قصتان

الجديد  حسن أبو دية [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(46)]

تخطيط: ساي سرحان
الغناء المر

لا يزالُ البحرُ مخيفاً حدَّ الجنونِ، ولمْ تزلْ أجسادُ أجدادنِا تُعْلنُ وجودَها فيهِ عَبْرَ أمْلاحِهِ، قالتِ الجدةُ، وأردفَتْ: أمّا أنا، فأنا مَنْ علّمَهُ النسيانَ، وعلّمْتُ رمْلَهُ كيفَ يمسحُ عن وجهِهِ غبارَ خطواتِ العابثينَ، كنتُ كلَّ ليلةٍ أرقصُ على الرملِ، أرقصُ وأرقصُ، أطوّحُ جسدي كالموجِ، ثم أخرُّ ساجدةً، أتطهّرُ بماءِ البحرِ وأصلي. وأقفلُ عائدة.. فيما تبدأُ الشمسُ ترسلُ خطواتِها إلى الشاطئِ ثانيةً..

المدُّ هو محاولةُ البحرِ لضمّ الشاطئِ إلى صدرِهِ مُطَمْئِنَاً، هو رقصٌ يشابه رقصي الليليّ.

تهامسَ الأحفادُ: خَرُفت الجدةُ..

أنا وجنيةُ البحرِ لطالما كنّا صديقتين، تابعَتْ حديثَها كأنَّها لمْ تسمعْ شيئاً، وكنا نَعُدُّ مواكبَ الذاهبينَ إلى السرابِ المتناثرِ فوقَ صفحةِ الماءِ، كان كثيرٌ منهم يزعمُ أنّه وصله، لكنَّ حَلْقَهُ الجافَ يُفشي سرَّ كذبِهِ، ويُنبِئُ عنْ زمنٍ لا يَرْجِعُ فيه الرجالُ.

ووصلَتْ إلينا أخشابُ قاربٍ مطليةٌ بالقارِ، تحملُ آثارَ أحبتِها، فضممْنا الأخشابَ نُواسيها ونمسحُ دمعَها، ونشعلُ ناراً هائلةً، نرقصُ حولَها ونرفعُ أصواتَنا بالغناءِ المرِّ لتهديَ أرواحَ التائهينَ ليابسةٍ ما، فترقدَ فيها بسلام، كانتْ صورتُها هائمةٌ فوقَ الموجِ يُخيفُنا، ولهذا تكثرُ الجزرُ أمامَ بيوتِنا، هي بيوتٌ تنازلَتْ عنها أرضنُا لتلك الأرواح..

ـ والجنيةُ؟

الجنيةُ كانَتْ تنوحُ كلّما وصلَتْ خشبةٌ مِنْ أخشابِ المَحْمَلِ؛ إذ ستزاحمُ أهلهَا الأرواحُ. كان عويلُها يعلو على أصواتِنا.. ورقصُها يثيرُ زوبعةً حولَنا تزيدُ ألقَ الجمراتِ، وتنزعُ غِطاءَ رؤوسنِا، لتتناثرَ شعورُنا كأنّها أفاعٍ تتلوى في فضاءاتِ اللّيلِ تسعى للذعِ النجومِ.

ـ أما كان يصل شيءٌ غير الأخشابِ؟!

ـ كان صدى صوتِ النّهامِ يقرعُ الأبوابَ الخشبيةَ.. يطوفُ علينا معلناً لعنةً على مَنْ يأكل الأسماكَ لشهرٍ أو اثنين؛ حتى تخلوَ أمعاؤها مما انتزعته من الأجسادِ الراحلةِ نحوَ ظلماتِ الأعماقِ. ونبدأُ بصوته نلعنُ البحرَ.. ونمتنعُ عن مضاجعتِه حداداً…

ـ مضاجعتَه!

ـ أسموها ما تشاؤون، أنْ يلقيَ المرءُ بجسده في أحضانِ جسدٍ آخر، فتتلامسُ كلُّ ذراتِ الجسدينِ وتتوحّدُ، لا أراه إلّا ما أسميتُه؛ هناك، لا نفكر في شيء.. هناك ننسى أن هناكَ عوالمَ أخرى.. هناك تنمو أمنياتٌ حقيقيةٌ في أعماقِك للذهابِ في رحلةٍ إلى الأعماق، ربما دونَ وعيٍ منّا لملاقاةِ ما تبقى مِمّن رحلوا..

أو لمعرفةِ ما كانت تغارُ منه النساءُ، ويحلمُ به الرجالُ، وأعني حوريةُ البحرِ. أتتخيلونَ الغَيْرَةَ مِنْ خيالٍ لم ترَه عينٌ، ربما هو غيرةٌ من ذاك الشبقِ الذي يتفجّرُ في عيونِ الرجالِ فجأةً إذ تأتي حكاياها..

ـ وبعد؟

ـ كنا نعودُ عن تمنُّعِنا، بعد أن يسافرَ الجرحُ إلى الأعماقِ، ويرقدَ مطمئناً قربَ من سبَقَهُ.. فنلقي بأجساد مرّغها الحزن والرمل إلى حضنه، كنّا نشعرُ بقبلاتِه تعمُّ الجسدَ وتملؤه نشوةً، وفي المساءِ نشعلُ ناراً ونرقصُ حولَها رقصةَ الحزنِ الأخيرِ.. لكنّ الأخيرَ لم يكنْ في يوم أخيراً..

صمتٌ مطبقٌ ينشقُ عن تمتمةٍ.. منذُ متى كانَ ذاك؟..

الزمنُ غريبٌ.. لا نعرفُه إلّا كما نعرفُ الغرباءَ الذين يمرّونَ أحياناً؛ لا نتذّكر منه ومنهم إلّا لحظاتٍ تنقُشُها الغرابةُ في الذاكرةِ لتُصبحَ جزءاً من تجاعيدِ وجوهِنا.. فنقرأُ النقوشَ مرةً بعدَ مرةٍ في ليالي الانتظار، لكنّها تَبْهَتُ لكثرةِ ما تمرّ على الألسنةِ فتضيعُ ملامحُها تاركة ً مساحاتٍ لنقوشٍ جديدةٍ.. فهاهنا نذكرُ يومَ أعادَ البحرُ إلينا بحّاراً بعد أسبوعٍ من رقصِنا المأتميّ عليه.. وهناكَ يومٌ ألقى البحرُ إلينا خِرافاً ذبيحة.. وثالثٌ عندما أشعلَ الجنُّ ناراً عظيمةً وسطَ البحرِ فأضاءت بيوتنا.. ورابعٌ عندما وصلَ مجنونٌ جادتْ بسفينتِهِ الأمواجُ يحاولُ إقناعَنا أنَّ للبحرِ نهاية……… و….. و…….

ـ إذن تكرهين البحرَ..

ـ يبدو أنّني كنتُ أحدِّث نفسي؛ البحرُ ـ وتنظر للبعيد ـ.. هو نارنُا التي نهرعُ إليها كالفراشِ.. حتى إذا ما تعانقنا العناقَ الأخيرَ علتْ على الشاطئ ألسنةُ لهبٍ.. وأصواتٌ بغناء مرّ.

لم أكن هناك..

في البدءِ.. وفي النهايةِ.. رأيتُ نفسي مكوّماً كحزمة حطبٍ يابسة، وبينهما لم أكن هناك، ربما كنت بانتظار امرأة تأتي قبيل الفجر تلقي بي في الطابون، ثم تشهق، إذ ترى ألسنة النار تتراقصُ مُشكّلةً جسداً بشرياً يرقدُ بين الجمر، فتخرج فَزِعةً، وتقسم في الصباحات أنّ جنيّاً ذاب في هواها ثم انتحر..

لم أكن هناك..

وكان سريرٌ وملائكة وشياطين، وامرأة تتأجج فيها الشهوة فتتلوى كأفعى. ترى لِمَ نُشبّه المرأة الشَّبِقة بالأفعى، أهي رمزٌ مقدّسٌ قابعٌ في أعماقنا للأنوثة ربما عبدناها في عمرٍ ما، ثم توارت القداسة وبقيت الرهبة والخوف؟ أم هي رمز لجمال خارق يحمل في أعماقه موتاً ابتدعته النسوة خوفاً على ذكورهن من سطوة الفتنة؟

كانت تتلوى، فتحرّك شهوةَ السريرِ لملامسةِ ذراتِ جسدها. وفي اللامرئي كانت الملائكة والشياطين تتدافع، وتدفع بها كلٌّ إلى سبيل..

ولم أكن هناك، كنتُ كحزمة حطبٍ أنتظر في الفجر ريفيّةً تُخْطِئُ فتلقي بي بين جمرات الطابون..

لم أكن هناك..

وكان الدرج المؤدي إلى غرفتها معتماً، وكان طويلاً، مزدحماً بذرات سوادٍ تصدني قائلة: لا تخرج من قبرك للحياة، ربما الكفن أكثر دفئاً من حضن غانيةٍ اعتادت التعري أمام عيون الزناة، فأفقدها الاعتياد دفء الجسد ورونَقَه.

لكنّ قدميَّ كانتا تتواليان على الدرجات الصاعدات نحو القاع، لست أدري إن كانت قد وصلَتْ، أم لم تصل؛ كانت الظلمة حالكة، ولم أستطع رؤية السرير لأعرف إن كنتُ هناك أو لم أكن.

لكني أجزم أني لم أكن، إذن لصرختُ دهشةً عندما رأيتُني، وتكوّمتُ على ذاتي كحزمة من حطب.

والريح لم تكن موجودة، كانت في مكان ما تمرّ في جسدِ قصبةٍ لتبثّ فيه الروحَ، وكان القصب يتمايل في رقصة حزنٍ ندبيّة تثير في الريح الجنونَ أكثر.. والشهوة إلى إبداع الخلق أكثر، حتى أنستها شهوتُها أنّ عليها أنْ تمرّ عليَّ ذات وقت؛ لأقول لها ما أسرّ لي به الجنيّ القابع في طابون الريفية وهو يقبّلُ مع كل حطبةٍ تُلْقى أرغفةَ الخبزِ لأن يد المحبوبة ستلمسها، وكانت الريفيّة قد نسيتْ مسح الكحل من عينيها، فيتسلق الدخان أهدابها ليكتب على صفحة الخدّ حكاية ليلٍ مرَّ بطيئاً.. مرّ على المكان وأهله، ولم أكن هناك..

ربما لم أكن هناك..

لكنَّ امرأة أقسمت أنها رأتني أنثر قبلاتي على سياج البيت المقابل لنافذتها، وأنها شعرت بالغيرة، وتساءلت كيف لعشقٍ أن يصل حدّ الجنون؟ وأردفت.. أني ظللتُ أطوف بالبيت كأني أحرس الأحلامَ حتى بزغ الفجر، واستفاقت الأزقة فاختبأتُ في الطابون، وأن سِنَةً أغشتْ عينيها فلم تدرِ ما حدث بعد ذلك.. لكنها في سِنَتِها حَلُمَتْ بطابون أكثر توهجاً، خرجت منه صبية مرتبكة الخطوات تنظر مراراً خلفها، وأنها أوقفتها سائلةً إياها عن كل ما رأتْ، فعلا زهرُ الرمان خديها، وضاعت الكلمات، فقط التقطت منها.. حزمة حطب.. جني.. طابون.. وعلى الخد كانت آثار كحلٍ خطّ شيئاً ما..

لم أكن هناك..

لكنَّ أصوات أجراس قطيع الشياه أيقظ في العشب شهوة الاغتسال بقطرات الندى، وأيقظني من صحوتي.

على الأكفّ آثارُ حروق، وفي الحلق كلماتٌ يابسةٌ اعتدّتُ غناءها..

لم يكن الجسد جسدي، ولا الصوت صوتي، لكنّي – رغم أنّي لم أكن أنا – أعترف.. أني اقترفت كل ما حدث.

حارسة النعناع

أم العبد، امرأة ضئيلة الحجم، صلبة البنية، تلوح على ثوبها الأسود بقايا تطريز الحرير، لطالما شوهدت تجلس على حجر أمام بيتها في المخيم ساهمة، تطلق نظراتها في الأفق كأنها تستمطر ما وراء الرؤيا، أو لعلها كانت تقرأ أوراق الأيام القادمة، وكلمّا مرّ بها أحدهم سارع بالسلام عليها وتقبيل يديها، كيف لا؟ والجميع يعرف أنها تسكن وحيدةً بعد أن التحق أبناؤها بالعمل الفدائي، وعندما كانت إحدى الجارات تهمس بكلمات شفقة على وحدتها كانت تردّ بعزم لا يقبل التردد: لمَ أنجبناهم إن كنّا نريدهم أن يختبئوا كالنساء في أيام الشدة.. وشباب المخيم كلّهم أولادي، وتشير بكفها المليئة بالتجاعيد إلى حيث لا يدرك محدثوها،هناك الأمهات أيضاً كلٌ منهن أمّ لأولادي، بعد أن أُخْرِجْنا من البلاد “صرنا عيلة واحدة”.. افهموا يا ناس.. “البلاد ما بترجع بالساهل”، “أنا ولادي فدائية بتعرفوا شو يعني الفدائي” تتنهد.. وتخفي قطرات القلق في عينين أضحت عصيتين على الدمع.

كلَّ فجرٍ توقظ الشمس من نومها بحركتها الصباحية وبابتهالاتها وأدعيتها، وإذ تتم صلواتها تبدأ برش الماء على أحواض النعناع، وتروح تمسد بيدها الأوراق كأنها تغسل في الفجر وجوه أحبتها، يتحلّق حولها بعض الفتية فتبدأ تحدثهم عن الوطن وعن الأتراك والإنجليز والثوار عبدالقادر الحسيني والمجاهدين وتحكي بفخر أنها أسمت أحد أبنائها باسمه لكن لم تُكتب له الحياة، وتحكي عن الذين قتلهم الثوار لأنهم كانوا خونة “أذناباً للإنجليز″ وتتابع “بيستاهلوا.. هو في حدا بيبيع أهله” ويسافر حديثها في كل اتجاه.. إلى أيام زمان: الزرع والحصاد وتروي كيف ولدتْ إحدى بناتها في موسم الحصاد تحت زيتونة، ونهضت لتكمل عملها لئلا يسبقها الآخرون، وتتنهد “مات بدري، الله يرحمه، ترك كوم لحم برقبتي” تتلاقى أعين الفتية عند يدها وهي تمتد لتلتقط المسبحة وتبدأ حباتها الواحدة تتبع الأخرى وكأنها تقلّب صفحات ذكريات تأبى أن تذوي، تغيب نظراتها في اللامكان، وصوتها يخفت شيئاً فشيئاً، يروي قصص البلاد بأدقّ تفاصيلها، وكانت تردد باستمرار”الأولاد لازم يعرفوا كل إشي، مش لازم ينسوا، بكره بيرجعوا..”

لكن الغدَ لم يأتِ، وغابت أم العبد، كانت جنازتها مهيبة، رفعها الأحفاد على الأكتاف، فيما كانت الزغاريد تدوي في المكان بدل الدمع.

عندما عاد الجميع من المقبرة المجاورة، كانت أيديهم معطّرة برائحة النعناع، واكتشفوا فجأة أنها لم ترحل ففي ذاكراتهم تفاصيل دقيقة عن حياة لم يعيشوها.. وفي كل جزء منها كان وجه أم العبد يطل باسماً.. وشفتاها ترددان: “مش لازم تنسوا” فالنسيان هو الموت الحقيقي.

تنويهات هامة

تنويه أول:

نسيت أن أخبركم أن نسوة الحارة لا يزلن يسقين أحواض النعناع، ولا يزلن يتهامسن سراً أن أم العبد عندما غادر آخر أبنائها المخيم ملتحقاً بقوات الثورة، كان قد ترك عندها بندقية، وأنها قامت بدفنها تحت حوض النعناع لئلا يجدها الجيش ويصادرها.

تنويه ثانٍ:

عندما سمع أحفادها بالهمس، عرفوا سرّ رائحة النعناع التي وجدوها على أيديهم عندما عادوا من المقبرة..

تنويه ثالث:

لو بحث كلٌّ منكم في أعماقه فسيجد حارسة نعناع تخصّه.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات