائرات من غير طيار الذين يقودون الطائرات المحلقة فوق افغانستان والعراق واليمن كانوا اكثر براعة. ولكنهم كانوا ايضا منعدمي الاحساس بالخوف. العصبيات الدماغية لم تتغير فقط لتكون أكثر سرعة واستجابة للمشهد البصري الذي توفره الالعاب الالكترونية، إلا أنها منحتهم احساسا بالمنعة من الخطر.

الحياة بالنسبة لهؤلاء من الجيل الأول والثاني لعصر ما بعد الالعاب الالكترونية شيء بسيط. ما ان "تقتل" على شاشة الكمبيوتر او التلفزيون المربوط على جهاز الالعاب، حتى يبادر الجهاز إلى منحك حياة اضافية أو اكثر للاستمرار. عدوك على الشاشة ايضا لا يموت بسهولة. وإذا مات، فانه ينط بعد دقائق واقفا ويطلق النار او يواجهك بسيفه. الحياة اكتسبت معنى جديدا. أنت على شاشة العاب الفيديو "قط بسبعة أرواح".

حياتك رخيصة لأن في جعبتك خزينا من الحيوات. وحياة الأعداء رخيصة لأنهم لا يموتون بل يتجددون. اطلق النار ولا تتردد.

هذا الرخص صار سمة ثقافية حياتية نعيشها. لا احد يحصي عدد "القتلى" على شاشات الالعاب. لا احد يحصي عدد القتلى على شاشات الهجمات الحقيقية التي ينفذها طيارون يجلسون في تامبا في فلوريدا الأميركية في حين أن طائراتهم المسيرة عن بعد تقتل في وزيرستان. بمرور الوقت صار عداد القتل لا يهتم بالتبرير أبدا سواء أكان القتيل عروسا في زفاف أم إرهابيا يفجر نفسه في الآخرين. وكالات الأنباء صارت تورد الأخبار في سياق مبسط وما عادت المؤسسات الاعلامية بأشكالها الورقية والتلفزيونية والالكترونية تهتم بنشر الخبر.

هذه ثقافة خطيرة. عندما نفقد الاحساس بحيوات الناس، ماذا يبقى ذا قيمة؟

هكذا نكون قد رصدنا المشكلة. انها ألعاب الفيديو الملعونة إذن.

هذا لا شك تبسيط مخل. المشكلة أعمق بكثير وتتعلق بثقافة الوفرة والإنتاج وثقافة ابتذال القيمة كذلك.

في الستينات والسبعينات مثلا، كان العريسان يشتريان أثاث المنزل بحرص لأنه سيعيش معهما العمر كله: الثلاجة الأميركية والتلفزيون الهولندي والراديو الياباني والغسالة الالمانية والأثاث المصنع محليا من خشب الصاج أو البلوط. التلفزيون قطعة أثاث مهمة جدا كان يتم تخصيص قطعة قماش مزركشة تغطيه خلال النهار حفاظا عليه من الغبار وترفع عنه عند استخدامه مساء (نعم كان البث التلفزيوني في المساء فقط). الهاتف يوضع على رف عال جدا لكي لا يصله الأطفال. السيارة ثروة عائلية عابرة للأجيال.

في الثمانينات وصل جهاز الفيديو. كان جهازا مثيرا ولكنه كان هشا جدا كثير الاعطال. كان يزور محل تصليح الادوات الالكترونية كثيرا لكنه يعود معززا مكرما. التصليح، للفيديو وغير الفيديو، كان شيئا عاديا جدا ومهنة محترمة. لم نكن نرمي الأشياء. كنا نصلحها ونعتز بها. كان ضروريا أن تبقى "حية".

ثم جاء الانتاج الرخيص القادم من شرق أسيا: هونغ كونغ وسنغافورة وماليزيا واندونيسيا أولا ثم الغولان الصناعيان الصين وكوريا الجنوبية. فقدت الأشياء قيمتها. صار كل شيء رخيصا، بل أرخص.

لم يفكر أحد أن يصلح مشغل الاقراص الفيديوية العاطل. كان يرمى. حاول البعض تصليح اجهزة الكمبيوتر. انتهى الأمر بأنك تستبدل الكمبيوتر حتى من دون أن يعطل. هذا كمبيوتر "قديم" رغم ان عمره لا يتجاوز عمر طفل في الروضة. انظر كيف صرنا نتعامل مع الهاتف المحمول. صار عمر الهاتف المحمول "الذكي" سنة لا أكثر، في حين كانت الاجيال الأولى "الغبية" منه تعمر لسنتين. الذكاء مشكلة. صرنا نستبدل السيارات ونرمي الأثاث (نشارة خشب مكبوسة لا قيمة لها) ونغير من تلفزيون الشاشة الكريستال إلى شاشة ال إي دي لأن الأخيرة أكثر بريقا.

هذه الوفرة في كل شيء زحفت على المنتج الثقافي. استبدل التلفزيون الكتاب أولا، ثم غرق التلفزيون نفسه بعدد كبير من القنوات. حيرتنا كبيرة في اختيار مسلسل رمضان المفضل الذي سنتابعه. الفضائيات أمطرتنا برامج منوعة وترفيهية. ما نذكره من الاغاني هو ما تختزنه ذاكرتنا من أيام الراديو أو الكاسيت الذي لا ينفك عن التكرار.

ثقافة الرخص بددت قيمة الأشياء مثلما بددت ثقافة الالعاب الالكترونية قيمة الحياة. يبدو أن من المبالغة افتراض وجود الفرق.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • كتلة حرجة
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة