اجتياز العتبة

الجديد  أحمد خلف [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(22)]

لوحة: نبيل عناني
بدت العيادة المسائية متنحية عن جادة المارة، لم تكن في شارع خلفي بل عند واجهة محلات متراصفة، وقد فتحت أبوابها قبل ساعة من الآن، والغريب لم نكن نعرف أين تقع عيادة كهذه لولا انتباهة عابرة من أحدنا بعد إطراقة قصيرة أشار بيده على طريق يفضي إلى ساحة تجمعت فيها عشرات السيارات الصغيرة وأعمدة الهاتف منتشرة في أركان الشارع، لم تكن المصابيح قد أنيرت الآن لكننا بكّرنا بالمجيء عاقدين العزم على نقله إلى عيادة الشفاء، بعد أن درنا على عدد آخر من العيادات التي زرعت اليأس في نفوسنا، كنا أربعة رجال، وكان أكبرنا أكثرنا صبرا وأقلّنا ثرثرة حول المريض وما يعانيه من الآم وويلات وهو يصغي إلى عباراتنا المتقطعة،المتناثرة نقولها جزافا، أو تخمينا أو ترضية رخيصة لخواطرنا المنكسرة بعد أن هدّنا تعب طويل، كأننا صمّمنا على الجري السريع المتواصل بلا توانِ أو تقاعس على استرداد الأمل المضاع في الطرقات الكثيرة، لمّا درنا به، وقد رفعته الأيدي وأسندته الأكتاف. أكبرنا لا يملك إلا التحديق المستمر بوجه المريض الذي استعصت علته على من تقدم للكشف عليه من أطباء مهرة جراحين أو مشخصي علل لا يرقى الشك إلى علمهم ومعرفتهم.. أكبرنا يشبه أصغرنا ويجاريه في النظرة المستكينة إلى العليل كلما ارتفع الأنين من بين شفتيه الناشفتين، كأنه وطّن النفس على الهذو بكلمات غامضة يعوزها الوضوح وبلوغ المعنى: ــــ محال محال ألا تفعلوا لي شيئا يقيني البلية؟ تلفتنا بيننا وفيما حولنا، كان الصمت راسخا يضج بالأسى والخراب كأنه يقطّره علينا من قوارير أو تمطره سماء مربدة، انتبهنا كلنا للصوت، كانت النبرة المتخاذلة بل اليائسة تأتينا من قرار بعيد وكل منا التفت إلى صاحبه دونما حرف أو كلمة تقال، بل الصمت حادينا للذهول الذي طوقنا كالأساور. مرة أخرى عصفت الريح في الأزقة وداهمنا الغبار من كل ركن وزاوية قريبة منا ولفّتنا عجاجة صفراء قطعت سبل الرجاء فينا، أين ينبغي لنا الوقوف لئلا نضيع وسط متاهة أو خطوة لا تحمد عقباها، أكان ذلك صوته؟ (صوت العليل) أم تخيلناه صادرا من فمه الذي ألجمه المرض منذ عام، وبعضنا يصر على أن مريضنا سقط في علته منذ بضع سنين وربما كان القدر قد جافاه عمدا، لكننا أهملناه كأننا لا نعرفه ولا نريد معرفة ما يجري معه وهو أخونا وخامسنا ولا يجوز لنا التفريط بأخوّته البتة، وقد تركناه ردحا من الزمن منفيا في محنته وعذابه المستديم، كنا نجد لديه الطيب والمن والسلوى وما كان يبخل علينا وقت الضيق، أو حين يلم بنا الإعصار، كان نادرا في سخائه بيننا كواحد منا غير، إنه عادة وفي كل مرة نتكلكل عليه بأرواحنا الحائرة وثيابنا الرثة، التي مزقتها ريح صرصر عاتية، يفترش القلب لنا قبل الأرض لكي يلملم أطراف العذاب ويسقينا من رحيق سعادته ما يكفينا، والحق لم يكن هو أكبرنا إنما أكبرنا يشبه أصغرنا، ويكاد بعضنا يغدو نسخة مكررة للذي قيل بحقنا من أننا عصبة تآلفت فيما بينها على السراء والضراء، إذن محال أن نتركه نهبا للضواري والحيوانات الكاسرة والجارحة، بل ضمدناه بعد أن حلقنا له ورتبنا هندامه واعتنينا بهندامه وعطرناه وعلى أذرعنا حملناه من طبيب متمرس إلى آخر أكثر تمرسا، وما كان بيننا من كان يجرؤ على إبداء الرأي بشأنه، ذاك أمر تركناه لكلمة الفصل التي سنسمعها من طبيبه الذي انتظرناه هذه الساعة في عيادة الشفاء، لعله يأتي الآن أو بعد حين، كان أول من تلقفه منا رجل ربعة وذراعاه مشمرتان حد الساعد والعضل المفتول، جعل صاحبنا أشبه بقصبة ناشفة بين يدي الرجل قوي العضلات، أخذه منا دون التفرس به، أجلسه دكة إسمنتية وجعله يتنفس الصعداء على مهل، لم نكن نعرف ما إذا كان تحلّقنا حوله يغيضه أم يفرحه، رفع إلينا جفنين ثقيلين وعاد ليطبقهما نصف إطباقة وأطلق حسرة وآه، كأنه يطرد الذباب من حوله.. جاءت ممرضة شابة في العشرين من عمرها، أمسكت يد المريض وتأملت وجهه الشاحب الذي أكلته العلة كأنه أصيب باليرقان من سنين خلت، ثم ما لبثت أن ضغطت على أحد جفنيه وتأملته مجددا، سمعناها تتمتم مع نفسها:

ــــ لقد عانى من أهله وذويه أكثر مما تلقاه من خصومه.. استمرت الممرضة الشابة تحدّق بالوجه الأسيان، وضعت يدها البيضاء على أحد كتفيه، وذراعها نصف العاري الجميل كان ناصعا في انحناءة ساحرة جعلت مريضنا يتنفس الصعداء. عادت ثانية إلى القول :

ـــــ كيف الحل إذن معه أو مع من هم على شاكلته؟

ـــــ هل هناك من هم يعانون أيضا؟

ــــــ نعم كثيرون قد يتجاوزون المئات بل الآلاف يا سيدي!

ـــــ وهل لهذه العيادة أن تكفيهم؟ ألا تراهم كيف بدأوا يتقاطرون علينا؟

ـــــ وماذا سنفعل مع أخينا؟

ـــــ سيأتي الطبيب وينظر في حالته..

كانت عيادة الشفاء تفتح أبوابها مشرعة أمام الريح لتستقبل مرضاها على استحياء غالبا، وتبيّن لنا أنهم وزعوا عددا من المقاعد الخشبية وتركوها عند منعطفات الزوايا والأركان وهي كثيرة ومنتشرة عند أبواب الغرف ونوافذها كذلك، وفي الحال توصد أبواب الغرف حالما يدخل مريض أو عليل أو لحظة يغادر الغرفة، ولكن لا أحد يدري إلى أين يمضون به!

تلك الأثناء أشرت على إخوتي أن احملوا مريضنا نحو الرواق الطويل حيث غرفة الطبيب، لعله حين يراه ملقىً أو متهالكا على مقعده سيدخله غرفة الكشف، أجلسناه أول الأمر على كنبة خشبية وأسندناه إلى الجدار تمايل قليلا والوجه غدا بلون التراب أو الرمال الساخنة، نزلت قطرات عرق على سالفيه وخديه ورأيناه يلعقها بطارف لسانه ويستذوقها على مهل، عدنا ثانية وأسندناه لنعيد له رباطة جأشه وقدرته النادرة على التحمل أيام كان فيها عونا لنا أو متراسا لألعابنا وفوضانا.. الأمهات عبر فتحات الأبواب وشقوقها يستجمعن شجاعتهن للصراخ بنا أو لنهرنا من مغبة التمادي في أفعالنا غير البريئة، أكبرنا أكثرنا حرصا على لمّ شمل وحدتنا، وهو في تفانيه يشبه أصغرنا، ما كنت كبيرهم ولا صغيرهم لكني كنت بينهم موضع السبابة بين أصابع اليد الواحدة وإذا حمي وطيس طيشنا أسمعه يصرخ بأعلى صوته:

ــــ يا خيل الله اركبي وتحزّمي لخوض الوغى..

بعضنا ينفجر بضحكة مجلجلة حالما يسمع الموت ينداح في الفضاء المترامي، يا خيل الله اركبي، حقا كنا نركب خيولنا الحديدية ونندفع كالشهب في معركة ضارية لا نلوي فيها على شيء، ومثوانا، مثوانا يترصدنا ويغدو حفرة بانتظار أن يسقط أحدنا متعثرا في خطاه، أو متهالكا بحجم الحمية المتصاعدة، إذ يتجلى لنا كل شيء وينجلي الحال عن وجود فتاة في الظل ترقب أفعالنا الماكرة: بضفيرتين اثنتين وفم بلون الشفق، وعينين ساحرتين تتلصصان على أفعالنا، أعني أجسادنا الفتية الماهرة في خوض غمار العبث، والعناد، وكنا وسط تعالي الصراخ والعويل نسمع اصطكاك الأجساد كسنابك الخيل، أعني أجسادنا بعضها ببعض كأنها عربات قطار تفرقت لحظة ثم استجمعت قواها في نقطة واحدة تردم فيها ذلك النأي الملعون عن وجودنا الراسخ القوي، كيف احتملنا هذا كله؟ وفي غمار الاندفاع الأهوج لخوض الوغى يحدث أن يتوارى أحدنا لائذا بالفرار من سخونة المعركة، أو يطلق ساقيه للريح متخفيا وراء جدار أو شجرة، أو في حفرة لم نتوقعها. يكون جمعنا قد تناقص والهدير العاتي يأخذنا بانجرافة لا تترك لنا مهلة التروي أو البحث عن الآخر، وفجأة يعوي أحدنا منذهلا للذي يراه:

ـــــ لقد خسرنا كل شيء كل شيء..

وأرى ذراع أكبرنا تمتد في الفراغ الدائر من حولنا تشير على الآخر المتواني أو المتواري أو ذاك صاحب الإعلان عن خسارة كل شيء: هيا اندفعوا لم يبق إلا القليل، علامَ تجزعون بلمح البصر؟ غير أني أسأل نفسي صارخا في العجاجة الهادرة والغبار يطوّح بالأشياء، حتّام نظل نرقب نهارا جديدا؟ حتّام؟ فلا أسمع لصوتي ترجيعة أو صدى وسط جرينيكا الموت تلك، وما يشير علينا الذراع الطويل القاسي ملوحا لنا في الهواء، إن واصلوا كفاحكم، دون عثرات، نهبّ مندفعين بجنون لا مثيل له، وعليلنا ساعتها يسابق الريح، يتقدمنا بحمية لا تقهر ونحن نراه كالنيزك، لا يلوي على شيء. كان القدر قد خصه بالفوز المحقق في لعبة لا نرى لها من نهاية تلوح في أفق قريب، لا شك كان قراره السري، هو، الفوز بالكأس المعلى، لكنه الآن ذاهل ووجهه الذابل يشي بالأسى والقنوط وقد خسر أشواطه كلها، ولم يعد لديه من ميدان يمارس فيه ألعابه الماكرة..

سمعت من يقول:

ـــــ وصل الطبيب الآن.

تحركنا كلنا مأخوذين برغبة التعرف على شخص الطبيب الذي سيبوح لنا بالسر وقد ظل غامضا وعسيرا علينا ردحا طويلا من الزمن:

ــــ هل كشف على حالته غيري؟ كانت يد الطبيب قد قلّبته وجس النبض عبر اليد المتوانية، الرتيبة المتدلية نحو الأرض رفعها نحو الأعلى وظل محتفظا بجلال صمته ووقاره وعيناه تبحثان في الوجوه المسمرة على حركة اليد، كأنه قبطان يدير سفينة تائهة وسط الموج والريح، لوحت يد الطبيب لنا كلنا دون النظر لأحدنا تحديدا وتقدمنا إثر ذلك خطوتين أو ثلاثا مطبقين الأفواه مخافة أن يتهدم شيء لا نريد التعرف عليه الآن، رغم أن ثمة خيبة طغت على وجه الطبيب جعلته يعاود النظر إلى وجه مريضنا وبيده أشار على الممرضة الشابة الجميلة: خذيه نحو الغرفة الأخرى للكشف عن علته.

علت وجهها ابتسامة شاحبة:

ــــ أرى أنه لا يستطيع السير على قدميه، أراهما متورمتين.

وكان لصوتها الرقيق الذي خاطب الطبيب وقع الندى والشذى على أسماعنا، انبهرنا لنبرة الصوت الذي ظل حائرا بين لهجة اليقين وبين صيغة السؤال عن حقيقة العلة. تقدم رجلان من العاملين في عيادة الشفاء وحملاه على أذرعهما واختفيا به، كنا ندور حول بعضنا والطبيب لم يترك لنا فرصة السؤال عن جدوى انتظارنا في الرواق الطويل. اختفى الطبيب كما اختفت الممرضة ممشوقة القوام أسيلة الخدين جميلة القد غرّاء فرعاء مصقول عوارضها، اختفت بين الغرف العديدة وضاع منا الأثر، درنا في متاهة الأروقة والأبواب الموصدة، وروائح الأدوية والأبخرة والأردية البيضاء تبعنا كبيرنا في سيره وخطواته البطيئة المتوانية محاذاة الجدار، بعضنا استرق السمع إلى الأبواب القريبة، ومنا من تلصص عبر شقوق النوافذ وفتحات التهوية دون جدوى، كانت الأجساد تئن في تلك الغرف لا من ألم بل من طول رقاد على أسرّة بيضاء تسمّرنا لبعض الوقت أمام الكوة الزجاجية، ننظر في الوجوه الراقدة على الأسرّة والضوء يغمر فضاء الغرف، والعيون ترسل نظرات حائرة نحونا تجرأ أحدنا وفتح باب إحدى الغرف، فوجئنا بالوجوه الراقدة وقد شملها طيف واحد من الرؤى والحنين إلى خارج المكان وقد أشار علينا أحدهم أن ناولوني سيجارة، تجاوزناه ثم عدنا إليه مندهشين كأننا نرى أخانا راقدا وطيف ابتسامة جذلى تعلو محياه، وقال أحدنا بنبرة عجب:

ــــ يا عباد الله انظروا جيدا!

ــــ نحن نرى ما تراه.

من يملك تفسيرا لهذا كله ألا ترون؟

وصاح آخر بسخرية صريحة:

ــــ الجميع يشبهون الواحد

وكأن الواحد منا يشبه الجميع.

وسمعت صوتا آخر يقول:

ــــ يا للجميع الذي لا يشبه حتى نفسه.

انتبهت إلى يد الممرضة الجميلة تحط على كتف أكبرنا وتجره خارج الغرفة، وصوتها حلو النبرات يهمس لنا:

ــــ هيا اتبعوني ..

ولما تبعناها الواحد إثر الآخر كان الطبيب في انتظارنا: ـــ إن أمرا كهذا لا يمكن البت به..

ــــ ما المطلوب منا سيدي؟

كان ذلك صوتي الذي بدا خائبا ومترددا:

ــــ اتركوه لنا نحن اعرف بعلاجه!

ترددنا في سيرنا متعثري الخطى نحو النور خارج العيادة وعيوننا الحائرة لا ندري أين سترسو.

كان أكبرنا يصرّ على اجتيازنا العتبة لنغدو جميعا دون أخينا خارج المكان.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • لا طفل يُهمل بعد الآن