دوري المعتقلين

الجديد  بسام سفر [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(122)]

تخطيط: ساي سرحان
أطل الرقيب خليل ببذلته الخاكي الصيفية على جسده النحيل، حاملاً مفتاحه الحديد الكبير للبوابة العريضة للجناح (ج، يسار) في سجن صيدنايا، وبيده الأخرى ورقة كتبت عليها أسماء المزارين لذاك اليوم 15/7/1989، وما إن دنا من البوابة الكبيرة وضرب بمفتاحه الأسود على حديد البوابة صائحاً:

جهاد.. يا جهاد عنابي.

حتى حضر جهاد من المهجع التاسع راكضاً:

نعم يا رقيب خليل.

الرقيب خليل: الزيارات اليوم جاهزين ( مروان العلي، عبدو مكارم، قيش درويش، عبد القهار الدموك (أبو مرهف)، بسام سفر.

جهاد: جاهزين .. افتح الباب حضرة الرقيب.

يضع مفتاحه الأسود في القفل ويديره.. يخرج الخمسة.. وكل منهم قد لبس أجمل ما لديه من ثياب للزيارة وكل منهم حمل هداياه للأحبة والأهل الذين قطعوا الأرض السورية من غربها في مدينة اللاذقية، إلى شمال الشرق السوري دير الزور، والى الجنوب قرية (مروك) في السويداء، وضاحية جرمانا في الريف الدمشقي، ومدينة دمشق، ومع وصولهم من الطابق الثالث إلى الساحة المركزية في الطابق الأول حتى طلب منهم المساعد زهير الهدايا.. وفتشها بدقة متناهية.. وأعادها إليهم، عندها تقدم قيس وأبو مرهف وبسام طالبين خمسة دقائق إضافية على زمن الزيارة.

المساعد زهير: سأعطيكم جميعاً خمسة دقائق إضافية.. لكن دون شغب ومشاكل، وفيما إذا حصل سأقطع الزيارة عند أول بادرة شغب دون صراخ.

غرفة الزيارة ذات الشبكيين جاهزة.. انتبهوا.. هل أنتم جاهزون؟

أبو مرهف: جاهزين.

المساعد: (للرقيب خليل) افتحوا بوابة الدخول.

يدخل جميع المزارين تعلو أصوات الأهل، ويبدأ الصراخ والحديث بالصوت المرتفع تمضي الدقائق العشرون كنسمة من الحياة.. أصوات الأطفال تملأ غرفة الزيارة والعسكر في المتر الفاصل بين الشبكيين ويطرق المساعد زهير بيده على حديد الشبك حيث يقف في الزاوية، ويطلق العسكر بمفاتيحهم على الحديد إعلان على انتهاء الزيارة.. ونبدأ بالانسحاب الكيفي في الأول مروان ثم عبدو، بينما تستمر أرجل الثلاثة الباقين ويعلو صوت غادة.. بسام سأعود في الشهر القادم.

بسام يودع الأهل جميعاً بينما غادة تبقى مسمّرة في مكانها تشيعه بنظرات الحب ومع علو الأصوات يخاطب بسام غادة قائلاً: إقرئي الرسالة جيداً.. أرسلي الرد مع زيارة (أم ياسر) في رواية الحب والظلام لإيزابيل أليندي..( نخرج جميعاً والعيون تشيع لحظات الحياة الهاربة من خلال الأهل والأحبة).

ويتجمع المزارون في المهجع (11) الواصل بين الجانحين (ج يسار، ج يمين) ويبدأ الرفاق بطرح الأسئلة على المزارين، يخاطب الجميع مروان قائلاً : قال أخي كميل أن أخبار الإفراج تتنقل في شوارع العاصمة شارعاً شارع وتقف في بداية شارع المهاجرين.. على الجسر

أصلان : ماذا تقول يا مروان.. عند الجسر

رستم رستم: الم اقل لكم ما ذكرته دلال في اللاذقية تنتشر هذه الإشاعة أيضا.

اترك النقاش الدائر (11) و أسير (بالكاريدور) مع عبدو الذي يسألني هل عبرت الرسالة؟

بسام: نعم.. نعم ماذا كتبت بها.. ندخل المهجع الرابع أتناول ورقة كتبت نسخة منها أعطيها لعبدو الذي يأخذ الرسالة ويقرأ:

(1)

عينان تحدقان بذهول!

عقل شلت خلاياه!

دماً تجمد بالعروق

لساناً ربطته لغتك.

(2)

يا غادتي لغتك هذه

أعطت الحياة معنى جديد

أوقدت ناراً

أطفئت صيدنايا جذورها

منذ أمد بعيد.

***

عبدو: لك صاير شاعر.. وعم تكتب.. أيام الدراسة بالثانوية ما كنت تحب الكتابة.

باسم: من بعدك عبود بتذكر لما نشرت قصة (سبع بلاطات بمجلة الهدف الفلسطينية) ومقدار فرحانا بك وبها.

عبدو: طبعاً.. أيام الدراسة بجرمانا.. سقى الله تلك الأيام.

(ب)

مع إشاعات الإفراج عن المعتقلين السياسيين التي اجتاحت سجن صيدنايا، وعدم حصول ذلك بدأت حالة من اليأس والإحباط تدب في نفوس سكان جناح (ج يسار)، لذلك ارتأت اللجنة الاجتماعية أن تبدأ بطولة كرة القدم ذات الفرق الرباعية في المهجع (11)، وشكلت المهاجع فرقها التي ستلعب في البطولة بما فيها المهجع رقم عشرة الذي وزعته إدارة السجن على المهاجع إلا أن إدارة البطولة كانت لفريق المهجع العاشر، وأجريت القرعة بين الفرق على مبدأ خروج المغلوب ولكي تكتمل المجموعة المؤلفة خمسة فائزين تصوت إدارة البطولة على أفضل خاسر لتكتمل فرق الدور الثاني وبهذه الأجواء بدأت المباريات التي مدة كل واحدة منها نص ساعة منذ الرابعة بعد الظهر حتى الساعة السادسة بمباراتين، وكان يقوم بمهمة التعليق الرياضي اللعب ناصر إسماعيل وشاهر الشاهر ومازن الشعراني ومروان العلي وعلي البرازي بالتناوب حسب المباريات، بينما يقوم بهمة التحكيم لكل مباراة (ياسر مخلوف أبو علي، عباس عباس أبو حسين، نهاد نحاس أبو عبدو).

ومع التمرينات الصباحية للفرق التي تبدأ مع فتح المهاجع في الساعة السابعة والذين يلعبون التمرينات والجري الصباحي كعادة يومية.

كانت المباراة الأولى في المساء بين فريق الختيارة في المهجع الثاني ممثلاً بـ(مصطفى خليفة أبو شادي، نشأت طعيمة أبو عصام، حسين صعيو، سليمان أبو خالد، جهاد خضور)، وفريق المهجع التاسع المؤلف من (فائق حويجه، جفان الحمصي، جهاد عنابي، جمال سعيد “الصلوح”، حسين محمد، زينة الشباب الشاعر علي الخطيب أبو نسرين).

وكانت المباراة مذهلة في سرعتها حيث انتهت بفوز فريق المهجع التاسع بقيادة الكابتن أبو نسرين وقلب الهجوم جفانا لحمصي، أما فريق المهجع الثاني تحمل أبو شادي خليفة عبء قيادة هجوم فريق المهجع، بينما تحمل أبو عصام عبء حماية مرمى الفريق لكنه بدا بدون خطة لعب وتنسيق بين الخطوط الثالثة الهجوم والوسط والدفاع لذلك خسر المباراة.

والمباراة الثانية كانت بين فريق المهجع الثامن الذي لعب له (طلال أبو دان، غياث العيون السود، جورج عيسى، عيسى طراد، تاطرس طراد، سهيل شماس أبو عبدو. وفريق المهجع السادس الذي يمثله (إبراهيم إسماعيل،عدنان خضور، قيس درويش، طلال مارتينوس، ومنيف ملحم)، حيث استطاع شباب السادس هزيمة شباب الثامن بنتيجة قاسية بلغت 12 هدفا مقابل 4 أهداف وتميز من السادس إسماعيل وخضور.

وفي اليوم الثاني لعب للمهجع الرابع (مروان العلي، مازن الشعراني، نظير الصيفي، أنور بدر، وجلال مسعود).

والمهجع الثالث مثّله المقاتل الشرس (جميل أضنيلي، بلال السوسي، رستم رستم، علي إسماعيل، خالد حيدر أبو شريف)، وفاز في المباراة فريق المهجع الرابع وتميز في حراسة المرمى جلال مسعود، بينما في المباراة الثانية لعب للمهجع السابع كلّ من (شاهر الشاهر، عبدو مكارم، ناصر إسماعيل، بسام سفر، عبدالقهار سعود)، ومثل المهجع الأول (باسل حوارني، عبدالله العليان أبو أنمار، نبيل إبراهيم أبو عصام، عبدالرحمان أبو الرحيم أبو الحارس، علي البرازي، ويوسف عزو)، وفاز في المباراة فريق المهجع التاسع وتميز له اللعب شاهر الشاهر في الهجوم بينما تميز في المرمى ناصر إسماعيل.

أما المباراة الأخيرة في الدوري الأول كانت في اليوم الثالث بين فريق المهجع العاشر الذي لعب له (عبدالله طعمة، عصام أبو حمدان، إسماعيل محمود، خالد إسماعيل أبو جورج)، وفريق المهجع الخامس الذي مثّله (طريف عبدالرزاق، سليمان أمون، زياد مشهور “العميد”، علي الصارم)، وفاز فريق المهجع الخامس بصعوبة بالغة حيث استمر التعادل طويلاً في المباراة.

أما مباريات الدوري الثاني صعدت إليها فرق المهاجع (التاسع، السادس، الرابع، السابع، الخامس) وحددت اللجنة أفضل الخاسرين فريق المهجع الثامن، وجرت فيه ثلاث مباريات على مدار ثلاثة أيام حيث فازت فرق المهاجع (الرابع، السابع، التاسع)، وأفضل الخاسرين الخامس وفي الدور ما قبل النهائي لعب الرابع والخامس وفاز فريق الرابع، وكذلك لعب فريق السابع والتاسع، وفاز فريق السابع، وتأهل للنهائي الرابع والسابع، وعلى المركزين الثالث والرابع فريقا المهجعين التاسع والخامس، وفاز بالمركز الثالث فريق المهجع التاسع، بينما حلّ بالمركز الرابع فريق المهجع الخامس.

(ج)

المباراة النهائية في البطولة كانت بين فريق المهجع الرابع وفريق المهجع السابع وتميز فريق الرابع بكثرة اللاعبين الاحتياطيين الشباب بينما عانى فريق المهجع السابع من قلة اللاعبين المتواجدين في المهجع، وبدأت المباراة النهائية في الساعة الخامسة بتوقيت صيدنايا، وهاجم الرابع بضراوة وأحرز العديد من الأهداف وصلت بالشوط الأول إلى عشرة أهداف، بينما كانت خطة اللعب لفريق السابع الصمود مع أقل عدد من الأهداف نحو الوصول إلى الشوط الثاني بقمة النشاط، لمنع فريق الرابع من تسجيل الأهداف، وهذا ما استطاع الوصول إليه في الشوط الثاني، وإذا تميز في الشوط الأول للرابع (مروان العلي، نظير الصيفي، مازن الشعراني)، فإن الصمود الكبير في أرض الملعب كان لشاهر الشاهر، وعبدو مكارم، ناصر إسماعيل، وتناوب على حراسة المهجع السابع إسماعيل وسفر، ومع سير المباراة نحو الدقائق النهائية استطاع السابع الاعتماد على البديل فاتح جاموس في تحقيق سرعة الحركة بأرض الملعب باتجاه الفوز وحسم المباراة قبل الوصول إلى التعادل والدخول في ضربات الجزاء الترجيحية.

وتحقق لفريق المهجع السابع ما أراده في تكتيك المباراة حيث فاز بنتيجة 17 مقابل 16 في النهائية معتمداً على خطف هدف الفوز بالثواني الأخيرة عبر الاحتفاظ بالكرة في الدقائق الأخيرة، وجاء هدف الفوز عن طريق المتميز شاهر الشاهر، حيث قدمت اللجنة كأس البطولة مجموعة من(الكتب)، وتمثالا نحته الفنان التشكيلي طلال أبو دان.

وتميز في النقل الإذاعي والتلفزيوني المذيع ذائع الصيت والشهرة (علي برازي بوظو).

كلما زادت الحياة في (ج يسار) قسوة وشهوة للحرية كلما أبدع في تحقيق متعته الخاصة بملاعبة الزمان الطويل، وخير دليل على ذاك التحايل في تمرير الزمان ما قام به في بطولة كأس العالم في العام 1990، حيث اشترى مجموعة من الأصدقاء والرفاق تلفزيونا صغيرا بحجم 6 بوصة لرؤية ومشاهدة مباريات كاس العالم حيث كنا نجتمع أكثر من أربعين راغبا بالمشاهدة في المهجع السابع لمتابعة المباريات رغم منع إدارة السجون العسكرية أجهزة التلفزيون في السجن.


كاتب من سوريا