موت بالآجل

الجديد  رغد السهيل [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(62)]

لوحة: سليمان منصور
الروح حين يعاركها القلق تطالب بالحركة، لا تستطيع البقاء في مكانها لأنها حين تبقى ساكنة بلا حراك يصبح الألم مخيفا” ميلان كونديرا.

( كان فقيرا مُعدماً، يتحرك في المكان كبندول ساعة عتيقة لا صوت لها، ظل شبحاً في إطار خشبي ). خرجتُ في تلك الليلة المقمرة من المنزل غاضباً بعد شجار مع زوجتي، بسبب طلباتها التي لا تنتهي، أيّ بلاء هن هؤلاء النسوة، لشدة انفعالي كنت أفكر بإرسالها لأهلها، لكنني ما إن تذكرت قصة الحب التي عشناها سوية حتى تراجعت وبكيت.. صدقوني لم أكن سكراناً أبدا، بدليل أنني سأحدثكم عن قصة حدثت لي في ذلك اليوم، وما زلت أحفظ كل تفاصيلها.

لم أشرب ليلتها سوى كأس واحدة من الخمر (لا يتذكر كيف تطور الحوار معها إلى العراك، واشتد الكلام القاسي، نعتَها بالمرأة المجنونة، ووصفته هي بالرجل السكير البخيل، للمرة الأولى يتجرأ ويرفع يده ليضربها لكنه لم يفعل، بل خرج مسرعا، أغلق باب بيته بعصبية، وتحركت سيارته) وجدتُ نفسي فجأة بزقاق لا أعرف كيف دخلت فيه؟ كان زقاقا شعبيا فقيرا، في أحد شوارع مدينة بغداد القديمة، لعلي انفعلت مع صوت الفنان المبدع ياس خضر وهو ينساب من المذياع، فلم أنتبه إلى أين تسير بي سيارتي،..

ولو تزعل

ولو أدري العتاب يعذب الخاطر..

لكن لا ما أخلي الخصام يدوم للآخر.. نتعاتب على المكشوف…

(كان فقيرا معدما، بالي الثياب، يسير بطريقة غير متوازنة، وقع أرضا، وقف وعاود المشي، ذهب وعاد، ذهب وعاد من حيث بدأ). لمحته من البعيد وسط الزقاق، كان شابا طويلا رثّ الثياب، حافي القدمين يسير مترنحاً، لفت نظري وهو يتحرك ذهابا وإيابا في الزقاق، يرفع عينيه يبحلق عاليا بأحد تلك البيوت العتيقة ثم يخفض نظراته ويعود الى منتصف الزقاق منكسر النظرات، تصورته مجنونا في البداية، أو مخمورا فقد توازنه، لكني شعرت بالفضول والإشفاق عليه حين لاحظت أنه يقوم بمسح قطرات ندية عن خدّه… لا شك أنه كان يبكي. حين اقترب من سيارتي فتحتُ نافذة السائق وقال لي:

- ممكن أجلس قربك وأستمع لتلك الأغنية؟

- بالتأكيد…

جلس بجواري، اضطررت لفتح كافة النوافذ، ووضعت قطعة منديل قرب أنفي، أنفاسه تختلط فيها رائحة الخمر برائحة براز الدواب، كنت مستعدا للتحمل فقط كي أفهم قصة هذا الرجل (كان فقيرا معدما، ثيابه ممزقة، أنفه كبير يكاد يغطى نصف وجهه، يذهب ويعود في الزقاق بطريقة غريبة مثيرة للتساؤل، والآخر متخاصم مع زوجته، اجتمعا تحت عباءة الليل في هذا الزقاق) الفضول هو بلوى كل روائي وقاص، يظن أن القصص تتواجد حتى في جزيئات الهواء، وما علينا إلا أن نحسن التقاطها واصطيادها، مع شيء من الهندسة الفنية في لحظة تجلّ وتفرغ كاملين، صدقوني هناك قصة خلف كل قصة تُكتب، قصة عن الكيفية التي تمت بها عملية الصيد.. هل كنت صيادا، لا لم أكن صيادا، ولا بهلوانا..

عندما كنتُ بهلوانا بثياب ملونة قمتُ بالتقاط بعض البالونات من الهواء، فإذا طارت بالونة ما، أخذت غيرها وربطتها بخيط، لففته على ذراعي اليمنى كي لا تطير ثانية، أوه لا تسألوني عن عدد القصص التي طارت.. عفوا أقصد البالونات، أو السمكات التي أكلت الطعم من سنارتي وفرّت قبل أن أرفعها.. ما زلت أحلم حتى اليوم بتلك السمكة الكبيرة التي سرقت الطُعم وأغرتني بما فيها، لكنها هربت مني، حاولت رسمها لكني لم أعد رساما، عندما كنت رساما رسمت تلك السمكة الملونة بألوان الفسيفساء العراقي، الغريب أنها بدأت تتصارع مع ألوانها الذاتية فانقلبت السمكة إلى عقرب مخيف في الصحراء، وإذا ببهلوان يرفعها للهواء لتصبح طائرا، لكني لستُ بهلوانا ولا صيادا، فما أنا إلا نجار يصنع من الخشب نماذجه الخاصة، ويُجمّل بها الزوايا الفارغة في قصصه.

منذ اللحظة التي صعد بها السيارة (كان معدما فقيراً، يحمل سره في جوفه، ثيابه رثة ممزقة، عيناه تبحلقان بأحد البيوت، وتعود نظراته منكسرة نحو الأرض، تُرى هل يُعد الديدان الأرضية أم ماذا؟ وهل يجيد رجل مثله الحساب؟).. لم تكف دموعه عن التساقط، نسيت رائحته النتنة، وأنزلت يدي من أنفي، أخذت أربّت على كتفه، لعلي اعتدت تلك الرائحة فلم أعد أشعر بها:

- هوّن عليك خبّرني لِمَ تبكي؟

مسح دموعه بظاهر كف يده، وأجاب بصوت متهدج:

ــ أحب ياس خضر كثيرا.

ثم التفت إليّ:

أرجوك عدني أن تبقى هنا سأعود إليك بعد دقائق فقط.

– حسنا سأنتظر….

بقيت وحدي مع ياس خضر، هل أنا مجنون لأقف في هذا الوقت المتأخر من الليل، وأنتظر رجلا لا أعرفه ولا يعرفني؟ ربما يكون أحد أفراد عصابة ويقومون بقتلي لسرقة سيارتي، وإن لم يكن فرداً في عصابة لعله سمسار وقد يقوم ببيعي إلى إحدى العصابات، التي ستقايض عائلتي على ثمن فديتي، ليس سوى زوجتي المسكينة ستبتلى بي، سيكون اختبارا جيداً لمدى وفائها، ليتني لم أتشاجر معها اليوم، أخشى ألا تتفاوض معه أصلا، فهي حاقدة عليّ، وإن فعلت ولم تدفع المبلغ المطلوب ربما يتم نحري باتجاه القبلة، لأحرّك سيارتي وأعود أدراجي قبل أن يأتي.. لا عليّ التحمل قليلا، (كان فقيراً معدما ممزق الثياب، رائحته كريهة ويتحرك في الزقاق بطريقة غريبة، لعله جائع، لعله موجوع، لعله يبكي! والآخر ينوء بمسؤولياته، يخاف من أطفال رشدي وهم يخرجون في منتصف الليل) ربما يكون بريئاً إذ لا تظهر عليه ملامح الإجرام، المجرمون دائما يرتدون أحذية وهذا الرجل كان حافيا، لعل عقلي طاش من حرارة الكأس التي شربت.

ها هو أقبل أخيرا، الحمد لله لقد أقبل وحده، إنه يركض باتجاهي، وما إن وصل حتى فتح باب السيارة..

- أرجو ألا أكون قد تأخرت عليك.

- لا بأس لقد انتظرتك مثلما وعدتك، هلا أخبرتني قصتك.. أين كنت؟

يخفض رأسه يبحلق بقدميه:

لقد ذهبت لأعيد شيئا سرقته..

- وماذا سرقت، ولِمَ أعدت ما سرقت؟

- لقد سرقت جهاز هاتف نقال، ومحفظة مال من الرجل الذي دعاني إلى شراب الخمر معه، وعندما سمعت أغنية ياس خضر شعرت بالندم، فذهبت لأرجع ما سرقت، واعتذرت منه..

ابتسمت وأعجبتني الحكاية، فربما هنا بداية القصة..

– حسنا لو سمع بهذا ياس خضر نفسه سيكون سعيدا جدا، صدقني..

أخفض رأسه وقال: نعم تخيلت صاحبي يعاتبني على سرقته، ونحن كنا نتسلى معا، كلمته عن حبيبتي، ثم سرقته دون أن يشعر، فيدي خفيفة لكني لن أحتمل عتابه، هو طيب القلب ويستحق صديقا أفضل مني.. أنا الحمار.. ثم التفت إليّ قائلاً: لكني أعدت ما سرقت..

- وهل تقبّلها منك؟ ألم يقل لك شيئا؟

- قال لي إنه يعرف أنني سرقته وسامحني، فشعرت بالذنب أكثر، ليته عاتبني أو ضربني، هل تصدق أنه لم يفعل لي شيئا؟ على عكس الحاج غضنفر، حينما سرقت منه سيجارة واحدة فقط انهال عليّ ضرباً بخشبة كبيرة حتى أدماني، ولم يتركني إلا عندما أذّن المؤذن وذهب ليصلي..

ثم أخذ يبكي كامرأة ثكلى (كان فقيراً معدما، يتعرض للسخرية والضرب دائما من الفتية الصغار في الشارع، بالأمس ضربه أحدهم بحجر فأدماه، ورفض أن يرد له الضربة لأن الضارب صغير في السن).. تابع بصوته المتهدج:

- صدقني لا أحب السرقة، لكن يدي أدمنت على هذا، أنا على أمل أن أستلم بعض المال، وإذا ما استلمته سأفتح مشروعاً، وأترك السرقة ربما. سأعمل علي بيع الحلوى عند إشارات المرور أو أبيع السجائر….

- قصتك غريبة أيها الرجل تفتح مشروعاً وتنتظر مالا.. لكن خبّرني: لماذا كنت تذهب وتأتي أمام ذلك البيت في أول الزقاق؟

- نعم إنه بيت حبيبتي..

- حبيبتك..؟

- نعم تسكن فيه، وكلما اشتقت إليها ذهبت إلى بيتها..

- ومنذ متى لم ترها؟

- منذ 3 سنوات..

- نعم.! مدة طويلة أليس كذلك؟..

- كانت المرة الأولى والأخيرة التي رأيتها فيها، حين تعرفت عليّ منحتني بعض الطعام والثياب الجميلة، ودعتني هي ووالدها للذهاب معهم إلى مدينة أربيل في كردستان العراق..

- ذهبت معهم إلى أربيل وباصطحاب والدها؟!

- نعم أمضينا حوالي شهر كامل، أحاطتني فيه بكل العناية والرعاية، كنا نقضي الليل كله معا، نستمتع بكل شيء، بالطعام والجنس والخمر، بل كانت تلعب معي لعبة القط والفار، وتقول لي إنها لعبة من باب التسلية، كي لا أشعر بالملل، لأنني كنت ممنوعاً أيامها من الخروج من باب الشقة..

- ممنوع من الخروج؟!

- نعم كان عليّ اتباع التعليمات، ولأن جمالها طاغ ومؤثر على روحي كنت أطيع بلا جدل أو نقاش.

- عجيب.. وأين كان والدها؟

- كان يخرج ويتركنا نلعب معا كنا سعداء.. يا لضحكتها البريئة، كانت أكثر من جميلة ورائعة، إنها امرأة مميزة لم أحب فتاة كما أحببتها..

يصعب على أساليب السرد الحديثة سرد قصته، التشظي هنا في القلب والقالب، (كان معدماً، فقيراً، ذا أنف كبير، يتحرك في الزقاق بطريقة غريبة، الآخر يستمع إلى حديثه بعد شجار عائلي في بيته، لم يضرب زوجته بعد أن ضربها بكف يده، الأزمة الاقتصادية خانقة في البلاد، معمل حليب الأطفال مازال مدمراً، عماله يستجدون في الطرقات، لم ينادِ أحد: يا عمال المعمل اتحدوا) شعرت بحلقة مفقودة، ربما كانت تلك الحلقة واسطة العقد التي تجمع كل تلك التناقضات..

– قلتَ لي إن هذا حدث قبل 3 سنوات.. ألم ترَ حبيبتك تلك بعدها؟

كاد يبكي، ورفع كف يديه قائلاً..

- أخبرتك.. كانت أول وآخر مرة، أنا مخلص ووفيّ لها، أحببتها من كل قلبي، وسأبقى أنتظر، فقد وعدتني وأعرف أنها لن تخون عهدها، هل تعرف لأجلها تحملت الكثير من الألم، صبرت والحمد لله، شفي جرحى بسرعة.

قال ذلك وهو يؤشر على خاصرته في الجهة اليمنى.

- أيّ جرح تتكلم عنه؟

- لقد منحتهم كِليتي اليمنى، وأخبرتني هي ووالدها أنهم سيدفعون لي المال عندما نصل بغداد، وعندما عدنا لم أر أحدا منهم.. أنا واثق أن هناك ظرفاً ما حال دون ذلك، عندما يدفعون لي المال المطلوب سأفتح مشروعي وأتزوجها وننجب بنين وبنات، سوف أدعوك لحفل زفافنا، فقط أترك لي رقم هاتفك، سأتصل بك من محمول صديقي الذي سرقته وأعدته.

لم أحتمل، قام هو بتفجير قنبلة أمامي بكل برود، ما جعلني أستفيق من سكرتي، وأصرخ بأعلى صوتي بوجهه:

- ماذا.. هل بعت كليتك والدفع بالآجل؟! هل أنت مجنون؟

- لست مجنونا فقد أحببتها وهي تحبني..

حِرتُ بأيّ شيء أرد عليه، للصمت دويٌّ أكبر من أيّ ردّة فعل عندي، تساءلت بغباء “هل يحدث هذا لو أن معمل حليب الأطفال في العراق يعمل؟!” نظرت إلى وجهه وقلت له:

- سأطلب منك طلباً وثق بكلامي أرجوك، عليك ألا تبيع كليتك الثانية، وإلا فانك ستموت لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش دون كلية..

- وهل تعتقد أنتَ أنني ممكن أن أحب سواها؟

فتح باب السيارة بغضب وغادرني…

(كان فقيراً معدماً، تفوح منه رائحة الخمر، باع كليته بالآجل، وهناك قاص يفكر بحبكة فنية تليق بحكايته، كلا بحكاية تدمير معمل حليب الأطفال، لا شيء من هذا حدث، فالمعمل ما زال في بغداد، إنها جزء من حكاية أسلحة الدمار الشامل العراقية).. عليّ الذهاب لمصالحة زوجتي أفضل ذلك أنفع من عمل النجارين هذا أقصد القصاصين، لن أحب زوجتي بعد اليوم، كي لا تسرق كِليتي، فقط سأغير مهنتي إلى صياد سمك، ولتغني هي: يا صياد السمك صيد لي بْنيّة.


كاتبة من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • اغتيال حقيبة