أنا وحفيدي

الجديد  رياض طبرة [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(64)]

لوحة: ياسر صافي
قلت لحفيدي الافتراضي وكانت قد استبدت عنده رغبة عارمة لرؤيتي: سأحضر عيد ميلادك، وأقصّ عليك حكاية مرت، على أن تعتبرها يا قيس هدية قدومك السعيد، إلى هذا العالم، تتويجا لبوح قلبين أحبا أن يكونا معا على الدوام.

وعلى الرغم من وعورة الطريق، وكان محفوفا بالمخاطر وما يرافق مثل هذا السفر لمدينة تبعد مئة كم فقد عقدت العزم أن أعوّض له ما فاته المرة الماضية حيث زرت المدينة ولم ترتض نفسي لقياه وأمه هناك في مقر عملها.

ولم أتوان عن تجهيز مستلزمات السفر، على الرغم من تحذيرات جدته ومن حولي، وما طالعني به برجي فقد سمعت البراجة تقول، إن كنت على سفر فأجله لأن طالعك اليوم لا يبعث على الارتياح، ستكون الخيبة من نصيبك، قلت: ومتى كانت هذه الشمطاء تعرف غير صف المفردات والعبث بقلوب وعقول السذج من الناس، لا أنكر أني أصغي جيدا لكل من يلعب هذه اللعبة، حتى إنني لا أترك زاوية الأبراج في الصحف إلا وأتناولها بالمقارنة.

الخوف من الطريق مشروع فالخوف صديق يلازمنا من الفجر، لكن الخيبة المتوقعة ليست ذات بال، حياتي سلسلة متلاحقة من الخيبات حتى باتت الخيبة الجديدة تبحث عن مكان لها في نفسي فلا تجد فتعود خائبة، تتلاشى كفقاعة، أو كموجة عاثرة تتكسر على صخور الشاطئ.

ربما هي ساعات ثلاث لا أدري لكنها مرت لأنني انشغلت بالحكاية التي سأقصها على حفيدي، وكما توقعت وانتظرت فقد كان سؤاله الأول:

جدي ليش خالفت موعدك معنا؟ أمي أخذتني معها على دوامها حتى شوفك، هيك يا حيف عالرجال؟ قالها وغمز أمه التي تملّكها الارتباك وصارت في حيرة مرة. فويل لها إن نهرته وويل لها إن دعته يتمادى،مع أنها تعرف كم يسعدني ويثلج صدري مثل هذا التمادي.

قلت لحفيدي: حبيبي أنا لا أخالف موعدا وأمقت سلوك من يخالف موعدا، إنه عندي رجل متخلف، ببساطة هو لا يعرف كيف يحترم الوقت، عنده العصر والمغرب والليل مواعيد، أما أن يلتفت إلى ساعته فلا يكلّف نفسه ذلك، لكني يا جدي وقعت في حيص بيص وقبل أن يفتح عينيه مستفسرا أو محتجا قلت له: وهذه ستعرفها إن أحببت الاطلاع على العربية وما فيها من مفردات تموت كما نموت، وسأروي لك ما جرى ولك أن تكون مكاني.

عندما هممت بالذهاب إلى مقر عمل ابنتي سألتها عن المكان أجابتني ولم تدر ما حلّ بي من قلق وحيرة، قالت هو قصر الوزير.. قلت يا للطامة الكبرى.

قال حفيدي: وإذا يعني شو في عداوة بينك وبينه؟

قلت: لا تتعجل وإلا.. ورافق الابتسام لائي. صمت ورحت أقص عليه الحكاية:

كان يا ما كان في قديم الزمان، قاطعني حفيدي: قديمة جدي بطلّ هالأسلوب.. ما فيكم تحكو عن الحاضر بلا هالاستعانة بكان وأخواتها، أحسست بصفعة قوية وأطرقت: هل يعقل أن هذا الجيل يمتلك وعيا أكبر من وعينا، وذكاء لا يسمح لنا أن نمرر عليه جزعنا؟ لكنني فرحت للصفعة ربما كنت كغيري بحاجة لها وتابعت متجاهلا عن عمد ما قاله:

وكان الملك واسع الاطلاع محبا للعلم، يبحث عن وزير يدير شؤون الناس ويتدبرها ببريق خبرته وذكائه وحسن تصرفه. ولأنه لم يجد ضالته قرر أن ينزل إلى الأسواق ويرى أحوال الناس ويطلع كيف يتعاملون، ولم ينس أن يتخفى بلباس لا يلفت نظر السوق ومن فيه من تجار وزبائن وعسس.

وفي زيارة عند ظهيرة يوم مشمس بعد غيث أدخل السرور لقلوب الناس لفت رجل طويل عريض المنكبين انتباه الملك، لا تخلو مشيته من حيرة، ولا هامته من انكسار، وكلما خرج من حانوت أو متجر كبير ازداد شحوبه. أحسّ الملك أنه طالب حاجة، تقدم منه وسأله:

-هل لي أن أساعدك؟ وأنا خبير متمرس في هذا السوق من أوله إلى آخره.

- لا بد لي من أن أشكرك أولا ثم إني أبحث عن عمل، هل تعينني في تأمين مرادي؟

- لك ما أقدر عليه فأنا مثلك أبحث عن رجل يحرس مالي ويصون عرضي ويكون وفيا لي.سأقوم بما عليّ وأنتظر منك أن تقوم بما عليك.

- أخذ الملك الشاب الذي توسم به الخير جانبا ونقده من الليرات الذهبية ما يكفي للفرار بها، إن طاوعته نفسه الأمّارة بالربح غير الحلال، أو استسهال الحصول عليه بأقصر السبل، وقال له: هذا الحانوت لك ضع فيه ما شئت مما يحتاجه الناس، وأحسب نصيبي منه وسأمرّ كلما هلّ الهلال فأراك وأنال حقي.

سرّ الشاب كثيرا ولم يصدق ما فتحه الله عليه من خير عميم وراح يخلص الإخلاص كله لعمله وللقسمة، حتى ذاع صيته وانتشر بين الباعة الكبار فصاروا يغدقون عليه ببضائعهم حتى كاد يكون بيضة القبان في السوق، والحكم الفصل بين المتنازعين فيه.

دعاه الملك إلى ديوانه فبدا منه حسن تصرف وكياسة زادت من إعجاب الملك به، ثم بادره: سأعهد لك بالوزارة تدير شؤونها فحضّر نفسك لها، وتدبر شؤونك وأطلب ما شئت من عون.

رد الشاب الذي صار وزيرا بطرفة عين بانحناءة تنمّ عن أدب جم وبدت علائم السرور واضحة عليه، لكنه تسمّر في مكانه وبدت الحيرة عليه، قال له الملك ما بك يا وزيرنا الطيب أراك وكأن الفرح عقد لسانك؟

قال الوزير: يا سيدي لي حاجة لو تكرمت بالنظر فيها.

قل، قال الملك:

-إن عهدا بين وليّ نعمتي وبيني ألاّ أدع رزقه دون إذن منه، وأتمنى أن أنال موافقته على عملي.

قاطعه الملك بتجهم وهل تريدني أستأذن واحدا من رعيتي في شأن من شؤوني..

انحنى الشاب حتى كادت هامته تصل إلى القاع، سيدي إنه سيعدني ناكث عهد ومخلف وعد ولن ترضى بي وزيرا، فلا يليق بملككم أن يضم واحدا لا يؤتمن على أرزاق الناس.

قال الملك:اطلب من يحضره الآن إلى القصر وأبلغه ما تشاء..

-لكنني لا أعرف بيته، ولا مكان سكناه، أمهلني يا سيدي حتى يهلّ الهلال، ويحضر صاحب الحانوت فأستأذنه إن سمحت لي..

قال الملك: لك ذلك،على أن تأتيني فأعلنك وزيرا.

انحنى الشاب مودعا، وراح ينتظر قدوم الهلال حتى إذا أطل بهيا لم ير من إطلالته غير همّ ونكد، وحيرة ما بعدها حيرة، فصاحبه لم يحضر وما عليه إلا أن يمتثل لإرادة الملك. وهذه هي المرة الأولى التي يتخلف فيها صاحبه ووليّ نعمته، حزن حزنا شديدا وراح يحسب ألف حساب، ويعجب من هذا التأخر لكنه يعود ويمنيّ نفسه بأن عارضا ربما اعترض طريقه، والغائب له عذره.

ظل الشاب ثلاثة أيام لا يدري ماذا يفعل، في صبيحة اليوم الرابع دخل رجل يبلغه أنه في حلّ من وعده، وأن صاحبه ترك له الخيار في أن يتصرف كما يشاء.

عمّ الفرح أرجاء قلب الشاب، صار بمقدوره أن يطيّر عصافير فرحه إلى أعلى فضاء، من الآن سيكون وزيرا في مملكة دخلها عاريا وفقيرا.

تسلّم الوزارة وراح يخدم بكل أمانة وإخلاص وتفان في خدمة سيده الجديد، بعدما استأمن رجلا يقوم مقامه في تجارته، يقتطع حصة صاحب الحانوت ويحرص على أن تكون تحت الطلب.

قال حفيدي: أي جدي مضت ساعة ولم تصل إلى السبب الذي دعاك لأن تخلف موعدك ماذا بعد هل هناك ساعة ثانية؟

قلت يا جدي: لم يدم الأمر على حاله، فالملك أعطى وزيره قصرا ليس قريبا منه، القصر كان علامة فارقة في أطراف المدينة وكأنّه على الأعراف الأرضية، هو الخط الفاصل بين حزام الفقر، وحارات الميسورين من التجار، والنبلاء، وأصحاب النفوذ، ومحدثي النعمة، اختاره الملك ليكون الوزير على مقربة من الجهتين، لعله يخفف من سطوة هؤلاء وغضب أولئك البائسين، الذين اكتووا بنار الغلاء بعد سنوات عجاف وقحط شديد، وضرائب فوق الضرائب.

وكانت مدن أخرى قد أنّت من الجوع، والجوع كافر كما يقال، ولم تجد غير تفجير بركان غضبها، غضبت من ماضيها من حاضرها من مستقبلها، من هويتها حتى إنها لم تعد تعرف غير الغضب.

حاول الوزير أن لا يصل الحريق للمدينة لكنه أخفق، فيد واحدة لا تصفق ولا تطفئ نيرانا، أخذت النيران تقدح شرارة من هنا ومن هناك شرارتين، والطامعون بالوزارة كثر.

وجاء يوم عسير، حدث شغب كبير، وكان الملك في صحة لا تسمح له بالحضور إلى قصره، وجاء من يقول له إن الأمر بيدك، وهذه فرصتك فحوّل هذا الشغب لصالحك، دعهم يعيثوا فسادا حتى يستنكر الناس أفعالهم، أرسل عيونك، ولا تنس أن تشيع بين الناس أن مرضا فتاكا سيحل بالمدينة إن لم يكن قد بدأ فعلا نظرا لخروج هؤلاء الرعاع عن طاعة الله والملك، الغضب الذي كاد يحطم الأسواق سهلّ اقتناع الناس بما أشيع مع أنهم يا جدي ليسوا بحاجة لذريعة، هم يصدقون ولا يصدقون. رفع قيس حاجبيه محتجا مع ابتسامة جعلتني أرى حسنه اليوسفي بأبهى صوره الرائعة والمحببة لقلبي: شو بنا جدي صرت تغمق نسيت؟ كيف هذه يصدقون ولا يصدقون، ما فهمتها؟

ستفهمها يا جدي عندما تبحث عن شيء ولا تجده، فيما تتلفت من حولك فتجده بين يدي من بيده المال،أو كان جد له قد غنم شيئا في الحرب أو تاجر بقوت الناس وصار ثريا.

لم يدعني قيس أكمل وقال بنبرة حازمة: جدي تعملهاش سيرة عنتر طقت مرارتي وبعدك بأولها.

هنا كان عليّ أن أتعجل في البيان:

قلت يا جدي انقسم التجار بين خائف وطماع، ولما أحضرهم الملك إلى ديوانه لم يجدوا غير الوزير يلقون عليه تبعات ما جرى، ولما التفت الملك إلى وزيره كانت صدمة قوية في نفسيهما فقد بدا الوزير غير آبه للاتهام ولا لتبعاته لأنه يعرف أن لا ذنب له في ذلك.

وكان الملك غير مصدق لكنه أراد أن يرضي التجار ليعملوا على تهدئة الخواطر فهم العصب في المدينة وهم المرآة.

أحس الوزير أن أيامه باتت معدودات ليس في القصر بل في المدينة فتعجل الرحيل، وكان أن رحل إلى مدينة يطلب الرزق.

تعجل الملك في مصادرة القصر وحوّله إلى دائرة لجباية الضرائب هل أدخله يا جدي؟


كاتب من سوريا