الرأس المقطوع

قصص قصيرة جداً

الجديد  ثائر الزعزوع [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(38)]

تخطيط لـ أنس سلامة
الرأس المقطوع

بعد أن قطعوا رأسه، قدموه له على طبق من الذهب، وقالوا له: خذ، لم تعد الأفكار الموجودة في هذا الرأس تفيدك.

سار يحمل رأسه وكانت الدماء تقطر على الأرض حيثما سار، كانت زهور حمراء تنبت ما إن تخترق قطرة الدم صدر الأرض، حملوا سيوفهم وركضوا في كل الاتجاهات، بدأوا يقطعون الزهور الحمراء، كانت تنبت وتنبت، وتنتشر في كل مكان، لم يعودوا قادرين على اقتلاعها، لم يعودوا قادرين على فعل شيء، ركضوا خلفه، أعادوا رأسه إلى مكانه، وقالوا له: قل لنا كيف نقضي على هذه الزهور البغيضة؟ لكنه لم يتكلم. كان يضحك، وكانوا يرتجفون، وكانت الزهور قد ملأت العالم.

مرآة

لم أكن قد تبادلت السلام مع وجهي منذ زمن طويل، كنت أراه بشكل عابر وأنا أغادر المنزل أو حين أعود مساء، أكون منهكاً ولا أستطيع تبادل الحديث معه، أتركه هناك ينظر إليّ على المرآة المعلقة على الباب، البارحة قررت أن ألقي عليه السلام، وقفت للحظات تأملته طويلاً، لكني لم أنبس ببنت شفة، كان يبدو مختلفاً تماماً، حتى أني لم أعرفه.

عينا جمجمة

قالت لزوجها وهي تحضر له طعام الغداء: لا تمت قبل أن تودعني.

قالت لأمها: لا تموتي قبل أن تودعيني.

كان وجهها شاحباً، وعيناها غائرتان، كان صوتها خافتاً، ويداها صفراوان، ارتمى ولدها الصغير في حضنها فأبعدته، زفرت فتطاير رماد من فمها، كان لعابها جافاً، وهي تنظر عبر النافذة إلى البعيد، سمعت صوتاً يناديها، حملت جسدها النحيل وطارت، لم تكن يمامة ولا فراشة، لم تجد من يودّعها على رصيف المحطة، كان الجميع مسافرين، وهناك في العربة كان زوجها وأمها جالسين بانتظارها، وكانت صورة الصاروخ ما زالت منطبعة في مخيلتهم جميعاً.

المرأة تقف أيضا على النافذة

لم يكن الشاب ذو القميص الكحلي قد قدم وردة لامرأة من قبل، تعثرت خطواته وهو يتقدم باتجاه باب بيتها، ظل يخطط لما سيقوله أياماً، كان يحصي الحجارة طيلة الطريق وهو يردد الكلمات في سره مثل نص مقدس لا يريد أن ينساه، خاف أن يتلعثم، خاف أن يفسد المفاجأة، كان يخطط أن يخفي الوردة وراء ظهره، ثم يقدمها لها ما إن تفتح الباب، لكنه ما إن وقف أمام الباب حتى سمع صوتها، كانت فرحة وهي تقول: لقد أحضرت لي وردة، كم أنت لطيف.

الصامت

قال الأول للآخرين: أنا أستطيع تحطيم تلك الحجارة بضربة واحدة من يدي.

قال الثاني: وأما أنا فأستطيع تحطيم ذلك الجدار بيدي.

كان الثالث يستمع إليهما، ويبتسم، نهض من على كرسيه وحطم الحجارة بضربة واحدة، ثم هز الجدار بيديه فانهار وأصبح ركاماً، ثم عاد ليجلس على كرسيه دون أن ينبس ببنت شفة.

اكتب لها رسالة

كلما أردت أن أقول لها إني أحبها، تنهي الحديث وتنصرف، ماذا أفعل؟

اكتب لها رسالة.

هكذا نصحت الأم ابنها، فجلس طيلة المساء يحاول أن يكتب رسالة وكان يمزق الأوراق، ويعيد الكتابة مرات ومرات، وكان يفشل، في الصباح دخلت أمه فوجدته على حاله، وهو يلعن ويتأفف، دخلت غرفتها وأخرجت صندوقاً صغيراً، فتحته وأخرجت منه ورقة مطوية، وقالت وهي تعطيه الورقة:

اكتب لها هذه الرسالة، فلولاها لما ولدت أنت.


كاتب من سوريا مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • قصـــتان