تأبين

الجديد  تيسير النجار [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(37)]

تخطيط لـ حسين جمعان
كان صباحا عاديا مثل كل الأيام لا ضباب أو أمطار كما يحدث في السينما عند حدوث شيء فارق لا بد أن تتضامن الطبيعة مع البشر، بينما نحن كانت الطبيعة بمنأى عنا، حين احتفلت الطبيعة بعيد ربيعها كنا نعذب من أجل خطأ اقترفه القدر وهو جمعنا في ذات المنزل ونفس الدم الذي يجري في عروقنا مع ذلك الكائن، لا تجعلوني أبحر في ذكرياتي فلا شيء أهم من ذلك اليوم، استيقظت على أثر كابوس كالعادة، وشعرت بصخرة جاثمة على صدري الذي تشق أنفاسي فيه طريقها ببطء، استعذت بالله طالما أخبرتني أمّي أن الكابوس بسبب نومي دون وضوء فهي تجهل الأمراض النفسية ورغم ذلك صرت أتوضأ وأصلي قبل النوم والكوابيس لم تبارحني، مسحت دموعي وشددت بعض الهواء وملأت رئتي بصعوبة وزرفت على مهل هكذا علمني الطبيب استعدادا ليوم لا يختلف عن الأمس لكن أختلف اختلافا جذريا، بعض التوتر طغى على ملامح أمي، ودموع تدحرجت على وجه شقيقتي، لم يفزعني صوته مثل كل يوم فلا شجار أو صراخ فقط سعال متقطع يضرب أذني من وقت لآخر، لحق به بعض المرض كعادته من حين إلى آخر، أعدت لي أمي “ساندوتش” محشوا بالجبن وطلبت مني تناول خيارة بعد غسلها، كانت تراني طفلا رغم أني اقترب نحو العاشرة، فعلت ما أمرتني به لكني شعرت بالريبة، الأقارب في ازدياد وأعمامي وأخواتي، لم أرهق نفسي بالنظر إليه، سيقوم حتما ويعاود اختلاس فرحتي مني، سألت ابن أخي عما يحدث لأبي؟ فهمس: “أبي قال لأمي ربما يموت اليوم”. يموت !! مازلت أجهل الموت ندعو على أنفسنا به وعلى من نكره أيضا، هل هو خير أم شر؟ لا مجال للبحث والتأكد يكفي أنك لا ترى من تكره سواء مت أنت أو هو، جاء الطبيب وشق طريقه بين التوتر المصطنع من عائلتي بخطى متزنة، كانوا مثيرين للشفقة فعلا، جميعا نكرهه وجميعا نعلم أننا نكرهه، على من التمثيل إذن؟ لا أدري، دخل الطبيب عند أبي، أخي لحق به وأغلق باب الغرفة، بعد دقائق حولتها التنهيدات والزفرات والهمهمات المتصلة بـ”يـــــارب” إلى سنوات، خرج الطبيب وختم المسرحية الهزلية بكلمته الشهيرة “البقاء لله” المفترض أن يسدل الستار، لكن الحماسة أخذت أختي فسقطت فاقدة وعيها في استعراض ميلودرامي حزين، صعد الجمهور لمواساة العائلة المنكوبة التي فقدت عائلها وارتفعت الصيحات كمن يصيبه الإمساك فيصرخ ليخلصه الله من أذى عالق به، كان المنظر يدعو للضحك لكن ذهني كان منصرف بأمر آخر ذهبت لإنهائه متجاهلا دعوة أخي لرؤية الميت للمرة الأخيرة قبل تلحيده، ما عاد يهمني فليذهب إلى الجحيم أو إلى القبر، دخلت غرفته كان كل شيء كما هو أشعر وكأنه خلفي، أو سينادي بسبابه لنفسه يا ابن الكلب، لكن لم يحدث شيء من ذلك، وجدتها كانت مذعورة من الصراخ والزحمة التي لم تعتادهما من قبل، ضحكت لأخبرها بأني سأرحمها من الخوف للأبد، تناولت عصا والدي الغليظة هي أشبه بالنابوت وأخرجت قطعة اللحم ووضعتها بجواري وناديتها بعطف “بوسي، بوسي” اقتربت فهي لا تخشاني كثيرا ما أطعمتها وتحسست شعرها الغزير، انقضت على اللحم وراحت تموء، رفعت ذراعي وهويت على رأسها بالعصا لم تصرخ أو تهجم عليّ فقط سال دمها وارتخى جسدها ولم تنه قطعة اللحم بعد، أمي كانت تبكي هناك ومن خلف دموعها اكتشفت اختفائي، بحثت عني وجدتني بجوار جثة بوسي، ضمتني أمي وولولت ولم تعلق على جريمتي، قد حذرتني كثيرا من إن أمسسها بسوء، لزكتني على ظهري وفهمت مرادها نهنهت بحنجرتي فلا رغبة لي في البكاء، وخرجنا معا للجالسين بالخارج. لكم تمر الأيام سريعا فاليوم هو الذكرى العشرين لوفاته ها أنا أجلس بجوار جثة قطة جلبتها من الشارع بها شعيرات صفراء تشوب صفاء بياضها، كثيرة الشبه ببوسي التي تجرعت الكثير من اللبن تحت سرير أبي، ولم تصنع أمي الكيك الذي طلبته لأن اللبن خلص، وقاسمتنا قطع اللحم، أبي كان يستند على عكازه ويعرج لحمايتها من القطط المتشردة والكلاب الضآلة، بوسي كانت أهم مني لديه لم يجهد نفسه لردع الخطر عني، وطالما نعمت بالدفء في حضنه، لكم كان حنونا يستحق حفل تأبين يليق به أهديه كل عام بوسي جديدة لتؤنس وحدته في القبر عساها تصير بديلا عن ابن صالح يدعو له .

كاتب من مصر