الداخل

الجديد  سعد القرش [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(82)]

لوحة: فرج عبو
من الخارج، يبدو المكان كأنه غيط مهمل.

تتداخل فروع الشجر، بما يوحي بعدم العناية. وحول بوابة واطئة، لا يعرف الداخل أنها مفتوحة أو مغلقة، تتجمع أوراق الخريف. وإلى يمين الداخل، خُصٌ معتم، تثقبه شرائح الضوء. أما البواب الكهل فغير منتبه، ربما ثقة منه بأن الداخل يعرف طريقه.

ينزلق الشاب إلى المكان. يحاول التخلص من أوراق أشجار غمرت قدميه، ويخفي ارتباكه بالنظر إلى الشيخ المتكئ على أريكته، بالقرب من البوابة. يقول الرجل وهو يمد وجهه إلى شريحة من النور، في موضع محدد تماما، وكأنه يعرف الشاب:

ـ أهلا يا حسن!

يبتسم الرجل بخبث لا يخفى على الشاب، ويبدو فمه خاليا من الأسنان، ثم يخفي في العتمة تجاعيد وجهه.

يتفادى حسن منحنيات، وعيدان ذرة متناثرة، على جانبي طريق، أشبه بمدق للسيارات. ثم ينقذه الدليل الذي استدعاه أمس. في المسافة الممتدة من البوابة إلى العالم الغريب، لا يسمع شيئا من كلام كثير يقوله الدليل. يسيطر عليه ذهول التجربة الأولى، في مكان لا يشعر فيه أحد بأحد، إلا من يريده: لا شيء منسقا، فوضى تسحر العين، يتحرك كل من بالداخل كما يحلو له. صبيان وبنات، فتيان وفتيات، سيدات رشيقات، شبان حليقو الرؤوس، وآخرون مرسلو الشعر، رجال سمان تمتد كروشهم بما لا تصل إليه أيديهم. عراة أو يرتدون حللهم كاملة. على الأرض مباشرة، أو فوق أسِرة أو أرائك، ثابتة أو تهتز في الهواء، بلا عُمُدٍ يراها، تحت أشجار مختلفة الأنواع، لا تثمر كلها في فصل واحد من العام، ولكنها الآن مثمرة، رغم هذا الخريف الذي لا يتجاوز البوابة.

يبحث بنظرات زائغة عن اتجاه البوابة، ولا يعثر عليها. يسأل نفسه: هل ألغوا الطريق؟

ينهاه الدليل عن أيّ محاولة للهروب:

ـ اسمع يا حسن، شرحت لك «أنهم» يطلبون منك أن تحضر زوجين، على استعداد لتنفيذ أيّ تكليف، يفضل أن يكونا مستعدين للعب الدورين، مع أيّ أحد هنا.

يفيق حسن، ويدرك للمرة الأولى خطورة الأمر، ويحاول التحكم في انفعاله.

يواصل الدليل ببرود:

ـ في المسافة من البوابة إلى هنا قلت لك هذا، ولم تعترض.

ـ لم أسمع شيئا، وأريد إعفائي. لا أنا أعرفك، ولا أنت رأيتني.

يبدي الرجل تعاطفا حقيقيا، ويبدو عاجزا عن المساعدة:

ـ مع هؤلاء الناس، لا داعي للمغامرة، أو التذاكي. حدث خطأ بسيط في الإبلاغ، مجرد تشابه في الاسم، مع شاب عاطل مثلك، اسمه حسن أيضا، دلنا عليه قواد سابق. ساعِدْني على إتمام اللعبة للنهاية، ليلة واحدة تمر بسلام، حتى لا يسمع بنا أحد.

يفرك حسن عينيه غير مصدق، يريد أن يتأكد أنه ليس ضحية كابوس:

ـ لا تحاول أن تدفعني للجنون. أنا لم أر أحدا ولا شيئا، ولا أعرف هؤلاء.

يختفي الرجل بلا مناسبة، ويمتد الخلاء باتساع القدرة على الرؤية.

يسأل نفسه: هل كانت بالمكان أسوار لحظة الدخول؟

يتذكر أنه رأى مصابيح متناثرة بلا ترتيب، بلا أعمدة، كأنها معلقة بسقف سماء أشبه بخيمة كبيرة. الآن لا يزيد عددها كثيرا. فهل تنتهي حدود هذه الساحة حيث تلتقي بها السماء؟ ومن أيّ طريق يبدأ الهروب؟

يفاجئه الدليل:

ـ يجب أن تنتهي المهمة بسلام.. سلامك أنت. لا تفكر في الهروب مرة أخرى.

ـ ما الخطورة في خروجي؟

ـ الخطورة أو الخطأ في الدخول. يجب إتمام المهمة.

ـ طمْئِنْهم تماما، كأني لم أدخل.

يبتسم الرجل من طيبة قلب الشاب:

ـ هؤلاء لا يخافون شيئا ولا أحدا. لا سيادة هنا لأحد عليهم. شعار المكان «افعل ما تريد، وما يريد منك الآخرون: لا ترفض لأحد طلبا ولا أحد يرفض لك طلبا». كل شيء مباح.

ـ هل يشملني الشعار؟

ـ نصفه فقط.

ـ والله ما أنا فاهم، أخرجني من هذا الكابوس، بدلا من الفضيحة.

يضحك الدليل، سخرية وإشفاقا:

ـ في قاموس المكان وقانونه، لا وجود لهذا المصطلح، هذه كلمة لا تعني شيئا. خارج البوابة تسترد الفضيحة هيبتها.

يهمس الشاب لنفسه أن هذا الكلام لا يمكن أن يخرج من قواد. فيلومه الرجل على إساءة الظن:

ـ لا أحاول إيذاءك بكلمة، فلماذا توجه إليّ هذه الإساءة؟

تسيطر عليه الدهشة، من قدرة الرجل على قراءة أفكاره. يشعر حسن بالحرج للمرة الأولى:

ـ ماذا تكون؟

ـ هذا لا يعنيك، اسأل نفسك أولا، من تكون الآن؟

يتوسل إليه بصدق طالبا إخراجه:

ـ لم أخطئ في حقكم، ولا استدعيت نفسي.

يهز رأسه:

ـ ولكنك رأيت، ومن يعرف يصير جزءا من قانون المكان.

ـ قانون المكان أن كل شيء مباح، وأنا لا أعترف به. ولم أمدّ يدي إلى ثمرة في الحديقة.

ـ ولكنك مددت عينيك. هل تنكر أنك رأيت. رأيت كثيرا. أكثر مما ينبغي، لمن ينشد الخروج.

يحس بالحرج، ويقدر أن هذا الواقف أمامه ليس مجرد قواد، بل يعرف عنه كل شيء: ما فعل، وما رأى، وفي أي شيء يفكر، وما ينوي عمله. يهم بالسؤال، فيعاجله الدليل:

ـ قلت لك إن نصف شعار المكان يشملك «افعل ما يريد منك الآخرون، ولا ترفض لأحد طلبا».

قبل أن يفكر حسن في الرد، يختفي الدليل، وتهبط فوق كتفه يد دقيقة التكوين، لا ظل لأصابعها المنحوتة التي يحبها، في غير هذا الموقف. تسأله:

ـ جربت أن تحمل امرأة في غابة؟

يجيب كالمسحور:

ـ حملت نساء، بعيدا عن الغابة.

ينتبه لخطوها الرهيف، كأنها تسري ولا تسير، لا صوت لوقع قدميها. ويستدرك:

ـ لكنّي لم أجرب أن أحمل ملاكا.

يتحدث بتلقائية تخلو من المجاملة، وهي تبتسم:

ـ احملني وتكلم، أريد أن أسمعك.

تستقر في منتصف المسافة، بين الصحو والنعاس، وتواصل الهمس:

ـ حين أشير إليك توقف، لنستمتع بلذة الصمت.

يرنو إليها، وهو مسحور، ويسأل نفسه: هل تحركت شفتاها حقا؟

يحملها فتلتصق في وداعة بصدره. يمرق من بين أجساد لبشر لا يشعرون بهما، ولا ينصتون لكلامه إليها: عن أهله، وحكاية استدعائه، وتهديد الدليل له. وهي كأنها غائبة عنه، لا تسمع. إلا أنها تتوقف موضحة:

ـ لم يهددك، بل أبلغك!

يستريح لكلامها الودود، ويسألها عن كيفية الخروج، فتتسرب من بين ذراعيه. يستدير عائدا، فينسدّ أمامه الخلاء. ويجد الدليل عنده، بالضبط أمامه.

يأمره «أحدهم»، فيستجيب. يتذكر نصف الشعار «افعل ما يريد منك الآخرون، ولا ترفض لأحد طلبا». يخشى أن يصير مَطِية لصاحب هذا الجسد. يعز عليه جسده، فلم يفكر يوما في أن يقربه أحد.

يتلكأ قليلا. يتأخر خطوات عن السائر أمامه بثقة. يسمع منه تحذيرا، من غير أن يستدير.

دون أن يدري، يطلق حسن صيحة «لا». ويمضي الرجل، وتتكون دائرة من الأجساد حول حسن. ويعنفه الدليل:

ـ تصر على اختراق القانون؟

ـ أيّ اختراق؟ وأيّ قانون؟

ـ لم تُسمع هنا كلمة «لا»، والغريب هو الصيحة.

ـ فاتني أن أستغيث بشياكة!

يشير إلى لا أحد، حيث لا ظل لذراعه:

ـ خذوه.

يمضي حسن مسبوقا برجل، ومتبوعا بآخر، في طريق كأنه أعد الآن. وقبل نهايته، يفاجأ بأن جدرانا نبتت للطريق، فيصبح ممرا مكسوا، بإضاءة خافتة، وتمتد جدرانه إلى حيث يصل بصره.. ارتفاعا وطولا. وكلما أوشك الممر على الانتهاء، وجد بوابة واطئة، لها اتجاه واحد، إلى الداخل. ثم ينشق الجدار عمن يقفون بانتظاره. يشيرون إليه، فيدخل وينسحبون.

ينفتح الباب قبل أن يدفعه حسن. لا يسأله الجالس عن شيء، بل ينظر إليه، ويسجل أشياء، تملأ ملفا من الصفحات. يكاد حسن يسأله من أين يستمد هذه السرعة في الكتابة. ويهز رأسه في غير أسى:

ـ لو لم تقل «لا» لهان الأمر، ولكنك قلتها في صيحة، غير محسوبة ولا مسبوقة.

قبل أن يفتح حسن شفتيه، للإيضاح، ينفتح باب. يحمل الرسول الملف، ويتبعه حسن في صمت. ثم يسلمه إلى باب آخر، ينفتح تلقائيا. يتصفح الملف في لحظة يشعر حسن أنها كافية لمثله، لالتهام التفاصيل المكتوبة. يستعد للكلام، للرد، للاعتذار حتى، ولكن الجالس، كأنه نسخة من السابق، ينظر إليه بعينين تخترقان ثياب حسن وجلده إلى دمه، وأيامه الماضية. ويكتب تقريرا آخر في بضع صفحات، ثم يغلق الملف:

ـ لو لم تقل «لا» لهان الأمر.

يفتح حسن فمه، فيمد الجالس يده بالملف، إلى من هبط إلى المكان لتوه. ويذهب به إلى الذي يقرأ الصفحات القليلة، ببضع هزات من رأسه، بنظرات هابطة إلى أسفل. ويكتب تقريرا في صفحة واحدة:

ـ لو لم تقل «لا».

يوشك حسن على الانهيار، يريد أن يصرخ، إلا أن صوته ينسحب تماما. يريد استدعاء الصرخة، وهي تستعصي عليه. يمضي في صمت وراء حامل الملف، يناديه فلا يرد. يشعر بالإهانة، ويسرع قليلا، ويمد يده إلى كتفه، فيحس فراغا دافئا.

في لمحة ينتهي من قراءة الصفحة الواحدة. يقول حسن:

ـ أنا…

لا يقاطعه، وإنما يسجل سطرا واحدا، ويعجز حسن عن الكلام، ويظل فمه مفتوحا بعد أن يُطْلِق أناه.

يقول من دون أن ينظر إلى حسن، ويد أخرى تمتد إليه، كأنها تهبط من فراغ، حيث لا سقف للغرفة:

ـ لو.

يدخل حامل الملف بسطر واحد، في ورقة بيضاء، وحسن ينتظر الدخول، ويراقب حركة باب وحيد، ينسد به الممر، ولا يسمح له بالدخول عَبْره مباشرة.

يقرأ ملامح وجه الخارج بعد أن ترك الملف، ويحدث نفسه: هذه فرصتك الأخيرة، بعد أن أطلقت صيحة جلبت عليك اللعنة، وما دام تقرير دخل، فإن بالغرفة شخصا ما، لعله كبيرهم، وإليه ينتهي الأمر كله، ولا وقت لديه لقراءة أكثر من سطر واحد. ماذا لو اقتحمت عليه وحدته، وأبلغته شكايتك؟ لن تخسر كثيرا، ربما لا تخسر شيئا. قل له: ليس كثيرا عليك، يا سيدي، أن يقول فرد واحد «لا» واحدة، بعد ليلة من الطاعة لم تخترها، ولم تتعمد المجيء.

في لمحة، يتحسس طريقه، في غفلة من الخارج المطْمَئِن، فيجد الملف موضوعا بعناية، فوق ديوان فخم، في غرفة ليس بها أحد.

ينغلق الباب فجأة، وتنفتح نافذة، حيث لا جدار، على حريق بلا حدود.

الهرم- يوليو 2003


روائي من مصر