العجز

الجديد  راجي‭ ‬بطحيش [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(54)]

لوحة: ياسر صافي
العجز الذي يقهقه بالزاوية ثم يتمرّغ بأغبرة الأرضية التي يفترض أن تكون معقمة.. تلك افتتاحية الموسم الجديد فيه تمد الحياة أصبعها الأوسط بعنفوان لافت.. حرية متخيلة تنتزع حتى إشعار آخر.. إبرة تنزع عنها الممرضة ما استتر.. تقترب الإبرة الحادة من سقف الوريد.. بعض شظايا ثانية يتلامس الشيئان.. يلتقي العالمان لتنفق في أثنائها ملايين الأرواح من الحسرة.. رائحة كحول الإيثانول تملأ هذا الحلم.. وهل للمنامات روائح؟ بقع الدم تستتر تحت هذا البياض وهذا الأخضر الفاتح في أطراف لا تنتهي.. إبرة تبحث عن وريد ملائم تمتص سائله الأحمر.. الحرية المتخيلة مسلوبة.. ويسلبها ذاك المنظر الطبيعي الذي يلخص بين ثناياه كل شيء في اليوم واليوم الذي يأتي بعده وقبله ثم بعده..

الممرضة تعلن سيادتها على الحيّز وتوزع عينة الدم بين القارورات الصغيرة.. ها قد ابتدأ عهد يتلذذ بالغياب..

-2-

43 عمر مثالي كي يبدأ الرجل عهدا جديداً من.. من.. من ماذا؟ الحب.. الأناقة.. الانطلاق الدلال.. الفحولة.. من ماذا “الحرية مسؤولية وبتلبّك” كما تقول فيروز في “لولو”..

الحرية أو باب موصود بين غرفة وأخرى بالأحرى رعب متشرش وموروث ممّن يجلس عبر الباب.. كل تفاعل مع ما يقبع وراء الخشب يعني التسليم بما يجري الآن..

باب موصد بين الرجل وابنه.. كي لا يطرح الولد أسئلة ليس وقتها الآن..

باب يفصل بين الرجل وأخته العانس.. لا يستطيع النظر في عينها فالشعور المفرط بالذنب يتوارث أيضا..

باب خشبي سميك بينه وبين والدته.. أمي لا تعاتبينني اليوم أيضا.. على أنني تجرأت وفرحت قليلاً قبل خمسة وعشرين عاماً..

باب موصد لا أريد أن يناديني أحد ولا تلك السمكة الذهبية التي تتغذى على آهات من ماتوا..

باب من أحرف مبتورة بين من هو هنا ومن هو ليس هناك..

تلك المخلوقة التي لم أعد أعرف حتى كيف يلفظ اسمها.. كيف هو ملمس يدها.. هل لديها جلد مثلا.. وهل تعرف كم يبلغ عمري.. تلك المخلوقة أو شريكتي في مسبح العجز.. أوصد الباب بيننا وأصمت حتى الفناء.. حتى يصبح للموت معنى..

طفلي الذي يبكي داخل ما يشبه المذود.. تفصلني عنه غبائر الخسارة..

-3-

المستشفى.. أشخاص يمرّون سريعا بالأبيض والأخضر.. يتمتمون مصائر أو مجرد نكات.. يتمتمون وينظرون حولهم بشفافية متجاهلين العذابات الملقاة على الأسرّة.. يوم عادي ينتهي بفنجان من الشاي مع الزوج أو الزوجة أو شجار عائلي رتيب أو جنس غرائبي في مكان عام.. أو صفعة جديدة ضمرتها الأيام.. أو مجرد فيلم وتلفاز وطبق مكسرات بائت.. كل هؤلاء يغادرون في لحظة ما إلى شيء.. وفي السرائر المتناثرة بين الطرقات والغرف العنكبوتية تستلقي عيون جاحظة كما لم تكن من قبل.. يمثل أصحابها دور من استلبت حريتهم منهم للحظة.. أو للأبد..

تقترب الإبرة الحادة مرة أخرى لتثقب البدن في هذا اليوم الخريفي البديع الضائع..

- مرةً أخرى؟

- لا هذه حقنة لكي تنام

حفل للجنس الجماعي المتكلف في وسط برلين..

أيادي لا أعرفها تمتد وتخترق حدود حكايتي من دون إذن تتمازج السوائل عند أطراف قناعي..

-4-

كان كامل قد بلغ قبلها بأسبوعين سن الثالثة والأربعين دون أن ينام.. بمعنى أنه كان مصابا بأرق وحشي لا يرحم.. أرق حتى لو قرر المرء تجاهله فإنه يحتل كل مسامات البدن ويجعل الأطراف تنتفض في كل لحظة معطاة ويزرع الحمى أو ما يشبه الحرارة الساكنة في محيط الوجه والوجنتين والصباح.. أرق يزرع البلادة السمجة في الأعين.. أرق لا نهائي.. أبدي لا تجدي معه كل توسلات الفجر وحبوب الخدر على أنواعها.. وأصنافها..

نهض كامل من اللانوم وتأمّل وجهه الأبيض في المرآة.. كان طفلاه قد غادرا برفقة والدتهما إلى الحضانة والمدرسة الإعدادية على التوالي.. مما منحه أو كان يمنحه فرصة ليتأمل وجهه الرمادي أكثر وأكثر فربما قد يجد ذاك الجنّ الذي سكنه ويختبئ في مكان ما.. في المرآة.. أما لماذا الآن؟

“لماذا يلتهم الأرق كل ما تبقى من جفوني.. الآن”.

توجه كامل إلى مكان عمله في وزارة البيئة التي كان يكرهها -أي الوزارة وليس البيئة– كما كان غائبا تماما عن حياته.. زوجته.. أولاده.. تلك الحياة اليومية الدقيقة التي تشكل الأمور كانت وكأنها تمر من أمامه أو يمر من أمامها وكأنه يؤدي دورا في وظيفة أو مسلسل تلفزيوني بحلقات ممطوطة لا تنتهي.. ولا يحدث فيها الكثير سوى المآسي التي تستجلبها دواعي تبديل الممثلين.. أو إلغائهم تماما.. حتى دوره.. لم يكن أحد ليلغيه.

تأمل به الحارس بتوجس..

لن تستطيع الدخول، اليوم عطلة.. عيد إخواننا اليهود..

استدار كامل وتثاقل في الباحة نحو البوابة الرئيسية للوزارة.. ثم نظر إلى الحارس البعيد وتساقط أرضا بعذوبة متناهية قطعة تلو الأخرى..

-5-

الساعة الثامنة إلا ربع صباحا.. لا يوجد عمل اليوم ولكنني لم أكن أعرف.. لقد قضم الأرق ما تبقّى من خلايا معدّة لذاكرتي.. أو لمواعيدي..

الثامنة إلا ربع صباحا.. وما أنا بفاعل هل أعود إلى البيت أو إلى مقهى.. منذ دهور لم أكن في مقهى.. هل أذهب إلى فيلم إباحي؟

قد تكون هذه علامة؟

أن يأتي المرء في الصباح إلى العمل ويجد أنه لا يوجد عمل أصلا فبالتأكيد هذا مؤشر.. لشيء شيء ما.. وفي حالتي هذه إنه مؤشر على وجوب فعل شيء فيما يتعلق بهذا الأرق الذي ينهش ذاتي.. تغيير ما.. وحقيقي..

قد أهاجر إلى البرازيل لوحدي.. وماذا أفعل هناك.

قد أغير جنسي وأسكن في وسط تل أبيب.. وماذا أفعل بعدها..

قد.. أعيش حياة بوهيمية في باريس.. وماذا أفعل عند وصولي..

قد أسكن في جزيرة معزولة.. نائية في المحيط الهندي..

عرق بارد.. دوار.. عرق بارد.

يا عيونا سوداء كللت أيامي بطعم مغاير لكل ما ارتشفت من عطر سرمدي

يا أيادي سآخذها معي أينما حللت في حدائق النغمات المتماجنة

يا خصلات سوداء ألتحفها.. في غد آخر.. أبي.. أمي.. يا صبيا يرسم قرص شمس ملتهب عند الشاطئ

-6-

سرير في قاووش يتقادم بسرعة.. رجل يتمدد على السرير وبجانبه خمسة رجال يتفاوت ظلهم..

رجل 1 – سوف أقتل شخصا مقابل سيجارة.. الآن

رجل 2- سوف تفوتني مباراة الكأس الإسباني

رجل 3 – لماذا تحضرين “محاشي” يا امرأة إلى المستشفى أتريدين فضحي..

رجل 4 – انتصاب مؤلم أمام سيقان الممرضة السوقية

رجل 5 – سأمنح الأنذال فرصة أخرى وبعدها إلى المذبح.. مباشرة

يتمدد كامل على السرير الأخضر والأبيض وتجلس حوله امرأة باسمة.. وطفلان كانا قد سرقا كل جمال هذا العالم..


كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬حيفا