بروس لورانس: الأصوليون حداثيون ضد الحداثة

ذاعت شهرة المفكّر والكاتب الأميركي بروس لورانس بعد صدور كتابه “المدافعون عن الإله: الثورة الأصولية ضد عصر الحداثة ” (1989)، لورانس مهتم بتاريخ الأديان في الشرق وله العديد من المؤلفات المرتبطة بالديانات الشرقية وحركات العنف المرتبطة بها لدراسة العلاقة بين العنف والنص المقدس وخصوصاً في ما يتعلق بالحالة الإسلامية والشرق العربي، بالإضافة إلى مؤلفاته التي ترتبط بالصوفية وأفكارها وانتشارها، دراسات لورانس لا تنحصر في الشرق الأوسط بل تمتد لأقصى الشرق ودراسة الظاهرة الدينية هناك والحركات الناتجة عنها، حيث تناول في مؤلفاته الهندوسية والبوذية والسيخية، في هذا الحوار مع بروس لورانس جملة من القضايا المتصلة بالنقاش حول 'الربيع العربي' والتيارات الإسلامية الصاعدة وقضايا الاستشراق.

الجديد  عمار المأمون [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(139)]

بداية بروفيسور لورانس نريد سؤالك عن “دولة الإسلام” وخصوصاً فيما يتعلق بالتسمية التي يطلقها التنظيم على نفسه “دولة” و”الإسلام”، ألا يعكس رغبة هذا التنظيم في أن يرى نفسه، على عكس التنظيمات الأصولية الأخرى، الممثل الشرعي للإسلام من خلال تأسيس دولة. خصوصاً أنه طلب البيعة من التنظيمات الأخرى، ألا تعتبر هذه قراءة جديدة للنص الإسلامي في مواجهة “الدولة الطاغية” المتمثلة بالأنظمة العربيّة؟ أم هل تراها مجرد محاولة للتحول لتنظيم سياسي، وهل تمتلك هذه “الدولة” -التي تحلم بوجودها المنظمات الأصولية الوليدة خلال القرن المنصرم - إن وجدت مقومات “الدولة المعاصرة”؟

لورانس إن طرح فكرة وجود دولة للإسلام أو تنظيم سياسي من نوع ما بوصفها فكرة متأصلة في الإسلام يعتبر طرحاً خاطئاً، إذ كان هناك العديد من أنظمة الحكم الإسلامية منذ وفاة النبي محمد حتى زمننا المعاصر هذا، فالإمبراطوريات والدولة-الأمة بجوهرها ليست دينيّة، والحكّام فقط هم من يجعلون الدين يتحول لدولة ذات عقيدة أو مذهب، وآخر المحاولات للقيام بهذا التحول تتمثل بـ”دولة الإسلام” التي تدّعي بأنها تمثل الخلافة الأصيلة بوصفها الشكل “الحقيقي” للحكم الإسلامي، إلا أن “دولة الإسلام” لا تمثل الإسلام ولا الحداثة والأمر ينطبق على سلطنة بروناي، إلا أن الأخيرة تمتلك فرصة أكبر بأن تكون دولة لأنها تعبّر عن قوتها سلمياً سواء في جنوب شرق آسيا أو أمام قاطنيها وسكان العالم المتحضر.

الإسلام والحداثة

لطالما كان هاجس الباحثين العرب إلى جانب بعض الباحثين الغربيين إيجاد جذور للحداثة في الدين الإسلامي أو إيجاد توليفة لجمعهما معاً ( إسلام- حداثة)، لمَ برأيك الإسلام مطالب بأن يكون حداثياً أو متلائماً مع الحداثة وأن يكون نظاماً وممارسةً سياسية واقتصادية لا مجرد ممارسة روحيّة، أوليس ظهور “دولة الإسلام” في حد ذاته إثباتا بأن الإسلام لا يمكن أن يكون حداثياً كنظام حكم؟

لورانس: الحداثة مبالغ بأهميتها بوصفها معيارا للجودة والسلطة الزمنيّة، الإمام الغزالي توفي في القرن الثاني عشر إلا أنه دافع عن آرائه بوصفها حداثية (معاصرة)، الحداثة هي مجرد كلمة أخرى للمعاصرة، كما أنه لا يوجد احتكار للمعاصرة حتى في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين.

السؤال هو ليس هل باستطاعة الإسلام أن يكون معاصراً أم لا، لكن هل بإمكان العالم المعاصر أن يمتد وأن يكون ذا أشكال متعددة سياسياً واجتماعياً وثقافياً بل وحتى دينياً.

مفهوم الغرب

من المعروف أن التنظيمات الإسلامية الأصوليّة كالقاعدة ودولة الإسلام، تتلقى دعماً من الغرب، والآن خرجت عن نطاق سيطرة الغرب ذاته، ألا يمكن لنا أن نعتبر ذلك بأنه الجانب المظلم للرؤية الاستشراقية عن الإسلام التي ارتدّت ضد الغرب الذي لعب دوراً هاماً في خلق فكرة الإسلاموفوبيا؟

لورانس:ما يسمّى بـ(الغرب) لا يعني الغرب كله، بل هو فقط شمال أوروبا وأميركا، بالإضافة لليابان (جغرافياً هي في الشرق إلا أنها تعبر جزءاً من الفكر الغربي)، كما يعني أن تكون رأسمالياً وديمقراطياً، علماً أن الكثير من الأنظمة الغربية محكومة من قبل الأغنياء لا بشكل يتساوى فيه الجميع ويضمن تشكّل وتوسع وتوزيع رأس المال عبر كل قطاعات المجتمع، وهذه البلدان أحياناً أقل ديمقراطية من تلك التي تدّعي ذلك نظرياً.

الإسلام لا يحتكر الأصوليّة، فاليهود والمسيحيون والهندوس والبوذيون لديهم طرق أصوليّة في التفكير والتصرف والتنظيم والسيطرة، إلا أن الانقسام الرأسمالي-الشيوعي المسمّى بالحرب الباردة أدّى إلى التدخل الأميركي/الأوروبي في أفغانستان، ما أدى إلى إيجاد تنظيم القاعدة ودولة الإسلام ليست إلا استمراراً لهذا النهج، أما الإسلاموفوبيا فليست إلا امتدادا لأنظمة الحكم عبر البحار والتي تعرّف المسلمين بوصفهم (الآخرون، القاطنون هناك، الغرباء/الأجانب) بالإضافة إلى كونهم الأعداء حين يتواجدون على الأراضي الغربيّة.

الأصولي والحداثة

لطالما كان هناك خلاف بين الحداثة وبين النصوص المقدسة التي لا يمكن تجاوزها، مع ذلك نرى الأصوليين يستخدمون منتجات الحداثة كالتكنولوجيا وأساليب التنظيم الحديثة وتكنيكاتها، من وجهة النظر هذه هل بإمكاننا اعتبار الأصولية باقية بوصفها جزءا من حركة التاريخ، أم هل نحن بحاجة لمؤسسات تفكك النصوص والأفكار الأصولية؟ أم ببساطة علينا أن نهجر الدين ومفهومه؟

لورانس لقد كتبت كثيراً في هذا الموضوع، بإمكاننا أن نكون ضد الحداثة لكن لا يمكننا أن نهرب من التحديث. الأصوليون هم ضد الحداثة، إلا أنهم حداثيون( محدَّثون) بشكل كبير، إذ لا يمكنهم النجاح دون الهواتف والطائرات والرسائل القصيرة والقنابل، كما أن هذا لا يعني الاستغناء عن الدين كي نكون حداثيين، إن أكبر خطأ لمنظّري العلمانية هو ظنهم أنه كلما ازداد استخدامنا لمنتجات الحداثة التكنولوجيّة كلما أصبحنا أكثر حداثة على الصعيدين النفسي والديني، وهذا ما لم يحدث.

الإسلاموفوبيا ليست إلا امتدادا لأنظمة الحكم عبر البحار والتي تعرّف المسلمين بوصفهم (الآخرون، القاطنون هناك، الغرباء/الأجانب) بالإضافة إلى كونهم الأعداء حين يتواجدون على الأراضي الغربيّة

الإسلام ديمقراطي

أنتج الربيع العربي العديد من الأفكار، لكن ما نراه مسيطراً هو الخيارات الإسلامية وفق قراءات مختلفة، هل تظن أن الإسلام يمكن أن يكون ثورياً بالرغم من أنه يحوي نصوصاً “لا يمكن نقاشها”، وبما أن الثورات العربية لم تستطع حتى الآن التأسيس لدولة معاصرة أو تحقيق القطيعة مع الماضي، هل هناك من أمل بقيام دولة ديمقراطية في المنطقة العربية أم أنها محكومة بالصراع؟

لورانس أظن أنه مازال مبكراً القول بأن الربيع العربي قد انتهى، أو أن الحركات العربية للتغير قد فشلت، أما الإسلام فأظن أنه ديمقراطي وقائم على المشاركة كأيّ دين، أما التحدي الأكبر للدول المسلمة هو إيجاد طريقة لخلق فرص عمل ودعم للأجيال التي تخرجت حديثاً من الجامعات، حتى في بلدان الذهب الأسود، فالسعودية كمثال لكي تحقق التحرك نحو الديمقراطية بسرعة عليها أن تخرّج عدداً كافيا من الأفراد المحترفين ذوي المهارات، وأن تخلق فرص عملٍ لهؤلاء الأشخاص للوصول إلى دولة ذات صيغة تشاركية وديمقراطية قابلة للاستمرار والنمو.

الأمل الصوفي

تعتبر الصوفية رؤية متفردة للعالم وتعود جذورها إلى النص (القرآن) الذي تعود له الرؤية الأصوليّة، إلا أن الصوفيّة فشلت في التأسيس لنظام حاكم، لأنها لم تُتبنى من قبل السلطة الحاكمة، ألا تقوّض هذه الحجة مفهوم الدولة الدينية من ضمنها فكرة الدولة الأصولية الإسلامية، جاعلة إياها لا تنتمي للنص بل تجعلها جزءًا من الاستراتيجية السياسية؟ وألا يمكن اعتبار غياب نظام سياسي كامل للحكم في النص الإسلامي داعماً لهذه الحجة؟

لورانس حقيقةً، الصوفية لم تسع لأن تكون جزءًا من نظام حاكم، معظم أبطال الصوفيّة ومشايخها كانوا خارج الحكم أو معارضين له، لكن ما قامت به الصوفية وما زالت تقوم به هو الانخراط في (الجوانيات) ودواخل النفس وعوالم الروح، وجعلها مصدرا للأمل والشجاعة للعديد من المسلمين ومعظم هذا التفكير يقع خارج بنية القوة. أما الجهاد الذي أقصده وأشير إليه في الجواب الأخير فله حضور قوي وراسخ في تاريخ الصوفيّة.

النص الصامت

العنف موجود في نصوص الديانات الإبراهيمية كلها ( الإسلام، المسيحية، اليهودية)، وهذا ما جعل الحركات الأصولية تظهر في كل أنحاء العالم لا المنطقة العربيّة فحسب، السؤال (من وجهة نظر شرقيّة)، لمَ يقوم الغرب (أميركا أولاً) بدعم هذه الحركات التي ينتهي بها الأمر بمهاجمته؟ وألا يمكننا القول بأن الحركات الأصوليّة المضادة للحداثة هي نتاج الغرب والأنظمة العربية الديكتاتوريّة؟ أم أن اللوم يقع على النصوص الدينيّة؟

لورانس كل النصوص صامتة، البشر هم من يؤولونها ويكسبونها المعنى في كل منطقة وكل جيل وكل لحظة اتخاذ قرار. التوراة ليست محافظة والإنجيل ليس تقليداً والقرآن ليس متجانساً، كل كتاب مقدس له مصادر قوة قادرة على التغير، إلا أن القرّاء والمؤوّلين والمفسرين الجدد لهذا النص هم من يجعلون هذا النوع من التغيير ممكناً ومستداماً.

الأسباب الحقيقية

الديكتاتوريات العربية حالياً مازالت تواجه الربيع العربي، الذي يسميه البعض الربيع الإسلامي، هل تظن أنه بعد انهيار الديكتاتوريات العربية ستنتصر الرؤية الإسلامية؟ ولمَ أنتجت الثورات العربية حقيقة موضوعية بأن الدين الإسلامي هو الحل الوحيد، لا دولة الديمقراطية والمساواة، علما أنّنا نعيش في عالم ما بعد حداثي تسمح فيه وسائل الاتصال بانتقال كافة أنواع المعلومات بين الجميع؟ وما رأيك باستخدام وسائل الاتصال الحديثة لنشر الفكر الجهادي في الغرب، أليست هذه ضريبة ما بعد الحداثة نفسها؟

لورانس هذا السؤال يحيل للسؤال الخامس، إذ لا يوجد ما هو رجعي أو إرهابي ضمن النص القرآني، وأظن أن العقلية الجهادية هي نتيجة للحوادث المؤسفة ضمن التاريخ، وأغلبها تعود لمرحلة ما بعد سقوط جدار برلين خلال الخمس وعشرين عاماً السابقة، فلولا اجتياح صدام حسين للكويت وحرب الخليج الأولى ثم الحصار الطويل الذي فرض على العراق وأحداث الحادي عشر من سبتمبر والسابع من تموز في لندن والحربان على أفغانستان والعراق، لما كان الفكر الجهادي قد انتشر أو ظهر الخطر الذي تمثله دولة الإسلام.

التوليفة الداعشية

هل من الممكن أن نشهد انتشار واسعا للجهاديين في الغرب نظراً لأن هدف “دولة الإسلام_داعش” هو نشر الرعب في العالم الغربي؟ وما هو المكون السحري في دولة الإسلام الذي يدفع الشبان والشابات من الغرب للانضمام إلى صفوفها؟ لأني شخصياً لا أظن أن الأمر مرتبط برخصة القتل المجانية التي تعطيها دولة الإسلام لمقاتليها أو توافر النساء.

لورانس التوليفة السحرية التي تمتلكها دولة الإسلام لتجنيد المقاتلين ترتبط باستخدامها الدرامي للصورة والمواقع المختلفة وشبكات التواصل لتعكس صورة تدفع الآخر للتعاطف معها ومع بنيتها اليوتوبية، إلى جانب مواردها وأهدافها، فالكثير من الشبان الذين لا يعيشون في وهم الماديات ولا يأسرهم المجد ونمط الحياة الذي يقدمه الغرب، وهذا ما يجعل الجمهور يستجيب لـ”سحر” دولة الإسلام.

إعادة نظر

هل بإمكاننا أن نشهد أسلوباً جديدا للتعامل مع قضايا الشرق الأوسط إن قمنا بنشر وعي جديد وأسلوب جديد في التفكير مختلف عن ذلك المرتبط بجغرافيا العالم القديم –الجغرافيا المذكورة في الكتب المقدسة التي لا تسمح بقراءة محايدة- وخصوصاً في ظل التعقيدات التي أنتجها الصراع الحالي في المنطقة؟

لورانس هناك العديد من الأشخاص في العالم العربي يستحقون التقدير والاتباع ومعظمهم ليسوا سياسيين وأغلبهم ليسوا حكاماً. ودعني أقول إن آلية التفكير الجديدة في الشرق الأوسط تستدعي إعادة النظر في قضايا مختلفة، كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كذلك ما يحصل في ليبيا وسوريا والعراق مع الأخذ بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه الأطراف الخارجية. ولا يبدو الآن أن هناك رغبة سياسية لدى أوروبا الغربية أو أميركا الشمالية إلى جانب روسيا والصين لإعادة تقييم أدوارهم المتعددة والمتصارعة في المنطقة، أما النصوص المقدسة فدورها ضئيل فيما يخص المستقبل واللاعبين السياسيين الذين لا ينتمون لأيّ مقدس والمصالح الاقتصادية القائمة على الاستغلال والفقر.

قنبلة غربية

من جهة النظر السابقة هل بإمكاننا القول أن العنف المرتبط بالإسلام تم تعزيزيه بسبب الآراء الاستشراقية، أوليست وسائل الإعلام جزءًا من صناعة هذه الصورة –صورة الجهادي المسلم العنيف- التي يتم تبنيها من قبل الإسلاميين أنفسهم، أوليست نوعاً من “خطاب القوة” الذي يُفرض على المسلمين، جاعلاً المسلم العادي في حياته اليومية ضحية لأولئك الذين يستخدمون الإسلام لتغطية أعمالهم الإرهابية؟

لورانس لا، فمرة علّق الماليزي فاريش نور وقال إن القنبلة الأصولية هي اختراع غربي، وهو محق في جزء من كلامه، فبعد عام 1989 شهد العالم ما قام به الغرب الذي استبدل الخطر الأحمر (الشيوعيّة) بالخطر الأخضر (الإسلام)، وهذه المعادلة خاطئة في جوهرها، لأن أغلب المسلمين يتقاسمون مع الغرب القيم الإنسانية ذاتها: الوفاء للعائلة، احترام الأفراد، الأمل ببشرية أفضل.

أما سبب ذلك فلا يقع على وسائل الإعلام فحسب فهناك لوم يقع على المصالح السياسية والاقتصادية والمؤسساتية التي رسمت صورة عن الإسلام والمسلمين بوصفهما مصنعاً للمتعصبين وأرضاً خصبةً للإرهابيين. أما الإسلام الحقيقي فهو كما كان وكما سيبقى دعوة للسلام، لا بالاسم فقط بل أيضاً بالممارسة.

ما بعد الاستشراق

هناك ما يسمى بـ”الرؤية الاستشراقية للعالم العربي” والتي أنتجت دراسات تخص البلاد الإسلامية، هذه الدراسات تستند معظمها إلى النصوص الخيالية والمقدسة وأدبيات الجماعات الأصولية، هل بإمكاننا الاعتماد على نتائج هذه الدراسات؟ وخصوصاُ أنها لا تمثل الحقيقة بل ما يتم فرضه على العرب والمسلمين من قبل المؤسسات الغربية ليكون الحقيقة؟

لورانس الدراسات دائماً ناقصة، لكنّي أظن أن هناك البعض ممن يمتلكون نظرة ثاقبة، كالمرحوم ألبيرت حوراني ومكسيم رودينسون ومارشال هودغسون وجانيت أبو لغد التي أسست لطرق جديدة ومنتجة لدراسة العالم العربي والإسلامي، ببساطة هم لم يكونوا صدى لغيرهم أو خضعوا لتأثير صناع القرار والسياسة.

الأصوليون هم ضد الحداثة، إلا أنهم حداثيون( محدَّثون) بشكل كبير، إذ لا يمكنهم النجاح دون الهواتف والطائرات والرسائل القصيرة والقنابل، كما أن هذا لا يعني الاستغناء عن الدين كي نكون حداثيين

إن جهود مفكرين كإدوارد سعيد أضاءت حقيقة الصورة الاستشراقية للعالم الغربي كجزء من دراساته للعالم ما بعد الاستعماري، هل تظن بأن آراءه مازالت في هذه اللحظة فعّالة، بعد أن شهدنا رؤية جديدة للـ”إسلام” و”الدولة” لا مجرد تنظيمات منتشرة في العالم العربي؟

لورانس: إدوارد سعيد كان شخصاً ذا بصيرة، بالإضافة إلى كونه إنساناً لطيفاً، لكنني أظن أننا نعيش في عالم ما بعد استشراقي سواء كان ذلك بالنسبة إلى العرب أو غير العرب، المسلمين وغير المسلمين وخصوصاً ضمن أفكار الجيل الشاب، الذي أرى فيه الأمل لتجاوز الجمود واليأس السياسي الذي يحكم العالم بشكل عام وخصوصاً بالنسبة إلى العالم العربي والإسلامي.

المقاتل الجهادي

هل من المعقول أن البعض يصدق الصورة الرومانسية للجهادي التي تنتشر عبر الشاشات؟ أي بالرغم من التطور التكنولوجي الذي وصلنا إليه والأفكار الثورية، هل من المعقول أن هذه الصورة مغرية للبعض سواء من الشرق أو الغرب؟ وهل يصدقها بعض المثقفين والمتنورين؟

لورانس: المقاتل الجهادي لن يختفي ما لم تتحقق العدالة والمساواة والأمل والنجاة لمزيد من الناس، ولتجاوز اللاتماثل والاختلاف الذي يحويه النظام العالمي الآن لا بد من وجود أشخاص ذوي بصيرة يقدّمون للناس بصدر رحب رؤية واضحة فيما يخص الخيارات والأفكار التي يشاركونها مع البشرية.

الجهاديون ليسوا أصحاب رؤية مستقبلية إلا أن غياب الأصوات الأخرى جعلت ما يقومون به يعطي الأمل لأولئك الذين فقدوه ولا يكفي فقط أن نعارضهم، بل على المرء أن يعمل ويكدح من أجل عالم تسود فيه المساواة والعدالة، ليكون الجهاد الحقيقي ضد الفقر والجهل والفساد والطغيان.

أجري الحوار من باريس


كاتب من سوريا مقيم في باريس