الأثر

الجديد  علي المجنوني [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(130)]

لوحة: إسماعيل فتاح الترك
لم تقع أحداث القصة التي أزمع سردها فيما يلي من السطور بعد، لكنها ستقع في بضع السنوات القادمة، وسأكون كاذبا لو زعمت أني أعرف في أيّ سنة بالتحديد.
ولعل القارئ يلاحظ أني عمدت إلى استخدام صيغة الفعل الماضي، لما تمنحه هذه الصيغة من إيهام، وإن مكشوفا، بأن أحداث القصة قد وقعت بالفعل. في ظهيرة يوم قائظ، من الأيام المبشرة بالصيف، الأشد حرارة من الصيف نفسه، كنت أقود سيارتي على الطريق الطويل الذي أسلكه يوميا إلى العمل. تقديرا لظروفي كان رئيسي الطيب قد اختار لي جدولا مسائيا.

كنت أتلو أبيات قصيدة أؤلفها في الحال، إذ أن خوفي من الطريق المليء بالشاحنات دفعني إلى ترديد الأبيات لحفظها بدلا عن تدوينها، مستخدما طريقة تعلمتها من مدرس القرآن في المدرسة: بيتا أول، ثم بيتا يليه، ثم البيتين معا، ثم بيتا ثالثا، ثم ثلاثة أبيات، وهكذا. لدى أحد منعطفات الطريق كان ثمة رجل عجوز واقف يومئ.

أوقفت السيارة مبتعدا عن الطريق، وكنت قد تجاوزت الرجل. لما وصل، ولم يكن يلهث، قال لي إنه يريد مَن يقلّه إلى وجهته، وسمّى قرية لم أكن أعرفها على رغم درايتي بالطريق. أخذته، وفي السيارة سألني مرارا إن كنت حقا أعرفه، فأجبت في كل مرة بالنفي، إلا أنه بدا غير مصدّقي. قدرت أنه في الستينات من عمره، وحدست بأن الموت لو أمهله قليلا سيتحول إلى شجرة أكاسيا متغضنة، إلا أن عروقها تضج حياة. بدأنا حديثا عن الشيب والشباب ودورة الزمان عندما اقترح أن يريني شيئا. وافقت فنزلنا عن الطريق إلى منطقة يضيق فيها الوادي كثيرا، وبالانعطاف يسارا عبرنا الوادي ثم اخترقنا شِعبا وعرا قلقل سيارتنا حيث كنا نكاد نسقط من النوافذ.

خارج السيارة كان الكون متوقفا في الظهيرة، وكان يصدر من حجارة الجبال أزيز ساكن لا يشبهه شيء. سرنا ما ينيف على ساعتين حتى تركنا الجبال وراءنا وانبسطت أمامنا صحراء بلا نهاية، ولربما أوشكنا على بلوغ نجد. أطفأت المحرك، واستجابة لأمر الرجل ترجلت وخلعت نعليّ كما فعل.

مشينا طويلا وكان مطرقا لا يتكلم في شيء. وفي اللحظة التي حدثتني نفسي بسؤاله عن الشيء الذي أراد أن يرينيه، توقف مقابلا إيايّ، وقال: أتظن أنك تعرف طريق العودة؟ قلت مسفها سؤاله: بالطبع، أعرف. وهنا اقترب مني وغطى بيديه عيني ودفع جذعي للاستدارة. دار بي أربع دورات أو خمس (وكيف لي أن أعرف كم؟) ثم لما فك يديه عن عيني، قال: اعرف طريقك الآن. ثم ما لبث أن قاد نظري بإشارة من يده إلى الأرض، ورأيت أن قدميّ لا تتركان أثرا على التراب.

لم يكن هناك ما يذرو أثرنا ويمحوه من عاصف ونحوه، وعلى رغم أن الشمس قد مالت قليلا نحو جهة ما عندما ترجلنا من السيارة، إلا أني عندما رفعت رأسي رأيتها وقد حجبها قَتام كثيف شتت ضوءها حتى لم أعد أرى لأينا ظلا. حارت أقدامنا ولم نعد في أي اتجاه نمشي، فالأرض مهمهٌ ليس إلى معرفة جهاتها من سبيل، حتى رأينا على البعد أخيلة ثلاثة رجال. قصدناهم راكضين وإذا هم رجل ومن قدرنا أنهما ابناه.

كانوا يجرّون عَصَوين: واحدة مع الرجل، والثانية مع أحد ابنيه. شبحت إلى الجهة التي توقعت أنهم جاؤوا منها، وأخذت، بطبع الحائر، أفتش في الأرض من تحتهم عن آثار أقدامهم، وأصابني ذهول إذ لم أر شيئا. ما زاد حيرتي أن العصوين لهما أثر الجرّ على الأرض، وأدركت أنما يجران عصوين لا عصا واحدة خشية أن يطرح أحدهم عصاه أو ينساها في مكان فيكون التيه مصيرهم. سألناهم عن السيارة فأخبر الأب أنه رآها قبل حين، ثم وصف لنا الجهة التي هي فيها مشيرا بعصاه إلى صفاة ناتئة في جبل. ثم حاول شقر عصاه، لكنه عندما لم يفلح ثناها ضد ركبته فانكسرت نصفين ومد بنصف إلينا، ومضى هو وابناه. يممنا شطر الصخرة الناتئة، وحذرت الرجل من أن تغيب الصفاة عن نظره، بينما كنت أمشي منحينا لكي تلامس العصا القصيرة الأرض. في قربي من الأرض رأيت أشياء كثيرة انقطع عهدي بها.

رأيت دويّبات تتزاوج وشجيرات تنوِّر. وكنت أرى على الرمل النمنمات التي تخطها الخنافس بأرجلها والأقواس التي ترسمها جُنوب الحيّات، وبدت لي الأرض لوحة بديعة تتشارك سائر الموجودات –ما عداي- في تنفيذها، ما أحزنني غاية الحزن. الآن، بزمن أحداث القصة لا بزمن الفعل، أخال أن ظهري سيتصلب منحينا قبل أن أصل إلى السيارة وأنه سيكون عليّ أن أمشي بقية العمر كما مشى الإنسان الأول.

كاتب من السعودية

مقالات أخرى للكاتب:

  • الشعر‭ ‬والسرد‭ ‬صنوان