في الطريق إلى الحرية

الجديد  جابر بكر [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(98)]

لوحة: أحمد شلبي
هبط الليل حالما بصباح عامر بالحرية. أقفلت عيوني محاولاً النوم. غداً سأركب حمار الجو “الطائرة” ولأول مرة في حياتي. لا أحد يعلم هذا إلا زوجتي وأهلي فقط. والآن لم يعد سرا أني ركبت الطائرة لأول مرة عندما كنت في الثلاثين من عمري. انبلج الفجر محمّلا بالحقائب ونسيت أنا كالعادة أن أتفقد الحرية. اتخذنا السبيل هاربين من عاصمة عربية بالكاد تملك مقومات المدينة. هي عالم أقرب للفوضى التي رأيتها، حينها، قاتلة مدمرة.

خرجنا من بيت أصدقائنا في الأشرفية البيروتية متخذين سبيل المطار. وصلنا برفقة الأصدقاء ومنهم من باتوا أكثر من أصدقاء. تلقفتنا عيون المرافقة الفرنسية على بوابة ميناء الحريري الجوي لنأمن جانبنا. مررنا على المدققين كأننا سياح لم نسأل عن شيء إلا الأوراق. لم ندفع عن فائض الوزن الكبير الذي أصرت زوجتي وضعه في عنابر الحقائب. ركبت في الختام الطائرة العائدة للخطوط الجوية الفرنسية. جلست قرب النافذة فهذه المرة الأولى في حياتي سأرقب الأرض من ارتفاع وليس من باطنها. زوجتي لم تمانع فهي سبقتني إلى هذا السبق. وعن باطن الأرض سأحدثكم كثيرا ولكن بعد حين.

جدتي والحرية

الإنسان كائن جبار. ثقل الوقت العابر يرسم عليه قليلا من التجاعيد وتعبا في قلبه. هي، أي جدتي، لم تمت لا بسبب تجاعيدها ولا بتعب القلب، تلقفها الموت بصمت عبر أمعائها المتورمة. حملتُها رويداً رويداً إلى مقامها الأخير لتسكن إلى ذاتها بعيدا عن ضجيج البشرية. أرسلت وجهها ليقابل التراب خالعاً عنه ثوبه الأخير. استرخت مبتسمة صامتة كعادة الحقيقة. رحلت وتركتني أتخبط بأسئلة لا نهاية لها ولا بداية. كيف ولماذا كل هذا الكون العبثي؟ هل ولدنا لنولد من جديد.

قبل موتها بأربع سنوات، ضربت جرس باب بيتها عائداً من سفر. خرجت تركض إلى الشارع تزغرد وتهلّل وتغنّي. قبلتني وهي تشكر خالقها الذي أعادني من القبر، “الحمد لله اللي رجعك سالم”، وتطلب مني كالعادة سرد الحكاية، كيف خرجت من السجن ولماذا تأخرت؟

جلست بقربها فواقع الأمر أن لم ولن ينصت أحد لكلامي كجدتي، أخبرتها أنه وفي تمام التاسعة من تلك الليلة التاسع عشر من نيسان عام 2004، وأنا غارق في سهرة مع شاعر كردي كانت المخابرات العسكرية قد اختطفته من بيروت سراً، ومع نائب عام الموصل والذي اعتقل في مطار دمشق وهو في طريقه إلى أسبانيا، فُتح الباب يا جدتي، فإذا بسجان من أبناء السويداء شارباه يغطيان فمه، فتح الباب واستند عليه، ومن ثمة صرخ باسمي، فأجبته بنعم هادئة لا لون لها، قال: “ضب غراضك إخلاء سبيل”، فكبّر الاسلاميون يومها فرحا بخبر الإفراج رغم أني مصنّف على معسكر الخصوم. بعد أن برد الهتاف سألته وبذات اللهجة الغريبة “إخلاء سبيل أم تحويل لفرع آخر”، فسب الذات الإلهية يا جدتي وصرخ بوجه وقال “إخلاء سبيل يا حيوان”، فعلقت جدتي بحمد ربها أنه لم يتركني ويرحل.

تجهزت وودعت كل زملائي في “المهجع″ ومن بينهم سعودي كنت قد راهنته على خروجي يومها، بعد أن حلمت بذلك، في السجن كل الناس لون واحد لأن الرب يومها يصير واحداً، فالألم المشترك يوحد الإيمان. وبالطريق إلى مدير السجن يا جدتي طالبني السجان ببشارة الخبر، فأخبرته أنّي لا أملك شيئاً، فنعتني بالمنتوف. مدير السجن صاحب الصوت الجهوري جداً، أحالني إلى المكتب الأول في فرع فلسطين محطتي الأخيرة قبل الخروج، وهناك استقبلني أحمد العلي، كبير محققي القسم، وبادرني بالسؤال “وين هل الغيبه”، فقلت له “بسلامة معرفتك”، رد عليّ بنظرة غاضبة وابتسامة صفراء، إن هي إلا نصف ساعة كنت في مكتب العميد الذي سرد عليّ خطابا بالأخلاق والقيم والمبادئ وغيرها الكثير، ومن ثمة ألمح للتعاون والتواصل وغيرها من التفاصيل، وأنا ارتديت لباس الغباء والبلاهة، ومن ثمة صافحني إلى باب غرفته، لأقف في الممر وحيدا لا أعرف سبيل الخروج وعندما طلبت من العليّ السبيل، ضحك وقال “نسيت إنك فتت محمل لهون”، وها أنا ذا يا جدتي بين يديك.

تذكرت ليلة الإفراج تلك، وأنا في قبر جدّتي أكمل مراسم اللحد والدفن. نعم تعلمت مراسم الموت مذ ودّعت جدي قبل بضعت أيام. جدّي كنت أظنه تعب الروح ولذا تخلص منها، الخلاص من الروح طريقتنا للهروب من الآلام التي لا تحتمل، ولكن الخوف يترصدنا لحدود الغياب. جسد جدّي بدأ يلتهم الدود ما تبقى منه، كما التهم الجرب دماء الكثيرين في تلك السجون. الجرب يكوي دمك ويذيب روحك رويداً رويداً وبصمت كسكينة النواة المحترق قبيل الانفجار. يمتص مياه روحك لتستحيل ثقيلة تسقط والزمن إلى أبعد نقطة بعمق يأسك، عندها تقر أن ترك الروح لهجرتها خير مطلق. لكن روحي تشبثت بالحياة قليلا ولا أعلم كم هذا القليل. كم تمنيت أن أخبرك يا جدّي كيف يموت الناس وهم يتحركون في تلك القبور؟

القاعدة في دمشق

تلك القبور، كان آخرها في رحلة خروجي، المهجع العاشر بفرع فلسطين “المقر القديم” في منطقة الجمارك بدمشق، في ذلك المهجع الذي دخلته أذار عام 2004، قابلت أشخاصاً من مختلف الجنسيات العربية، من بينهم شخص كان يدعى أبو جعفر عرفت في اليوم الأول عبر رسله الليبي والسعودي واليمني، الذين حاولوا جرّي لطرفهم بأنه من الرجال المقربين من “الشيخ أسامة بن لادن”، وكان مقرّبا أيضا من مفتي النظام السوري أحمد بدر الدين حسون، فذاك الأخير قبل أن يكون بمنصبه هذا، كان يساعد أبو جعفر على تجنيد الشبان السوريين للتدرب في العراق من أجل الجهاد في بلاد الرافدين بحسب تعبير الرسل، وبالطبع بمقابل مالي على الرأس. في تلك القبور تطبخ الأحزمة الناسفة.

رغم كل الفوارق بين النزلاء هناك، إلا أننا كنا أصدقاء بمعنى من المعاني، ولكن الحياة لا تتغير بالعواطف كما تعلّمت في صيدنايا من أحد المعتقلين الفلسطينيين، والذي شارك بقيادة المجلس الثوري ذي السمعة السيئة والمتهم باغتيال العشرات من المعارضة العربية في مختلف البلاد، واختصر تجربة حياته بمقولة لا يمكنني نسيانها “لا أملك القدرة على التعاطف مع فرد أو جماعة أو أمّة وبالذات في حكايات القتل والدمار والحرب لأني أراها مسألة اجتماعية تاريخية ‘صيرورة’ لا بد منها، ولكن لا يعني ألا أعمل لنصرتهم، فالتعاطف مخدر”، وهذا الأخير قتل المسألة الفلسطينية فالبكاء لا ينفع حتى الموتى فكيف ينفع الأحياء، ومن هنا لم أبك على أولئك الذين يُطبخون بالبارود لينفجروا بعد حين.

هذا الفلسطيني لا يشبه بطريقة تفكيره من قابلتهم في صيف عام 2002 بفرع التحقيق العسكري 248، وهم مجموعة ذات طابع إسلامي، حينها كانوا في السجن منذ أكثر من عامين، ففي الغرفة الثانية عشر بالفرع والتي يتزعمها أبو الحارث أضخمهم كانوا قد أنفقوا شهور طوالا بانتظار قرار النقل إلى سجن آخر كصيدنايا أو عدرا، كحال زميلهم الذي كان في سجن صيدنايا منذ الشهور الأولى من الدعوة التي ترتكز على تهمة نقل السلاح من لبنان عبر الأراضي السورية إلى الأردن فالضفة الغربية لدعم المقاومة الفلسطينية بعد انتفاضة عام 2000، وفي جانب من التحقيق معهم برعاية هشام اختيار الذي كان رئيساً لفرع المنطقة وقتها، كانوا يضربون ويشتمون أمام شاشة التلفاز التي تنقل أخبار الانتفاضة، ويقول لهم ما في ولا رجل قادر على إيصال السلاح لهؤلاء الأبطال بالإشارة إلى المنتفضين في فلسطين المحتلة!

كعك العيد

شهور ثلاثة قضيتها مع تلك المجموعة الفلسطينية بفرع التحقيق العسكري، ومن ثمة نقلت إلى سجن صيدنايا العسكري، وهم نقلوا إليه في وقت لاحق. قبل صيدنايا سأبقى في فلسطين ولكن فلسطين الفرع لا البلاد، الفرع الذي يحمل الرقم 235، هناك وفي المهجع الثاني حيث قضيت فترة التحقيق الأولى والتي لم تتجاوز الشهرين، مرّ على رأسي الكثير من القصص وتعرّفت على حقيقة نظام الحكم في بلادي.

بكل وقاحة بلاد تبنى على الدماء والظلمات، بلاد تجمع فيها المخابرات بالفروع أفواجاً من المواطنين “الرعاية” لتبحث عن تهم لكل منهم وكل بحسب ميله، فهذا عمر ابن حلب يصلّي وملتزم دينيا كان يضرب بشكل يومي ليعترف بانتمائه لحزب التحرير الإسلامي، وشيخ من العتيبة في الغوطة الشرقية بريف دمشق يضرب ليعترف بأنه ضد الحكم وأنه سبّ وقذف رئيس البلاد، وأنا أضرب لأعترف أني ماسوني وأنتمي للمحفل الماسوني الدولي لمجرد حديثي عن آل الشلاح ودورهم بمحفل الشرق الأوسط بحسب مذكرات بدرالدين الشلاح أحد أبرز وجهاء دمشق وتجارها.

بإحدى جلسات التعذيب، طلبني سجان شديد الغرور ودموي الميل اسمه شادي، وخرجت من باب الغرفة لأقف ووجهي إلى الحائط ورأسي منحن إلى الأرض ويدي خلف ظهري، هكذا كانت العادة عندما تخرج إلى التحقيق وبالطبع حافي القدمين، صعدنا الدرجات من القبو حيث السجن إلى غرفة التحقيق الأولى من بين عشر غرف تطل عليها المهاجع المدفونة بالقبو وذلك عبر الممر من خلال نوافذ صغيرة، يومها تعرفت إلى أحمد العلي الذي عرفت لاحقا أنه كبير محققي القسم الأول، والذي بدأ بتكذيب كل أقوالي وشتمي ومن فور طلب تجريدي من الثياب إلى القليل وبدأت حفلة التعذيب بالجلد والضرب حتى سال الدم من كل مسامات جسمي، بعدها بقليل انتقلنا إلى الشبح وأنا أحاول جهدي ألا أبكي أو أصرخ. علمني الشيخ الغوطاني أنهم يستمتعون بصراخنا ودموعنا فاحتفظت بالدموع ليوم أحتاجهم فيه. أما الصراخ فانفلت من لساني وصعد ندائي إلى الله بالخلاص بعد الشبح. لحظة وضع الأغلال “الكلبشة” في يدي اليمنى ومن ثمة اليسرى وبعدها رفعني على كرسي أمام عارضة معدنية مرتفعة أكثر من مترين ونصف المتر عن الأرض لأعلّق وأترك سابحاً في الهواء، حينها شعرت أن الكون تجمع عند معصمي وقلبي يعتصر بين الحديد ومسامات الجلد الذي بدأ مع الوقت يذوب وينسلخ.

خرجت من باب الغرفة لأقف ووجهي إلى الحائط ورأسي منحن إلى الأرض ويدي خلف ظهري، هكذا كانت العادة عندما تخرج إلى التحقيق وبالطبع حافي القدمين

يوم تعذيب كامل سبق احتفالات ذكرى تأسيس حزب البعث الحاكم بأيام عندما فتح الباب أحد السجانة المعروف باحترامه للحد الأدنى من الإنسانية، يعني بحسب المتداول هناك “ابن حلال”، رمى السجان بصندوق من “معمول العجوة” كعك العيد لشيخ الغوطاني الذي كان رئيس المهجع وقال كل عام وأنتم بخير، ورد الجميع بذات التعبير دون معرفة سبب الاحتفالات، أكلنا المعمول ومن ثمة تذكرنا سبب الاحتفال، وأياً كان السبب المهم أني أحب كعك العيد واستمتعت به.

بردى

مع بدايات شهر أيار من العام 2002، وفي فلسطين أيضا، ثار الفرع وارتفعت أصوات السجانة بالصراخ والشتم، وارتفعت أصوات “الكرابيج” إلى أعلى مستوى شهدته أنا ومن هم أقدم مني، ومن الجلبة تميز صوت شاب صغير ينادي ويستحلف الجلادين بأنه بريء، ويرد عليه الجلاد بأنه كاذب ويُسيل عليه طوفان شتائم وإهانات، الصراخ ذهب بالنوم من جفون الجميع وكل واحد يلزم “سيفه” أي الجنب الذي ينام عليه.

إن هي إلا ساعة حتى وصل الضرب حدا لا يحتمل، وانتقل إلى مرحلة ثانية بعد أن قال أحد الجلادين لزميله أجلسه على “قنينة البردى”، وبالطبع يقصد زجاجة البيرة ماركة بردى، وارتفع صراخ قتيبة الشاب الذي تعرفنا على اسمه من خلال التحقيق ولكونه ذا نبرة صوت مميزة فصوته أقرب للطفولة منه للرجولة، بعد دقائق شق صوت قتيبة سماء الفرع ودمشق والكون، وبدأ أنينه يبكي كل الوجوه صغيرها وكبيرها، الكل يبكي صامتاً، وقتيبة أكثرنا رجولة ينادي “أحد أحد” كما كان بلال ينادي يوم عذّبه الكفار.

الجلاد، يشتمه بأمه وأخته، ويشتم ربه بأبشع الشتائم، وقتيبة ينادي “أحد أحد” والجلاد يسأل عن اسم شيخ الجامع الذي كان يتردد عليه، وقتيبة يخبره فيرد الجلاد بالتكذيب والشتائم دون وصول إلى نقطة اتفاق إلى أن صمت قتيبة بشكل مفاجئ واختفى صوته تماماً. خرجت في منتصف أيار تقريبا من فرع فلسطين منقولا إلى التحقيق العسكري ولا أعرف أين قتيبة؟ أهو حي أم ميت لا أعلم؟ وكم من قتيبة قُتل أو جُهّز ليقتل نفسه في تلك القبور لا أعلم، وربما غالبية السوريين لا يعلمون.

سوء الطالع جاء بقتيبة إلى المكان الخاطئ في التوقيت الخاطئ ما تسبب باعتقاله وربما حكمه، في حين وبذات الفروع الأمنية الحريصة على حياة المواطنين من خطر الجماعات الإسلامية! تضم بين جنباتها جماعات جاءت بها اعتقالات ما بعد الحرب الأميركية على طالبان، كان لي فرصة البقاء لثلاثة أيام بزنزانة مقابلة لغرفتهم، وهم المعتقلون العرب والأجانب من الإسلاميين، يحملون أرقاما وأحرفا بدل الأسماء وفي غرفتهم كما هو واضح توجد غسالة أتوماتيكية، وبراد والكثير من المعدات والخدمات الطبية التي لا تنقطع كل يوم، ويحظون بفرصة إقامة صلاة الجماعة وإطلاق اللحية، ويتحدثون بصوت مرتفع في أيّ وقت. كل هذا كان يحدث في الفرع 248 التحقيق العسكري، والذي كان يفرض النوم على الجميع بتمام العاشرة، وكان القمّل يأكل معتقليه في حين أن إسلاميي القاعدة يحظون بأفضل الخدمات. نعم أهلا بك في بلاد العلمانية.

أكاديمية صيدنايا

بلاد العلمانية حيث التهم بحسب الطائفة والدين، إن كنت مسيحياً فأنت جاسوس واختر البلاد التي تريد، وإن كنت مسلماً سنياً فأنت من الإخوان المسلمين أو حزب تحرير أو جماعات إسلامية أخرى، وفي أحسن الأحوال أنت حزب بعث عراقي، إن كنت درزيا أو علويا فقد تكون يساري التهمة كحزب العمل. كرديا تهمتك معلنة بشكل مسبق، والقياس على هذا الجدول يعطي نتائج تقريبا صحيحة بنسبة مئة في المئة، يكفي أن تعرف من أيّ دين هو المعتقل أو من أيّ طائفة لتعرف تهمته.

هذا واقع تلمسه في صيدنايا حيث بقيت لفترة قصيرة قياساً بمن قابلت فمنهم كرغيد الطيار المستقيل الذي اعتقل قبل ميلادي، وأنا اعتقلت وخرجت من السجن وهو مازال من نزلائه حتى تاريخ كتابة هذه الحروف، رغيد الذي يصنع الجمال بالنحت على عظام الحيوانات، يبدع أجمل اللوحات بالحفر على عظام ميتة ويلتزم الصمت طوال اليوم إلا قليلا من الكلمات الترحيبية عندما كنا نشرب الشاي سوياً.

أحمد حمدو المحمود قتيل الجوع في سجن حلب أيام الثورة، رجل رقيق الكلمات، جميل الروح كان يعلّمني كل يوم الكثير، نبدأ قبيل إغلاق أبواب الغرفة في الجناح باء يمين ثاني، بالمشي في الممر الطويل والحديث ويعلّمني كيف يمكن للكلمات أن تصنع نصاً بديعا، ومن ثمة يخوض بمباراة مع أنور ساطع أصفر الصحفي المعتقل للمرة الثانية في حياته، والمباراة بينهما لكتابة نص عن أسطورة شجرة الحور، وهي باختصار قصة فتاة بجمال الملائكة ذات جسد رخامي الملمس وشعر يتوّج كوكبة ملامح شديدة الفتنة، بعيون لوزية ترقب بسلام جمال حبيبها الذي يشاركها جمال اللحظات والرغبة في الزواج وهذا ما تم بعكس غالب قصص الحب، لكن الحب لا يكتمل فامتنعت الدنيا أن تكمل حبّ هذه الأرواح فبقيا بلا ذرية لعقم أصاب الفتاة، وقبل الحبيب المصاب لكن الأهل لم يقبلوا وبعد صراع مرير تزوج من غيرها، فانتقمت الجميلة منه بأن أحالت بيتها مزارا للعشاق الكل يمر ويتذوق من طيبها قليلا، بعد حين تعلقت بأحد عشاقها الذي رفضها واصفا إياها بالعاهرة. صفعة أيقظتها لتبكي حزنا وألما ليقينها أنها انتقمت من نفسها، وإلى نهر الغابة المجاورة رحلت لتستحم من ذكرياتها، فاهتاج النهر لجمال جسدها المنحوت بعناية بديعة، وتلمسها بدفء وحماس، نعم مارس معها الهوى لحدود الغليان والتبخر ولتجف أرضه ويتوقف جريانه. لم تدرك ما جرى من شدة نشوتها. نشوة انقضت لتتبين ما فعلت، قضت على نهر الغابة ومصدر حياتها، والأشجار أخذت تهتاج غضبا وحزنا، فبكت الجميلة حتى عاد الماء من دمعها نهرا، وعندها نادتها الشجرة الأمّ، وقالت لها كفّري عن ذنوبك بطريقة مختلفة وكوني شجرة، أعلنت الجميلة والبكاء يقطع صوتها بين كل كلمتين أنها عقيمة لا تنجب ثمرا، فقالت أمّ الغابة لتكوني شجرة الحور يستلقي العشاق في ظلك ويعيشون الفرح، وهذا ما كان.

أحمد الذي قضى أيام اعتقاله الأخيرة في سجن حلب حيث مات من الجوع وانعدام الدواء، كان يردد هذه الكلمات على مسامعي ليعيدها بطريقة مختلفة قليلا الأصفري في سجن لا يمكن إلا أن يكون أكاديمية لمن أتقن استخدامه، كيف لا وهو من ضم في جنباته وليد عبيد صاحب المفاهيم الكبرى في الحياة اليومية كالتخطيط والمعرفة وقياس النتائج في بلاد تعيش على الصدف والمناسبات، كيف لا وكان فيه جمال أبو العلا الذي قتلته قوات الأسد دون رحمة على أحد حواجز ريف دمشق، وهو من كان الممرض الدؤوب في ذلك السجن العامر بالحب بين نزلائه قبيل وصول الإسلاميين المتطرفين إليه، كيف لا وفيه كان مدرس اللغة الإنكليزية بيير أدم يوحنا والذي تعلمها في السجن وعلّمها لمن أراد وأنا منهم وإن كنت طالبا كسولاً.

جدتي والسجن

تعلمت فلسفتي في الحياة من جدتي والسجن، هي كانت تعيش وتدرك تماما ألا مستقبل لأيّ شيء، هي كانت تعلّمني كيف نخلق السعادة ولو بكوب حليب صباحي، هي التي علمتني أننا قد نأكل أيّ شيء ونرتدي أيّ شيء ونعمل بأي شيء شرط أن نحافظ على احترامنا لأنفسنا. هي من علمتني أن الأسرة ليست إلا بابا نغلقه على أنفسنا هربا من العالم. هي التي قالت يوما بأنها لا تحمل حتى اسما خاصا بها، هي هلالة وهلالة هي أختها الكبيرة التي ماتت قبل ولادتها فكتب عليها الاسم كالعادة. هي التي أحبت جدّي على طريقتها بالحب رغم عناده وكسله وقساوة لفظه، هي التي كانت مضرب مثل في بلدتها بنشاطها وهمتها العالية، إلا أنها لم تحظ ببنت تشبهها. هي التي عرفت كل هذا واستمرت بالحياة إلى أن ماتت بثلاثة أيام، لم تحارب المرض إلا بالاستسلام له وتركت خلفها كل شيء، تركت كل ما لم ترغب به يوما ورحلت.

هي علمتني ورحلت وأنا بقيت هنا أعيد قراءة التجربة دون أن أتعلم، جدتي كانت تقول كل واحد يتعلم من كيسه، يا جدتي ماذا لو أخبرتك أني بلا كيس فمن أين أتعلم؟ وأنا اليوم يا جدتي في بلاد لا تعرف عن آلامنا إلا ملامح ضبابية، في بلاد لا تعرف عن قلق وجودنا وخوفنا الغارق في زاوية من عمق الروح.


كاتب من سوريا مقيم في باريس