ماذا في وسع الفيلسوف في لحظة الدَم

طيب تيزيني: حوار الحيرة والاحتمال

الجديد  خالد حسين [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(132)]

لوحة: عمرو وهيبة
هكذا يتساءل طيب تيزيني أو هكذا يتخيّله محاوره (عمار المأمون) وهو يرمي حيرتَهُ وقنوطَهُ بوجه العالم في هذا التسآل الموجع بشأن الأزمة السورية: ماذا يكون بوسع الفيلسوف في لحظة الدّم؟ لا شك أنَّ مواجهةَ الحدث السوريِّ المريع تقتضي جسارة عالية؛ تتكئ على استكشافٍ عميقٍ لتضاريس الحدث والكشف عن القوى المتصارعة، التاريخية منها واللاتاريخية، الإقليمية والدولية وما نتج عن تصارع هذه الأخيرة من إهدار أو تأجيل “اللحظة الحاسمة” بحسب طيب تيزيني، اللحظة التي كنا نحن ــ السوريين ــ ننتظرها ونحلم بها للمضي قدماً بها نحو تأسيس فضاء ديمقراطيٍّ كان في لحظةٍ ما ينتمي إلى دائرة المسكوت عنه أو حتى المستحيل التفكير فيه في زمن الاستبداد الأسدي؛ هذه الجسارة يرتكبها طيب تيزيني في حوار مجلة الجديد معه؛ ليغدو التسآل “ماذا يكون بوسع الفيلسوف في لحظة الدم” عَتبة يأسٍ مؤقتةٍ سرعان ما ينطلق منها د. تيزيني في تدبُّر خريطة الحراك السوري وقراءته بهدوءٍ وبأدواتٍ تبيح الائتلاف والاختلاف مع نتائج القراءة التي انتهى إليها في الوقت نفسه.

يمتاز الحوار بالغنى المعرفي والاستبصارات الفلسفية عبر توظيف المنهج التاريخي ـ وأحياناً بتوظيفٍ تقليديٍّ ـ في مقاربة الموضوع بمحاوره الجديدة ـ القديمة والمتنوعة: اللحظة المناسبة، خطاب الثورة، الحامل الديني الإسلامي والقراءة المرتقبة للنص الديني، دولة القانون والمواطنة، العولمة، اليسار، القومية والانفصال.. إلخ؛ محاور تكشف عن طاقة تيزيني على التحرك بين الأنساق المعرفية التي من شأنها تفسير معضلة الحدث السوري وإعادة النظر في كثيرٍ من المفهومات والأدوات المعرفية التي قرأ بها الواقع العربي سابقاً على ضوء ما جرى ويجرى في العالم العربي. وإذا كان من الصعب مواكبة هذه المحاور جميعاً هنا قراءة وتفكيكاً؛ فمن الضرورة بمكان استقصاء بعض هذه المحاور الخطيرة ومناقشتها قبل الانتقال إلى الحوارات التي تضافرت اتفاقاً واختلافاً مع حوار د. تيزيني لعدد من الباحثين في كثيرٍ من الموضوعات التي ناقشها واستفاض فيها.

يتوقف د. طيب تيزيني عند اللحظة المناسبة أو/الحاسمة؛ ذلك أن الثورة إنْ لم تتح لهذه اللحظة بالحضور والانبثاق، فهي ليست بثورة؛ لأنَّ الثورة بذاتها هي هذه اللحظة المرتقبة والفارقة؛ وهي التي تهب الزمنَ خاصية الاختلاف في أن يكون مفارقاً ومتبايناً لكونه “المجال الذي ينطوي على لحظة أو أخرى قد تجسد لحظة التخطي والانتقال إلى ما يشير إلى مرحلة جديدة، وهذه المرحلة الجديدة إذ تطرح نفسها على بساط البحث فإن حاملاً اجتماعياً جديداً بقدر أو بآخر قد أعلن عن نفسه وعن رسالته التي على المتلقي أن يكتشفها ويحفزّها على الإيضاح عن نفسها”. لا شك أن الثورات العربية قد وفّرت هذه اللحظة ــ الحلم؛ ولكن المشكلة كانت في حامل اللحظة التاريخية الذي تُرك معزولاً إزاء توحش السلطة وتوغلها (حالة سوريا) أو الالتفاف عليها من قبل القوى الإسلاموية والمتشددة وإزاحتها من مسار التاريخ بسيطرة العسكر ثانية (حالة مصر)؛ وإزاء هذا التوحش الضاري من قبل القوى المضادة لهذه الثورات؛ وما استقدمته من قوى لاتاريخية إلى جانبها (روسيا وإيران وعصابات طائفية ومرتزقة من هنا وهناك/حالة سوريا) كان لا بدّ أن تضيع هذه اللحظة الحاسمة أو على الأقل أن تنسحب من الحضور. هذا التوصيف المتقن للحظة الحاسمة يعاني من غياب أو تحديد شكل الحامل الاجتماعي لها، الحامل الذي يمهد لتجسيدها واقعاً تاريخياً؛ لكنه ظلّ هلامياً أو على شكل هيولى غير محددة القوام في توصيفه؛ يقول أستاذنا “غابت الكتلة التاريخية التي كانت ملاحقة ومدانة على ضعفها ومحدوديتها”، لا ريبَ أنَّ الكتلة التاريخية الذي تحيلنا مفهوماً على المرجعية الماركسية التي ترسم بدورها خطوات منهج القراءة لدى د. تيزيني كانت على الدوام لاتاريخية سواء تمثلت باليسار التقليدي الذي كان مشغولاً بالانتشاء في حضن النظام الفاشي أو اليسار الراديكالي الذي لم يستطع أن يتجذَّر اجتماعياً؛ ولذلك إذا كان ثمة من حامل اجتماعي لهذه اللحظة التاريخية فهو هذه “الكتلة البشرية” التي وحّدها مطلب الحرية بالدرجة الأولى، ولكن توصيفها يبقى ضبابباً في مقاربة د. تيزيني؛ كما لو أنها لا تستحق نعت التاريخية؛ فرغم الحضور الكثيف للنظام السوري على أرض الواقع ــ كما يقول تيزيني ــ الذي من شأنه أن يمنع تشكُّل هذه الكتلة التاريخية فإن السوريين جسّدوا التاريخ قوةً سلميةً للمطالبة بالحرية والكرامة والعمل.

وينظر د. طيب تيزيني إلى الخطاب الشبابي الذي تسيّد الحراك الثوري عبر مفهوم التمفصل “وثمة ملاحظة تتمثل في أنَّ ما يقال عن تورط الخطاب الشبابي الراهن في إعادة إنتاج أفكار الأجيال السابقة بدلاً من إنتاج خطاب شبابي معاصر، أمر قد لا يصح إلا جزئياً، فثمة حراك جديد يتبين في عمق الأحداث السورية، ليبعُد عما يمكن أن ننظر إليه بمثابته جهوداً غير متسقة تماماً، ولكن جدية باتجاه إنتاج خطاب شبابي جديد، يظلّ مع ذلك متواطئاً مع الخطاب السابق عليه”. لكن المسافة التي تفاقم الاختلاف بين الخطاب السابق الذي كان يتناسل من أيديولوجيات قومية أو ماركسية أو إسلاموية وبين الخطاب الشبابي يتمثل في انخفاض المنسوب الأيديولوجي في الأخير؛ وهذا ما منح هذا الخطاب مصداقيته أو واقعيته في جذب مشارب متنوعة من أطياف الشعب السوري( مظاهرات حمص؛ مظاهرة حماة الكبرى)

إنَّ ثيمات الحرية والكرامة والعمل هي التي صاغت بنية هذا الخطاب، لذلك تمتَّعَ بانتشار عارم في الفضاءات السورية ــ وإنْ مُرّرَ عبر أنسجة خطاب إسلامي شعبي ـــ إذا ما قورن مع خطابات اليسار والقوميين وخطاب السلطة الكارثي: الأسد أو نحرق البلد أو الخطاب الإسلاموي المتشدد الذي أنتج الإنسان ــ الوحش متمثلاً بداعش وماشاكلها. إن خطاب الحراك الشبابي كان وفياً للحظة الراهنة والمستقبل: الرفض العارم للدولة الأمنية المتوغلة في التوحش و التركيز ما من شأنه المضي قدماً بالشعب السوري نحو دولة المواطنة قبل أن ينفتح الحراك على جحيم طائفي أوقده نظام غولي وتوحش إسلاموي منبتَّين عن الحياة ويتغذيان معاً على أسوأ ما أنتجه الماضي من أحقاد.

الرشيمات اللاتاريخية التي تحرّك قراءة أدونيس هي التي قادته إلى هذا الموقف اللاتاريخي بالسكوت المطبق عن توحش النظام وآلته الجهنمية

وعن إمكانية إنتاج قراءة للنص الديني يمضي الدكتور طيب تيزيني إلى حقل الاحتمال الذي يميز كثيراً تضاريس هذا الحوار؛ ويعكس ذلك نبرة اليأس والحيرة التي تنتاب خطاب تيزيني؛ من حيث أن إنتاج هكذا قراءة مشروطة بفضاء التسامح الذي يمكن وحده أن يتيح المجال لهذه القراءة أن تحدث أصلاً. ويتوقف د. طيب تيزيني في سياق السؤال عن القراءات التي واجهت العقل العربي مشيراً بملاحظةٍ هامة إلى اقتصارها على باحثين ذكور دون النساء؛ الأمر الذي يثير الكثير من الأسئلة حول غياب مريع لقراءات نسوية للعقل العربي أسوة بما نجده من قراءات عتيدة نسوية للعقل الغربي. ولكن من جهة أخرى يتحاشى د. تيزيني التذكير بقراءات جادة للفكر العربي والإسلامي كمثل قراءة محمد أركون التي لم تتخل برأيي عن أبعادها الإبستمولوجية والتنويرية والمابعد حداثية. ولكنه يكتفي بالتوقف عند مشروع محمد عابد الجابري الذي سرعان وما وقع في فخ النكوص بحسب رأيه، حيث يرى أنَّ الجابري وبعد أن توغّل في الفكر التنويري اكتشف نفسه على ضفاف “الأشعرية” وما يترتّب على ذلك من إخلاء المشهد لخطاب إسلاموي متشدد يتمثل بداعش وتوابعها.

ويشير المفكر السوري في هذا السياق إلى القراءة اللاتاريخية لأدونيس بتأويله للحدث السوري بوصفه تعبيراً عن صراعات إسلامية طائفية، ولم يدرك أن الحراك لم يكن إلا للمطالبة بدولة الحرية والعمل والكرامة لكن الرشيمات اللاتاريخية التي تحرّك قراءة أدونيس هي التي قادته إلى هذا الموقف اللاتاريخي بالسكوت المطبق عن توحش النظام وآلته الجهنمية.

وما يستأثر بالاهتمام هنا القراءة التقليدية للعولمة، ولا شك فإنها تعكس الرشيمات الماركسية الشاغلة ـ بقوة في مقاربة تيزيني ـ لتفسير هذا التحول المريع الذي أصاب بنية العالم، فهو لا يرى من العولمة سوى التشيؤ مستعيداً قولة ماركس المعروفة عن التشيؤ، يقول بهذا الصدد“وهذا ما يدعو إلى وضع اليد على جوهر ذلك كله، فإذا كان ماركس قد وضع يده على ما يجعل من العولمة نظاماً من إنتاج الأشياء عبر تحويل الإنسان إلى حالة مشيّأة، فإن الوصول إلى المقولة التالية عبر ماركس يغدو أمرا منطقياً، كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان”، لكنني أرى أن الإمكانيات الأخرى والثورية التي تتجذّر في نسيج العولمة كما لو أنها غابت عن أستاذنا؛ فالثورة المعلوماتية بما توفره من وسائل التواصل الاجتماعي كمنجزٍ عولميٍّ كانت حاملاً أساسياً في توصيل صوت الحراك وصورته وفضح الأنظمة العربية الاستبدادية وجرائمها، ومن هنا فالعولمة كانت الوسط الذي سمح بانتشار الثورة وتساوق أنشطتها في الوقت نفسه، مما جعلها حراكاً عاماً شمل عدة بلدان عربية؛ لتغدو بمنزلة التسوماني الذي ضرب هذه الأنظمة المستبدة في ليلة مدلهمة.

ويرفض د. تيزيني الفكرة القائلة بانهيار القومية العرب حيث يجيب “إن القول بانهيار فكرة القومية العربية لعله غير دقيق، فما حدث ربما مثّل حالة مفتوحة من التفكك، الذي أنتج مثل ذلك القول، وإنما نفضل القول بأن ثمة هزة عميقة أتت على الفكرة المذكورة وعلى العوامل المجتمعية التي تمثل حاضنة أو حاضنات”، لكن الواقع الفعلي يناقض ما يذهب إليه؛ فالمأساة السورية كشفت عن تهافت الفكرة القومية بصيغتها الناصرية أو البعثية؛ فلم تخرج مظاهرة واحدة لمناصرة الحراك وضد جرائم النظام في البلاد العربية، بل إن الأحزاب الماركسية والقوموية في البلدان العربية (الأردن مثلاً) نافحت عن النظام، وهذا لا يعني البتة اضمحلال الفكرة القومية ولكن الحِرَاكات العربية وضعت وتضع هذه الفكرة بصيغتها العتيقة تحت الشطب، ولا بدّ من قراءة تفكيكية تتولى الإرث الذي تستند إليه الفكرة القومية لتتخلص من أبعادها الميتافيزيقية التي مازال خطاب د. تيزيني يتعكّز عليها بصورتها القديمة. وسأضع هذه الفكرة ثانية تحت مبضع التفكيك في سياق اشتباك هوشنك أوسي مع الحوار في مناقشته لهذه الفكرة.

إن الذي قاد المتظاهرين إلى حمل السلاح هو النظام الطائفي المتلبس بالرداء البعثي الذي سعى بشتى السبل والطرق إلى إلصاق الإرهاب بالحراك الشبابي فبرنامجه يخلو من أيِّ شكلٍ من أشكال الاعتراف بصندوق الانتخاب والتداول السلمي للسلطة. هذه الحقيقة غالباً ما تغيب عن كثيرٍ من الباحثين الذين في لحظةٍ ما تُصاب بصيرتهم بالعمى

وفي سياق مرتبط بذلك نعرف أن النظام السوري الموغل في التوحش قد استغل بعض الشعارات ذات الصبغة الدينية الشعبية (وهنا أتحدث عن المرحلة السلمية للثورة)؛ ليخرجها عن سياقها، ويسرع بدفعها إلى خانة الإرهاب والطائفية حتى يسوّغ لنفسه باستعمال السلاح ضدها؛ يلتقط د. تيزيني هذا الأمر موضِحاً الفارق الذي انطلى على اليسار التقليدي وجزء من اليسار الراديكالي الذي اصطف مع النظام بحجة هيمنة الشعارات الدينية، يقول “ظهر الإسلام في المراحل الأولى ــمن الثورة ـــ بوصفه عقيدة شعبية غير مرتبطة بحمولات سياسية وغير مرتبط بأيدولوجيات مسيّسة، بوضوح أكبر، ظهر الدين المذكور في بدايات الموقف بمثابة دين شعبي غير مقترن بحمولات سياسية واجتماعية وأيديولوجية، على عكس ما راح يظهر لاحقاً، حيث ظهر الإسلاميون بمثابتهم مسلمين ومدافعين عن دينهم ضد خصومه، وهذا ما تزامن مع نشأة داعش التي شكّلت وما تزال تشكل عبئاً على”الآخرين”من المتدينين وكذلك “المسلمين”. إن عدم التفريق بين الإسلام الاجتماعي الذي ينتمي إليه أغلب السوريين والإسلام الأيديولوجي المنافح عن الماضي ويعمل من أجل استعادته، غياب هذا التفريق أوقع الكثير من الباحثين في عطالة تامة لتفسير الشعارات الدينية الشعبية؛ وفي هذا السياق أعلن أدونيس عداءه للحراك السوري لأنه يخرج من الجوامع، كما لو الفضاء السوري لم يكن مكبوحاً بقانون الطوارئ منذ عشرات السنين؛ ومن ثمة وجد المتظاهرون الساحات مرخصة للاجتماع فيها والسير في المظاهرات! فالجوامع لم تكن سوى مكان تجميع للمتظاهرين بدليل انضمام غير المسلمين إليها.

هذه حزمة من المقولات والأفكار التي ناقشها د. طيب تيزيني في حواره الذي لا يكفُّ عن النوسان بين الحيرة والقنوط ومحاولة استبصار في الأفق المسدود مع مجلة الجديد التي ـ ولإغناء الحوار ــ واجهتهُ بحوارات أخرى لكتّاب من بلدان عربية مختلفة. لنرى كيف تفاعل هؤلاء مع حوار د. تيزيني ومقاربته للحِراكات الشعبية إن ائتلافاً أو اختلافاً؛ وفي هذه الانعطافة من مسار هذه المقاربة، تأتي قراءة د. عبد الباسط سيدا “كيف تتحول الانتفاضة إلى ثورة” في مواجهة حوار أستاذه تيزيني مشوبة بالهدوء ومحاولة توسيع دلالة المقولات التي طرحها بشأن المحاور آنفة الذكر، حيث تغدو قراءة أفقية دون محاولة الصدام والاشتباك والتناحر، ومن هنا هيمن التفسير والشرح دون التفكيك على مساحة القراءة، أهي “مديوية المعنى” تجاه الأستاذ والمشرف؟ ربما؛ لكن الكاتب لم يترك لأفقية القراءة أن تستبدَّ به، ففي انعطافة الخاتمة يحاول سيدا التقاط المسكوت عنه في حوار تيزيني، الذي لا يني في حواره يتحدَّث عن انبثاق مرحلة جديدة تستوجب جدة في المفاهيم والأدوات؛ ومن هنا يتساءل سيدا “وبناء على ذلك كنت أتوقع من المفكر تيزيني أن يتوقف بمزيد من الصبر والعمق عند المآسي التي أحدثها المشروع القومي البعثي في سوريا؛ هذا المشروع الذي أجهز على المشروع الوطني عبر محاولته فرض صورة أحادية المنحى على واقع متعدد متنوع بطبيعته. فالتعددية المذهبية والدينية والقومية واقع معيش قائم، لا بدَّ أن نتفاعل معه بحكمةٍ وموضوعيٍة على أساس احترام الحقوق والخصوصيات، ضمن إطار وحدة الوطن؛ كما أسس المشروع البعثي لتوجّه فاشي استبدادي رافض للآخر المختلف على كل المستويات”. هذه الخيبة التي تعصف بكلمات سيدا تستغرق الكثير من قراء هذا الحوارــ وأنا واحد من هؤلاء الذين تساءلوا عن شساعة المسكوت عنه فيما يتعلق بالمشروع القومي البعثي في حوار تيزيني؛ هذا المشروع الذي لم يترك شيئاً دون تعطيل وتخريب؛ فلصالح الوحدة والتطابق والتشابه اختفى الاختلاف والتنوع من الحياة السورية، فعاصفة الجفاف القاسية التي حاصرت وتحاصر الكينونة السورية بمختلف مناحيها يتحمَّلها المشروع البعثي أولاً وأخيراً، لكنّ هذا كله يغدو بحكم المسكوت عنه في خطاب تيزيني، الذي لا ينفك يركّز على الدولة الأمنية وشؤونها دون تفكيك الخطاب الأيديولوجي البعثي، العنصري، الذي كان قد أسس ماهية هذه الدولة الأمنية ذاتها.

عمرو وهيبة

وفي سياق التفاعل الأفقي مع الحوار يتورَّط ربوح البشير (الجزائر) بعنوان كبير “المفكر العربي ومآزق الأيديولوجيا”، لكنه سرعان ما يخيّبُ أفق انتظار المتلقي، ذلك أن القراءة تخلو من اشتباك حقيقي مع المقروء والقضايا الكثيرة والحسّاسة التي يطرحها؛ فالكاتب يتهم مقاربة تيزيني بالمتسرعة في تناول الثورة السورية “وبعد الحديث المتسرع عن مسار الثورة السورية في بدايتها تبين له أن غياب العقلانية والحكمة السياسية كان سببا في ظهور انتفاخات عنيفة مثل ظاهرة داعش على جسد الثورة، مما تسبّب في إجهاض الحمل المتوقع والمأمول في ولادة اللحظة النهضوية الحاسمة. وبرؤية متداخلة يذهب مفكرنا صوب تقديم قراءة بانورامية للواقع السوري حيث يتحدث عن تقاطع العامل الاجتماعي”، لكن الأمر على خلاف ذلك تماماً فتيزيني قدّم لوحة وافية لقوى الصِّراع وطبيعة الخطابات التي تحرك الأطراف في الأزمة السورية. حتى وحين يتلبَّس خطاب المفكر بالأيديولوجيا؛ فإنه لم يهرب من إدانة القوى اليسارية التي شارفت على الاضمحلال؛ فالأمر لا يتجاوز الاتهام المجاني؛ فقد تحدّث تيزيني عن غياب الكتلة التاريخية التي كان من المفترض أن تؤدي دورها ولا سيما وأن هذه “اللحظة الحاسمة” كانت موجودة بالقوة، وتنتظر من يشقُّ لها الطريق.

وتسهم الباحثة التونسية نزيهة الخليفي بقراءتها “عجز اليسار وأوهام الإسلاميين” في توسيع فضاء المحاورة من خلال الإمساك بثنائية مترادفة “عجز اليسار وأوهام الإسلاميين”؛ فالعجز يشتمل على الوهم والعكس صحيح؛ ذلك أنَّ عجز اليسار لم يقده سوى إلى أوهام ضارة وضالة بالمجتمعات العربية والإسلامية ولم يجد اليسار في الأزمة السورية سوى اللواذ بالسلطة الدكتاتورية، وفي الحقيقة فإن اليسار التقليدي لم يغادر جانب السلطة أصلاً؛ لذلك توافق الباحثة على ما ذهب إليه تزيني “أمّا في مسألة مصائر اليسار، فقد ذهب إلى أنّ قوى اليسار المتقدّم مشروع للانتقال إلى مرحلة ما بعد الثورات”، والأمر ذاته فيما يتعلق بالإسلاميين الذين لا ينفكون عن إنتاج الأوهام التي لا تقود إلا إلى العجز عن إدارة البلدان وإهدار الثورات كما فعل الإخوان المسلمون في مصر؛ مما أدّى إلى حضور ثان للعسكرتاريا وعلى نحوٍ كثيفٍ ومرعبٍ.

وإذا تجاوزنا الكثير من النقاط التي تتفق فيها الباحثة مع ما جاء به الحوار؛ فإنها من جهة أخرى تصدم القارئ إذ تتقمص الباحثة دور الدفاع عن النظام السوري؛ وهذا ليس بغريب على عدد من المثقفين المغاربة الذين مازالوا ضحايا أكاذيب نظام المقاومة والممانعة، لنقرأ “.. فنضال القوى الديمقراطية العربيّة يجب أن يتمّ تقديمه باعتباره جزءا من هذا النّضال العالمي، في مواجهة النّظام العالمي ومرتكزاته. وبناء على ذلك ندرك أنّ النظام السوري يدرك جيّدا أنّ تسليم الدولة سيكون في يد مجموعات متطرّفة مثلما وقع في ليبيا واليمن. ما يدعو إلى الغرابة أن تذهب الباحثة هذا المنحى! فالنظام السوري الذي لا يفتأ عن تدمير المدن السورية بالبراميل المتفجرة وقتل مئات الآلاف من السوريين و.. و.. يغدو بلمحة بصر قوةً ديمقراطيةً، وهنا يمكن أن نتساءل ألم يستمر الحراك شهوراً عديدة بحالةٍ سلميةٍ؟ ألم يكن بإمكان النظام السوري أن يستمع إلى صوت العقل ويقوم بإصلاحات جدية؟ إن الذي قاد المتظاهرين إلى حمل السلاح هو النظام الطائفي المتلبس بالرداء البعثي الذي سعى بشتى السبل والطرق إلى إلصاق الإرهاب بالحراك الشبابي فبرنامجه يخلو من أيِّ شكلٍ من أشكال الاعتراف بصندوق الانتخاب والتداول السلمي للسلطة. هذه الحقيقة غالباً ما تغيب عن كثيرٍ من الباحثين الذين في لحظةٍ ما تُصاب بصيرتهم بالعمى.

أما هوشنك أوسي (سوريا) فيقدّم محاورةً أكثر إقناعاً وتفصيلاً لــ/وتعاضداً مع حوار طيب تيزيني وتتحدَّد خريطة قراءته بتكثيف الحالة التي تضطرم بها المنطقة العربية بأنه ليس سوى “خطاب الردة” كتحويل وترجمة لعنوان الحوار “زمن الإنسان الوحش: العودة إلى ما قبل التاريخ”، وهذا التوضيح ضروري حتى لا يلتبس الأمر على القارئ الذي قد يمضي به الظنُّ إلى أن الحوار موضع القراءة ما هو إلا ارتداد ونكوص. لكنه في الحقيقة يأتي تعضيداً لما جاء به د. تيزيني وتأويلاً له؛ يكتب أوسي “وكأن هذه المنطقة، تعيش خارج الزمان الذي يعيشه العالم، فإنما يحدث، يمكن وصفه بالردة عن القيم الإنسانيّة والغرق في قيم الغاية، ولربما أفظع من ذلك أيضاً”. وهذه هي حقيقة الأوضاع التي تهيمن على المنطقة العربية ولاسيما سوريا والعراق. وفي هذا السياق التفسيري والتأويلي تمضي مقاربةَ هوشنك أوسي؛ لتصل في نهايتها إلى نقطةِ خلافٍ جديرة بالإيراد والمناقشة وقد تجاوزتُ مناقشتها عمداً في سياقها على أمل التحاور معها وعبر قراءة هوشنك الذي استفاض فيها. إن الأمر يتعلق بإجابة أستاذنا تيزيني على فكرة التقسيم التي يمكن أن تصيب سوريا، وهي إجابة تشكّك بفكرة التقسيم؛ نظراً لأن المكوِّنات السورية باستثناء الكورد ترفض هذا الحدث، يقول تيزيني “ويبقى العائق الأخير المتمثل في المجموعات والطوائف التي يُراد لها أن تنفصل عن سوريا –ربماعداالأكراد- لكنها ترفض ذلك بمخزونها الوطني السوري والقومي العربي”. واللافت للانتباه أن تيزيني ـ وإن لم يكن يقصدو/أو يقصد ذلك- فإنه ينزع عن الكورد شعورهم الوطني بتضاد مع المجموعات الأخرى التي ترفض التقسيم نظراً لمخزونها الوطني. هنا يقدم هوشنك أوسي قراءة دقيقة؛ ليكشف عن الافتراضات المسبقة التي تشوب خطاب المفكر هنا وارتهانه لرؤية ميتافيزيقية تنأى عن الواقع وتقترب من الخطاب السائد الذي لم تنفك أدبيات حزب البعث عن تكراره ليل نهار؛ يكتب هوشنك “أمّا استثناء تيزيني للأكراد، عن الحالة الوطنيّة النابذة والطاردة للتقسيم والانفصال، ضمن مكوّنات الشعب السوري (…) هذا الرأي أيضاً، يقف بالضد من معطيات التاريخ الحديث لسوريا. فمنذ تشكّل الكيان السوري، بيد الاستعمار الفرنسي-البريطاني للشرق الأوسط، والكرد السوريون يحاولون أن يقنعوا الشريك أي العرب (الأغلبيّة) بأنهم ليسوا انفصاليين، ويريدون العيش معه في وطن واحد. حين طرح الفرنسيون تشكيل دويلات خاصّة على مكوّنات الشعب السوري، رفضها الكرد، وقبل بها الشريك العربي، فتشكّلت دولة حلب (1920-1925) دولة دمشق (1923-1925) دولة جبل الدروز(1921-1936)، دولة العلويين(1925-1936)، وكان لكل دويلة رئيس وعلم خاص بها. وحين أراد الفرنسيون دمج هذه الدويلات، أيضاً وافق أصحابها على ذلك،⊇وإذا لم تكن “وحدة الدويلات السوريّة” رغبة ومشيئة فرنسيّة، لما سعى السوريون إلى التوحّد، ولبقيت تلك الدويلات باقية وقائمة حتى الآن!”. وأعتقد أن إدعاء المفكر بتماسك المكوِّنات السورية على أنواعها برفضها التقسيم فكرة تنخرها الميتافيزيقا وتكذّبها وقائع الأزمة السورية، فهو تماسك مزعوم يتفكك بسهولةٍ مريعة تحت ضغط الوقائع والأحداث.

يكتشف الكاتب اللبناني أن “الحرية” -هذه الكلمة التي سحرت السوريين- هي المساحة المسكوت عنها في حوار تيزيني لحساب مفهومي: الكرامة والعمل، المفهومين اللذين يتكرران في نسيج الحوار

ويقدّم الكاتب اللبناني شادي علاء الدين عبر عنوان “التواصل الأيديولوجي بين الإسلام الداعشي والعالم المعولم” محاورة تتسم بحرارة وجدانية عالية إلى جانب الشعب السوري؛ ولذلك يرى بأن الأدوات التي استخدمها طيب تيزيني في حواره لتوصيف “اللحظة الحاسمة” لا ترتقي إلى مستوى الحدث السوري أو أنها تبتعد عن حرارة اللحظة السورية؛ لكونه يستل مفهوماته من معجم قديم لا يستقم وهذه اللحظة التي تتطلب استكناه التفكيك الذي أحدثته اللحظة السورية على ما يحيط بها. ويقيناً لم تعد ترسانة المفهومات الماركسية التي يمتحُ منها تيزيني أدواته تصلح لتحليل هذه الظواهر العارمة التي تندُّ عن خرائط العقل؛ وهذا ما يمكن ملاحظته في الأخذ برؤى ماركس في تحليل العولمة التي بدت تشييئاً للإنسان ليس إلا. مع أن تحليلاً تاريخياً -ويتسم بالواقعية- سيكون أكثر وفاءً للحظة العولمة.

يكتشف الكاتب اللبناني أن “الحرية” -هذه الكلمة التي سحرت السوريين- هي المساحة المسكوت عنها في حوار تيزيني لحساب مفهومي: الكرامة والعمل، المفهومين اللذين يتكرران في نسيج الحوار؛ فقد “كانت مفردة الحرية هي التصعيد الأقصى لغياب الحياة في سوريا الأسد”.ومن هنا فحضور الكرامة والعمل مشروط بحضور الحرية وتحققها؛ فهي- وبلغة هيدغرية- السؤال الذي لا ينبغي أن يكون طيَّ النسيان؛ لكونه الأفق الذي يتيح حدوث المعنى وحدوث النهضة العزيزة على تيزيني.

ومن الأهمية أيضاً بمكان الإشارة إلى قراءتي الكاتب الأردني زهير توفيق “في السُّؤال عن اللحظة المناسبة” والكاتب الفلسطيني عبدالرحمن بسيسو “أثورة أم نهضة أم كلاهما” (والصواب: كلتاهما معاً)، وإذا كانت القراءة الأولى لا تتجاوز عملية تفسير بعض الأفكار الواردة وتوسيعها في محفل حوار الطيب تيزيني، وهي في مجملها تفسيرات تتفق مع القراءات السابقة عليها، أقول إذا كان ذلك كذلك، فإنَّ الكاتب الفلسطيني يقدم قراءة تفصيلية وعميقة للقضايا الكثيرة الواردة في الحوار؛ ولذلك لم يكتفِ الكاتب بما ورد وإنما تمددت إحالاته النصية إلى حوارات وكتب أخرى للمفكر. والقضية التي تستأثر باهتمام القارئ في هذه القراءة تتمثل بهذا التأمُّل العميق لَدُنْ ثنائية: الثورة/النهضة التي تلخّص بل تكثَّف مجمل المدوَّنة النّصية التي أنجزها تيزيني، وتكشف أدوات الاستفهام الواردة في العنوان وفي ثنايا القراءة (أ، أم، أم) عن الغموض الذي يعصف بانتقالات تيزيني بين حدي الثنائية وعدم استقراره على أيِّ منهما، وهذا يومئ من جهة أخرى إلى أنَّ الحراكَ في البلدان العربي قد عصفَ بمشاريع فكرية كثيرة وأجبر أصحابها على إعادة النَّظر في الكثير من البديهيات والأطر والاستراتيجيات التي ينطلقون منها وبها، أو تركهم في لحظة حيرى قاسية.

تنبغي الإشارة أخيراً -وعلى الرَّغم من جدية قراءة د. طيب تيزيني للحدث السوري- أن هذا الحدث ما يزال يبحث عمن يستنطق ماهيته بمنأى عن خارجه، وبعيداً عن الأدوات المعرفية التي اُستهلكت في المقاربات المعهودة، إنه الحدث الذي يتطلب المصطلح الجديد الذي يمكن به مفهمةُ هذه الرغبة الجامحة للسوريِّ أن يخرج من “مضيق الأبد” .


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا