ثلاث قصص

الجديد  آمال الأحمد [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(32)]

لوحة: ياسر أبو الحرم
الأرواح لا تنجب الأطفال

تسير خائرة القوى نحو حتفها.. تترنح قبل السقوط الذي توقعت حدوثه بعد موت حبيبها.

لكنها تفاجئني، وتقرر ألاّ تسقط.

تقول لي: السقوط عجز.. والعاجزة تبعد عن العشق ألف سنة حب.. وأنا أحب.. تكمل مسيرها حافية القدمين.. تنظر إليّ من بعيد.. تصرخ: سأحب الآن روحه.. كما كنت أفعل من قبل. أخذتني الظروف لبلد آخر.. تزوجتُ وأنجبتُ وأسست حياتي كما أريد.. لم أكن أعلم أني سأقابلها صدفة في حديقة الأطفال.. في نفس البلد الذي سافرت إليه.. كانت تؤرجح طفلتها..

اقتربت منها وسألتها بعد السلام:

- ابنتك؟

- قالت: نعم.

- قلت: من حبيبك؟

- قالت بحزن: قلت لك سأظل أحب روحه.. الأرواح تنجب السعادة والفرح والحنين..

(رفعت رأسها للسماء..تدحرجت دمعة يتيمة على خدها).. أكملتْ “ولكنها للأسف لا تنجب الأطفال”.

قهوة الذاكرة

أقرر الكتابة عنه.. أعد فنجان قهوتي الصباحي.. أجلس على الشرفة.. أفتح دفتري القديم.. أحاول استحضار الذاكرة من سحابة لهفتي إليه لتتحول إلى قلم رشيق الحرف.. وما أن أبدأ الكتابة حتى تثور السطور الزرقاء في وجهي.. فلا أعرف لها استقامة ولا طريقا أهتدي به لكتابة وجعي.. تتجاهلني وتدير ظهرها عني.. تتراقص بغرابة لا أفهمها.. حاولت جاهدة أن أغض بصري عن رقصاتها المثيرة.. ولكن الفضول زرع نظراتي ثانية تحت خطواتها الراقصة بحرفنة حروف راحت تتشكل في صدر الصفحة صفعة لا أكثر.. أو هكذا قرأتها.. تجدل السطور نفسها بعد انتهاء رقصتها.. تصنع جديلة تشبه جديلة امرأة كانت تجلس بجواره ذات يوم خائن.. كانت تشرب القهوة بلذة خادشة للبراءة.. فيما يدخن هو سيجارته برجولة حمقاء.. أغلق الدفتر بعصبية.. علني أسكب قهوتها على وجهه.. وأحرق جديلتها بعقب سيجارته.. أضع الدفتر على حافة الشرفة.. غير آبهة بتلك الريح القوية التي أجبرتني على دخول حجرتي.. أكمل شرب قهوتي وأنا أسير نحو حائط كان في ما مضى سكناً لصورة كانت تضمنا معاً.

دونه أنا لا شيء

عرّاه سجّانه من كل شيء.. حريته.. ثيابه.. أحلامه.. من أشياء كثيرة كان ولا يزال يحبها.. حتى خياله لم يسلم من قبضته السوداء.. قيده بالسلاسل.. رمقه بنظرة ازدراء جافة.. أعطاه ظهره وهمّ بالرحيل.. لكن السجين صرخ من خلفه قائلاً: اترك لي شيئا واحداً. قال السجان ونشوة المنتصر تقطُر من عينيه نظرات تقدح ضحكاً: حسناً.. لك ذلك.. لكن إياك وطلب الحرية.. أو حتى رؤية الملك.. قال السجين ساخراً من نظرة سجانه: أما الحرية فلا تُطلب.. والسلاسل قد تعودنا عليها وعلى نغماتها التي وحدها تحدثنا حين يجتاحنا الحنين.. أما الملك فهو إن لم يعلم بحالي وأنا من الشعب.. فلا حاجة لي لرؤيته.. قال له: ماذا تريد إذن؟ زحف إلى الحائط.. ضربه بكف يده التي أثقلتها السلاسل.. قال: أريد نافذة. قهقه السجّان بصوت عال وقال: من الصعب أن أحقق لك مطلبك الآن.. فجدران السجن كما ترى قوية.. تحتاج إلى جهد كبير منا لصنع نافذة بحجم رأسك.. كما أن النافذة في السجن ليست كبقبة النوافذ.. تحتاج قضبانا حديدية.. وهذا ما لا نملكه.. قال السجين بنبرة كساها الحزن: الأمر أسهل مما تتخيل.. ولا يحتاج أن تبذل فيه الجهد الكبير. قال: وكيف ذلك؟ أجاب: أعد لي خيالي.. به أخْلُق ما أشاء.. أخلق نافذة هنا.. (يشير إلى الجدار أمامه)..هي ستمنع الخوف من أن يتسلق جسدي حين تغلق الباب خلفك.. معها ستأتيني الحرية على هيئة عصفور مغرد أو ربما فراشة.. لماذا تخافون منه!؟ اقترب السجّان منه.. كان عليه أن يهبط بجسده أرضاً ليكون على مقربة من وجه السجين.. وحين تحقق له ذلك.. جذبه من لحيته نحوه وقال: اليوم تتخيل نافذة.. وغداً ستتخيل أمراً آخر نخاف من أن يكبر فيك.. لأنك حين يأتيك المخاض سترفس هذا الجدار بقدميك.. وتقذف زوايا هذا السجن بصرخاتك التي قد تصطدم بجدرانه وتشعله ثورة.. وقف السجان.. واتجه إلى باب السجن.. التفت إليه قائلاً: لقد تحدثت معك رجلاً لرجل.. فابتعد عن الخيال والأحلام كي تسلم بجسدك.. قال السجين: كن صادقاً ولو لمرة واحدة.. لا تقل رجلاً لرجل!؟ أنا دون الخيال لا شيء.


كاتبة من فلسطين مقيمة في الإمارات