الدولاب والكرسي ولسع الكهرباء

الاعتقال من قبل ومن بعد

الجديد  سحر حويجة [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(120)]

تخطيط: ساي سرحان
يبني المستبد نظامه على أساس البقاء للأبد في السلطة، لدرجة يصبح الانتماء للوطن هو الانتماء للنظام ذاته، وبالتالي تخوين كل معارض للنظام. يترافق ذلك مع إنتاج ما يلزم من مراسيم وقرارات وقوانين تبيح القمع على أن مصدره القانون. لذلك القوانين الاستثنائية، وقانون الأحكام العرفية والمحاكم الميدانية، التي تعطل العمل بالدستور وتجعل منه واجهة لتزيين الاستبداد، رأت النور في السنة الأولى من عمر النظام الدكتاتوري لتضمن له الاعتقالات التعسفية، والتوقيف والاعتقال دون محاكمة لمدة طويلة، والمحاكمات الصورية التي تلغي حق الدفاع، وعدم المساءلة في حالة قتل المعتقل تحت التعذيب، وقوانين أخرى تزيد الخناق على المعارضين، وتمنع عليهم حق العمل والنشاط والاجتماع.

ومع ذلك يمكننا التمييز بين مراحل من عمر الدكتاتورية، تبرز فيها السمات العضوية الجوهرية المشتركة، كما تبرز الاختلافات، وما لذلك من تأثير وتداعيات على سلوك النظام وعلى المعارضة.

في الثمانينات عندما عصفت بالبلاد أحداث دامية نتيجة الصراع المسلح بين النظام وحركة الإخوان المسلمين حصلت خلالها مجازر وقتل واغتيالات وتدمير أحياء من مدينة حماة واعتقالات طالت عشرات الآلاف، كما حدث استقطاب واصطفاف للمعارضة التي كانت منظمة في أطر سياسية وأيديولوجية مع العلم أنه لم يكن معترفاً بها قانوناً، حيث لجأت إلى العمل السري، وجذبت إليها نخب من المثقفين الشباب خاصة طلاب الجامعات. وما إن حسم الصراع لصالح النظام، الذي استغل الظروف القائمة لتطهير النقابات المهنية من المعارضين، والمستقلين وتحويلها إلى أدوات تابعة للنظام، بما يضمن سيطرته ورقابته على حركة أعضائها، وعمد إلى شن حملات اعتقال واسعة ضد المعارضين من مختلف الاتجاهات السياسية: الشيوعيين والبعث الديمقراطي وبعث العراق.

كانت غاية النظام الأساسية، هي تصفية هذه الأحزاب وحلها، طالت الاعتقالات إضافة إلى الأعضاء، كل من يقدم الدعم والحماية من أصدقاء هذه التنظيمات، وكل من تثبت صلته حتى الشخصية بأحد المتوارين، واعتقال الزوجات رهائن عن أزوجهن، اعتقالات تعسفية كانت غايتها بث الخوف والرعب في صفوف الشعب ليكون المعتقل عبرة لغيره للابتعاد عن العمل السياسي المعارض.

طال التعذيب جميع المعتقلين نساء ورجالاً، حتى أنه كان يتعذر أن تلتقي أحداً دخل فرعاً للأمن بتهمة سياسية لم يتعرض للتعذيب. وإن اختلفت شدة التعذيب والوسائل المستخدمة بين معتقل وآخر بحسب أهمية وضعه التنظيمي، والمعلومات التي يملكها. بداية الضرب بالأكف أو الكابل والخيزران واستخدام الدولاب والكرسي ولسع بالكهرباء، وقد تم تعذيب جميع النساء اللواتي تم اعتقالهن بتهمة الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي بتلك الوسائل وتعرضت البعض منهن للابتزاز والتحرش الجنسي، ناهيك عن توجيه الكلمات النابية والتعريض بسمعة النساء المعتقلات حتى أمام أهلهن. تعرض الشباب إضافة لذلك إلى وسائل أخرى من التعذيب مثل الشبح والمظلة والكرسي الألماني والخازوق وغيرها، ما أدى إلى استشهاد بعضهم تحت التعذيب. نشير هنا أن النظام لم يكن يرغب بتعذيب المعتقلين حتى الموت، باستثناء “الإخوان”، حيث كان همه أن يصلوا إلى الانهيار، وجعلهم يعترفون بالمعلومات المطلوبة منهم، كما يريد إذلالهم وتصغيرهم. غصت الفروع الأمنية بالمعتقلين، كما غصت المنفردات والمزدوجات والمهاجع، وهي الأماكن التي يتم حجز المعتقلين بها في الفروع.

أغلب النساء، وأنا منهن، تم حجزهن بمنفردة لمدد مختلفة، بعضهن بقين فيها أشهراً. وتم جمعنا في مزدوجات في داخلها مرحاض، حيث تم حجز العشرات في داخلها. كنا ننام على أسطح المزدوجة وفي الممرات من كثر الزحام. كما جمعوا النساء في مهجع بلغ عدد نزلائه أكثر من ستين في مساحة أربعة في ستة أمتار. نمنا بطريق المناوبة والتسييف، طعامنا كان سيئاً، بالطعم والرائحة والمنظر. والزيارات مقطوعة في الفرع إلا من أغراض وصلت بعضهن. كنا نلتهب حماساً ولدينا ما يكفي من طاقة الشباب للمواجهة وتحمل السجن، صنعنا واخترعنا لحظات الفرح والضحك، نغني نرقص، نواسي الأمهات اللواتي أبعدهن السجن عن أطفالهن الصغار، كان أكثر ما يحزننا ويضربنا في الصميم هي أخبار الاعتقالات والنزيف اليومي للقوى السياسية والحزب الذي كنا ننتمي إليه. حملة الاعتقالات استمرت شهوراً، في كل يوم أخبار اعتقالات جديدة.

تم الاحتفاظ بنا كموقوفات عرفياً، دون محاكمة، ونقلنا إلى دوما السجن المدني للنساء، حيث التقينا بنساء معتقلات بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين وسمعنا منهن قصصاً عن تعذيب شديد، وقصصاً عن نساء تعرضن للاغتصاب. وجدنا أطفالاً ولدوا في السجن برفقة أمهاتهن، بعض المعتقلات تم اعتقالهن في عمر الرابعة عشرة والخامسة عشرة. كنا نتطلع إلى الحرية والخروج من السجن ولكن بشكل جماعي ولم ننتظر إفراجا فردياً. ترقبنا وتابعنا التطورات السياسية ذات التأثير على الوضع الداخلي، والتي تسمح بالعفو عن المعتقلين.

وحين اندلعت حرب الخليج الأولى، التي أثارت موجة من التوقعات والإشاعات، كما حدث قبلها عاصفة التغيير في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية، فتوقعنا إفراجاً مع الموجة الديمقراطية الدولية. وفي أحد الأيام من عام 1990 تم ترحيلنا إلى فرع التحقيق العسكري، تم مساومتنا على كتابة تعهد سياسي وأمني. وتم رفض ذلك من جميع النساء كانت لنا في ذلك كلمة واحدة نختصر فيها مواجهتنا للنظام، عدنا أدراجنا إلى دوما. وبعد شهر من ذلك، أخذوا نساء الإخوان وتم الإفراج عنهن. احتفظوا بنا سنة أخرى، وبمناسبة الاستفتاء للرئيس تم العفو عن النساء السياسيات، دون أن يطلب منهن تنازلات وخرجنا إلى الحرية.

إذن كانت السمة العامة للاعتقالات في الثمانينات نتيجة الانتماء أو العلاقة بحزب ما، كان هدف النظام الأساسي هو تصفية هذه الأحزاب، لم يخل الأمر من اعتقال أشخاص دون انتماء أو مستقلين، ولكن كثيراً ما كانوا يوجّهون لهم تهمة انتماء أو علاقة بالأحزاب المغضوب عليها. استُخدمت وسائل التعذيب لجمع المعلومات عن الأشخاص وأماكنهم. لم يعمل النظام على قتل المعتقلين تحت التعذيب، وإن مات أحدهم كان لا يعترف بموته، كما جرى مع مضر الجندي، الذي لم يكشف النظام حتى الآن عن موته، بل ينكر وجوده أصلاً. يختلف الوضع بالنسبة للإخوان، فقد كان قتلهم تحت التعذيب أو تنفيذ الأحكام الميدانية بالإعدام بهم، إلى جانب حلّ التنظيم هو غاية عند النظام، الذي قتل في سجن تدمر آلافاً من المعتقلين، مرة واحدة، بعملية مدروسة مقصودة، كما تم قتل آلاف آخرين على أساس أحكام صورية صدرت عن المحاكم الميدانية، وتوفّيت أعداد كبيرة منهم تحت التعذيب. كان التخلص من المتهمين بتهمة الانتماء للإخوان المسلمين، انتقاماً وثأراً، ومن أجل نشر الخوف والرعب في المجتمع.

الاعتقالات بعد الحراك الثوري في سوريا

بعد أن خال للنظام أنه انتصر في معركة الإلغاء لكل القوى المعارضة، وقد انتصر فعلاً في إنهاء الوجود السياسي المعارض المنظم، ترافق ذلك مع تضخم مؤسسته الأمنية وأدواتها القمعية وتغوّلها في مسام المجتمع، وسد كل إمكانية للتجديد، حتى حصل الانفجار نتيجة الضغط الهائل الذي لا يحتمل على المجتمع. بدأ الحراك، وبدأت الاعتقالات كلما زاد الحراك زادت الاعتقالات. وأكثر ما يميز هذه الاعتقالات أنه لا توجه تهمة تنظيمية للمعتقلين. فالتهم الموجهة للمعتقل تدور حول سبب مشاركته في المظاهرات ضد النظام. وكلما تغيّرت شعارات وهتافات المتظاهرين تغيّرت التهم، بدكن حرية؟ بعدها بدكن إسقاط النظام؟ وتمت محاكمة المعتقلين بتهم زعزعة الأمن والاستقرار والنيل من الشعور القومي، وهيبة الدولة، العمل على تغيير الدستور، وغيرها من تهم يفصّلها النظام كما يحلو له.

ومع تحول الحراك الثوري إلى العمل المسلح، تحولت التهم بما يناسب الوضع الجديد، وصدر قانون مكافحة الإرهاب، حيث أحيل جميع المعتقلين بعد هذا القانون إلى محكمة الإرهاب، فكل النشاط السياسي المعارض صار دعماً للإرهاب، تهمة تنال كل من يقدّم العون المادي والإغاثة. حتى التعبير عن الرأي يمكن اتهامه بدعم الإرهاب، ناهيك عن نقل السلاح وحمله. اعتقالات واسعة طالت أهالي المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، اعتقالات على الهوية بسبب الانتماء لعائلة انشق منها بعض أفرادها عن النظام، أو حملوا السلاح ضده. أصبح كل الشعب السوري مشكوكاٍ بولائه وليس أمامه سوى تقديم صكوك الولاء والطاعة، والاستسلام عبر التطوع في مؤسسة ما يسمى بلجان الدفاع الوطني، والقتال إلى جانب النظام. والنتيجة مئات الآلاف من المعتقلين ومئات آلاف أخرى من المفقودين. التعذيب حتى الموت تحول إلى ظاهرة واسعة، وعملية مقصودة ممنهجة، غايتها بث الرعب والخوف في المجتمع، حيث الاعتقال وحده لم يعد يكفي.

ومن أجل إضعاف الحاضنة الشعبية للمعارضة، ولمنع كل أشكال الدعم والمساندة حتى بشكلها الإنساني البحت. بالإضافة إلى إضعاف المعارضين المسلحين بالضغط على أهاليهم وتعذيبهم حتى الموت، ومعاقبة المناطق التي خرجت عن السيطرة، ورغبة النظام بإبادتهم، والانتقام منهم بالموت. فعوامل الحقد والثأر والانتقام، هي التي تقف وراء عمليات الموت تحت التعذيب في المرحلة الراهنة، وبالتالي من لم يمت يصدر بحقه عقوبات كبيرة تصل حتى الإعدام. في هذا السياق يمكن القول إن من تمّ قتلهم في السجون السورية يفوق عدد من تمّ قتلهم في ساحة المعارك الدائرة بين النظام وقوى المعارضة المسلحة، وأغلب من تمّ قتله في السجن ليس من حملة السلاح لأن من يقاتل يقتل في ساحة المعركة وليس من السهل القبض عليه، بل أغلبهم معارضون سلميون مدنيون، أو متّهمون بتقديم خدمات للمعارضة المسلحة، أو تربطهم صلة بهم كما أسلفنا.

إن عمليات الاغتصاب ضد النساء حصلت فترة أحداث الإخوان وزادت في هذه المرحلة أضعافاً مضاعفة، لأن الانفجار والحراك أوسع ولأنّ الحقد أكثر من قوى النظام ليس إلا. هناك شيء يواسي المعتقل في مرحلة ما بعد الحراك الثوري كنا نفتقده نحن المعتقلين في مرحلة الثمانينات، حيث كنا نعاني من ظروف الجزر والركود في المجتمع، وجاءت تصفية الأحزاب لتزيدنا كآبة وضعفاً. أما المعتقلون في مرحلة ما بعد الثورة، يعزيهم أن المجتمع تحرك وأن هناك من يطالب بهم، ومن سوف يكمل المشوار بعدهم وكل انتصار يزيدهم طاقة وعزيمة.


كاتبة من سوريا