قصص قصيرة جدا

الجديد  زياد خداش [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(68)]

لوحة: صادق كويش
متسول

أريد أن أقف أمام امرأة ما جميلة في الشارع وأقول لها: أنا أحبكِ، لا أريدها أن تسمعني، لا أريدها أن تراني، أريد للضباب أن يبتلع ملامحي، ويأخذها إلى محرقته البيضاء، وأريد للريح أن تخطف صوتي وتأخذه إلى مدفنها السري، أريد أن أقول لامرأة ما في الشارع: أنا أحبكِ، أريد ألا يسمعني أحد، سوى متسول شاب يجلس على الرصيف، قذر الملابس، ثمل، نصف نائم، يسيل من فمه زبد، وفي يده خرقة ملابس، يمسح بها زجاج السيارات. أريده أن يصدقَ أنهّ يحلمُ الآن بصوتهِ وملامحه منتصباً في الشارع أمام امرأة ما جميلة، ويقول لها: أنا أحبك. أريدها أن تسمعه وتراه.

زيت

أمامي، بالضبط أمامي، كان الشاب الفلسطيني الأعرج ذو النطق المتعثر والملابس الفقيرة يقف أمام مجندة إسرائيلية (في معبر قلنديا)، تجلس خلف زجاج سميك، المجندة المتوترة تشير إلى وعاءَي زيت أصفرين، كانا يجلسان خلف الشاب بصمت بانتظار التحقق من هويتهما.

- شو هاي؟

-هذا زيت.

- شو يعني زيت؟

- يعني زيتون.

- شو زيتون؟.

- يعني زيت.

- شو زيتون وزيت؟ “إنت هبلة” صاحت المجندة من خلف الزجاج، لم ينطق الشاب، وأظنه كبت غضبه لأنها وصفته بهبلة لا أهبل.

خلفي انفجرت حنجرة عجوز فلسطيني: قُللها إنه زيت يعني فلسطين يا ابني. لم يقلها الشاب طبعاً، بل قالها صدى الصرخة التي هزت أركان المعبر.

ابتسم وعاء الزيت. سكت صوت المجندة، ولم أذهب أنا إلى القدس.

ألوان

الحب: هو أن أتمادى في فشلي باختيار ألوان ملابسي، فيتجاور مثلاً البنطال الزيتي مع القميص البرتقالي، فتغضبين أنتِ (يدك تفضحني؟)، وتجرّينني من يد ذهولي إلى محل ملابس، بكامل جهلي الرائع أقف كتلميذ في صف جمالك المثقف، وبكامل حرصك الملائكي تتحركين هنا وهناك تتأكدين من حجم البنطال وتجننين بكارة القمصان الخجولة وأنتِ تتحسسين قماشتها، بينما أكتب أنا تفاصيل الدرس في دفتر القلب.

غضب

كنت أريد أن أكتب: سأذهب الآن لأشرب كأس نبيذ، وحتى لا يغضب مني طلابي سأكتب: سأذهب لأشتري قلامة أظفار، غداً سألتقي في “زرياب” امرأةً من خرافة، وحتى لا تغضب مني زوجتي سأكتب: غداً سوف ألتقي في “زرياب” صحافيةً ذكية.

بعد أسبوع ودفعة واحدة سأتخلص من جبني وأمزّق قناعي، سأغضب من فلسطين وربما أشتمها علناً لأنها شغلتني عن عد شامات جسد صديقتي الرهيب.

شمس

قادماً من سورية- مجدل شمس، وفي الحافلة القادمة مبكراً جداً من الخالصة إلى القدس (يسمونها كريات شمونة) جلست أربع ساعات بجانب جندي إسرائيلي، في حضنه كانت تستيقظ من سباتها بندقية، في حضني كانت تنهض من نومها بلادي.

مصطفى

وسط رام الله وجهاً لوجه قابلت مصطفى وصديقه، كان مصطفى تلميذاً عندي في الصف السابع قبل أن تقرر الوزارة أنه لا يصلح ذهنياً ليكون طالباً في المدرسة، فيما بعد عرفت أنه يدرس في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة في قرية (أبو قش). لم تكن مشكلة مصطفى ذهنية تماماً، كان شخصاً يقول للمعلمين أشياء (غير مؤدبة) مثل “أستاز ليش منخارك كبير؟”، “أستاز إنت ليش ما بتغير بنطلونك؟”، “أستاز ليش بتدخن والدخان بمرضك؟”، “أستاز شو اسم جوزتك (زوجتك)؟”، “أستاز شو طبخت جوزتك اليوم؟”، “أستاز ليش أسنانك وسخين؟”، “أستاز ليش ضربت أيمن مش حرام عليك؟”، “أستاز ليش أسنانك زي الأرنب؟”، “أستاز ليش لونك بني؟” لم تكن أسئلة مصطفى غير مؤدبة، كانت حقيقية ونظيفة وطبيعية وصادقة جداً ولا تحمل أحاسيس مسبقة أو حمولات خبث، كان مصطفى طفلاً كبيراً يحتاج إلى مدرسين مختلفين ليعرفوا لغة قديس صغير سقط بالخطأ من كوكب القديسين على مكان كاذب ومخادع وجبان. صباح الخير لمصطفى وصديقه، قديسَي صباحي.

مصافحة

لم أُحبه يوماً ما، لم أُعلق صورته على جداري بجانب صورة عبدالناصر، لم أسعَ يوماً إلى مصافحته، ويوم زار صباحاً ما مؤسسة كنت بالصدفة فيها قفزت من النافذة هارباً، وحين مر موكبه مرة من أمامي في الشارع كدت أرشقه بحجر، كنت أضحك على ألفاظه المضطربة وأخطائه النحوية المضحكة ولحيته الشعثاء. وحين فجأة مات جميلاً وشهيداً، علقتُ صورته على جداري، وصافحتُ يده فيها ألف مرة، وذهبتُ إلى المؤسسة التي هربت من نافذتها، قدمت طلباً لوظيفة فيها وجلست مراراً على المكتب نفسه الذي جلس هو عليه، وصرت أشرح لطلابي عن جماليات وضرورة الخروج عن النحو أحياناً، وأطلقت لحيتي وجعلتها شعثاء.

أرجوحة

“كان هون في بيت فيه أرجوحة” قالت ونحن نمشي أمام عمارة عالية جداً. “كان هون في بيت في حاكورته دجاج بلدي وبط”. قلت ونحن نقف أمام بنك. كان هون “في عجوز لطيف ودايماً مبتسم وقاعد في شرفة بيت” قالت ونحن نمسك يدي بعضنا قرب مؤسسة أمنية، بحثنا طويلاً، ولم نجد الشرفة والأرجوحة والبط والدجاج البلدي والحاكورة والعجوز اللطيف. وكان هناك الكثير من البنوك والمؤسسات الأمنية والعمارات العالية.

سادسة

إلى أين تذهب جميلات رام الله في السادسة صباحا؟ يا لعذوبة أسرار المدن التي تمشي فيها الجميلات في السادسة صباحاً! ويا لوحدتي التي تمشي في الطابق السادس من مقهى صغير يمشي باستمرار في مدن الدخان والضجر والأغاني والبرد! يا جميلات رام الله: صباح الحب والسر والسادسة.

فيضان

على منحدر مستوطنة (بسغوت) أراقب الآن هذا المشهد من نافذة الصف الثامن: مستوطن يحاول قطف كوز صبر، من نبتة صبر موغلة ألواحها في الرسوخ والشوك والخضرة، كلما حاول قطف الكوز لسعته أشواكه، فترتد يده إلى الوراء متذمرة وغاضبة، صعد المستوطن المنحدر إلى مستوطنته خاوي اليدين وعدت أنا إلى طلابي ممتلئاً بحلاوة الأكواز التي وزعتها عليهم كوزاً كوزاً، وسط ذهولهم من مصدر هذا الفيضان من الحلاوة المفاجئة.

أنا

أنا صديق حميم لشجرتيْ رمانٍ وتين، نسكن ثلاثتنا في المكان نفسه، أنا داخل البيت وهما داخلي، كل صباحٍ أخرج مني وألمسهما، أؤمن بأن شجرة الرمان هي (ديونسيوس) حياتي، أما شجرة التين فهي (أبولو) عمقي الهادئ المتشح برزانة القرار وحكمة الشعور.

تأخذني رمّانتي إلى ماء ضلالي بينما تعيدني تينتي إلى بيتي “فيما لو تأخرت عنه”، مقيد القلب، مخفور الحس، تطعمني الشجرتان ثمارهما كل عامٍ بسخاء، وأطعمهما أنا حكاياتي وحزني وغنائي ورائحتي كل ليلة، أحب هذه الحياة الموزعة بين طيش الرمان ورزانة التين، أحب حياتي مع كائنين مخلصين يرتاحان داخلي مثل سرّين مخمليين، مرفهين وأرتاح داخلهما مثل قطٍ هرم.

الخبر المزعج أن الثلجة الأخيرة خلعت السرّين من الأرض وألقتهما حطاماً أمام بيتي، صرت الآن بلا أبولو أو ديونسيوس، بلا اتجاه، بلا تناقض، بلا مدنٍ قلقةٍ وأخرى مطمئنة، لمن سأطعم حكاياتي بعد اليوم؟ وأيّ كائنٍ يستحق أن أهديه كل هذا الحرير “حتى لو كان مكسوراً” الذي يفيض من نوافذي؟

ابن الأشجار المكسورة أنا.

باب

طرق خفيف على بابي؟ من سيجيئني عند حافة عاصفة وكتاب وليل؟ طرق خفيف على بابي، لم أفتح الباب والكتاب، لم تعصف العاصفة بعد، قعدت في قلب صمت، فتحت باب روحي، أصغيت، برهافة أصغيت، لم يكن أحد خلف الباب، إنها ذاكرة الباب، كانت فقط مستوحشة تتذكر.

امرأة

لمن هاتان العينان المخيفتان يا الله، مثل شخص هارب من مشفى في منتصف زيارة ومرض، كانت المرأة الغريبة تنهب شوارع رام الله في تمام الجنون والسادسة صباحاً، كانت تمشي بخطوات سريعة ومتعثرة، ولا كلام يصدر عنها. كنت هناك وبائع الكعك وسائق سيارة أجرة وشرطي ضجر، وصراف متجول، وحدنا نمارس أقدارنا وحاجاتنا، جمعتنا امرأة غريبة وزمن.

عمّ تبحثين يا امرأة، هل نستطيع مساعدتك؟ سألها الصرّاف المتجول في السادسة صباحاً.

أجابت خطواتها مزيداً من السرعة والتعثر، أما عيناها فأجابتا كثيراً جداً من البحث المتوتر عن شيء لم نعرفه، مشينا معها، وجدنا أنفسنا نبحث معها عن الشيء الذي لا نعرفه، لم نجد شيئاً. لم تجد هي شيئاً. لا أحد وجد أيّ شيء.

تفرقنا في لحظة تعب يائسين، لم تتفرق هي، ولم تيأس، راقبتها من بعيد، تحرث شارع (الحسبة) بعينيها الجائعتين لرؤية شخص أو شيء ما هارب منها أو هي هاربة منه.

يا للتعب في عيون امرأة تبحث بصدق فاجع عن شخص أو شيء هارب منها!

في بيتي قبل لحظات بالضبط تلفتّ حولي بإحساس غامض لم أفهمه تماماً، كنت أعي فقط شبح رغبة داخلي بالبحث عن شيء أو شخص، هارب مني أو أنا هارب منه.

• ما الذي تبحث عنه أيها الخمسيني؟

لم أسمع سوى لهاثي.

سقف

ما حيرني هو السقف الثاني الصغير المنحني قليلاً على سرير غرفتي في الفندق الطويل. كأنه سيسقط بعد قليل على وجهي، ما حيّرني أكثر هو الباب الخشبي الذي يتوسط السقف الثاني “أتتزوج السقوف في هذه البلاد وتنجب أبواباً”، من يدخل من هذا الباب؟ وماذا لو طرقته الآن يدٌ ما، كيف أفتحه له؟ وماذا لو فتحته، كيف سيدخل طارقه؟ إلى أين سيدخل- يسقط؟ أعلى وجهي؟ وماذا يريد مني؟

ما خلع النوم من عيني هو صوت أمي الذي هطل فوق وجهي فجأة وأنا أندس مع أشقائي في فراشنا، تحت سقف الزينكو في غرفتنا الصغيرة بالمخيم، أوائل السبعينات، ما زلت أذكر صوتها وهي تتمتم بصلاة أو دموع، وهي تلهينا بالرقص والذرة المقلية والدغدغة المفاجئة، بينما غضب الرب والعالم يدق سقفنا الحديدي المتحرك. في دبي اكتشفت أن لديّ عقدة سقف.


كاتب من فلسطين مقيم في رام الله