دوزنة فى شقوق الطين

الجديد  عبدالقادر حكيم [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(5)]

لوحة: راشد دياب

البنت التي هطلت بغتة على مفازة وجوده/ العدم، كانت قادمة لتوّها من كسلا*، وكانت لا تزال تحمل من قيظ تلك المدينة الجميلة حرارة الإنتماء‪.‬

البنت الحلوة إذ تتماهى على شوارع قريته، اليباب كانت تربك تفاصيله الواهنة، وتشتّت تماسكه الخلّبى، المخاتل، فيزدرد صمته في غباء، ويجثو على فوح طيفها في الظل يبكى‪.‬

بدت له دافئة، وناعمة. الدفء يحتاجه كمضاد للرطوبة والبلل، يتصاعدان إليه في صباحات قريته الباردة. النعومة يحتاجها كي تمحو عنه الصدأ يهاجم شبكية عينيه منطلقاً من سقوف المنازل، وأبواب الحوانيت المكدّسة بالكساد، وسيارات النقل التي يستوي على متنها الإنسان، وقمح الإغاثة، والماعز، والدجاج الأسود، وحاويات الكيروسين.

البنت الحلوة عرفته دونما عناء، إذ كانت طريقته في المشي تشبه طريقتها في ارتداء ثوبها‪!‬.

- "فاطمة"

- "عمّار"

لطّخت قامته المديدة بنظرة عتاب، إذ بدا لها متعجّلاً‪.‬

"الشقوق التي في طين ذاكرته هي التي تدعوكِ، كي تلتئم بروحكِ الحلوة، وتصدح بالياسمين، والأطفال، والخضرة المطلقة".

- "شاعر؟"

- "كنتُ‪..‬"

- "الشاعر لا يموت فيه الإحساس"

الشخص الذي ككيس سماد في حديقة مهملة، صار الآن- بُعيد انبثاقها فيه، فاطمة- يؤول إلى شيء باهت. يتقاطع دبيب تيهه الغامق مع مسارب الفرح في حضورها المزركش بالصفاء.. يهجر الظل، ولا يدخّن بشراهة. يحلق ذقنه الكثّة. يشذّب شاربه. يتأنّق ويكتب شعراً‪.‬

فاطمة

يا أنتِ،

يا صنوبرة من نورْ

تبسمينْ‪..‬

يخبو وميضُ الهلامِ

ينفضُّ عنِّي الشتاءُ

يخرج للعالم / لها.. مزهوّاً كطفل يلهو بلعبة من صنعه. يتحاشى المرور في الشوارع المضاءة بالنيون كي لا تصيب دهشة الناس إيقاع خطواته الراقصة بالنشاز. يصفّر. يرتّل لحناً حميماً‪:‬

أنا وإنتِ

يوولاليي

سالِس ربّي

يوولالينا*

جاءه أوّلاً عطرها. فاح فيه. ثم كأنّما خرجتْ من الهواء، أو انقشعت عنها سحابة، رآها على شفا خطوته، التي زادها الفوح اتساقاً‪.‬

- "خشيتُ أن تملّ انتظاري"

- "ما أحلى انتظارك‪!‬"

عبرا دائرة الضوء التي كانت تتحاف في حميمية مع الظلام الخفيف خارج القرية. كان هو يعبث بمفاتيح غرفته، وهي تطقطق أصابعها. وعلى دفء صخرة مستوية كسرير جلسا، واتحدت عناصرهما، تماماً‪.‬

لمّا رأته ذات طنين في سوق القرية حاملاً على ظهره حقيبة كبيرة، إندلق توجّسها فاقعاً‪:‬

- "هل تنوي سفراً بعيداً؟"

- "بعيداً.. بعيداً" قال‪.‬

قفز على وجهها إمتعاض كثيف، ولوّنه بلوعة داكنة. قال ولم تترنّح كلماته تلقاء عينيها إذ رأى فيهما يقيناً راسخاً‪:‬

- "إنّما.. مطيتي عيناكِ، وصوتك الفيروزِي زادي، وغايتي دواخلكِ، ألجها، فتمدّني بالأماني الحاشدة.. وفضائي الأماكن كلها، حتى تلك التي تشتكي زنابيرها قلة الطين".

ابتسمتْ، وعاد يقينها أكثر رسوخاً. برشاقة أنكرها الشخص السمادي تناول حقيبته من على ظهره، واخرج دفتراً. احتضنت شعره. مضتْ، ولم تقل وداعاً‪.‬

حلحل / إنجونا

* مدينة سودانية

* أغنية شعبية بلغة التجري لإدريس ود أمير


كاتب من السودان