قصتان

الجديد  سعد هادي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(85)]

لوحة: إبراهيم الصلحي
حياة مستعملة

وصل الصبي بمشقة إلى الباب الخلفي للحافلة وانتظر دوره للنزول ولكن أحد الركاب نبّهه قائلاً:

• هذا الباب عاطل، اذهب إلى الباب الأمامي.

رفع كيسه الأسود الضخم، كيس الأزبال وانحشر ثانية بين الأجساد المتلاحمة محاولاً اختراقها تاركاً للكيس أن يتأخر عنه أو يتقدمه بمقدار ما تتيحه المسافات المتروكة بين أرجل الركاب الواقفين وأفخاذهم وأعجازهم التي تفضحها الثياب أو تخفي عيوبها وأخطاءها وخطاياها، يدفعه مثل عربة أو يسحبه مثل صخرة آلام ويصغي بأذنٍ مثقوبة في تقدمه البطيء لتعليقات الجالسين والواقفين والمتشبثين بأطراف المقاعد، وفي اللحظة التي كاد فيها يصل الى الباب، اللحظة نفسها التي أوشكت فيها الحافلة على التوقف انفجر الكيس وتناثرت محتوياته، وتبعثرت على أرضية الحافلة كتب قديمة مهترئة، وسقط أيضاً بساط قديم ومروحة يدوية وإناء معدني لحفظ الطعام، وفي اللحظة التالية، لحظة إدراك المأساة رأى الصبي كتبه وهي تتحول إلى مخلوقات غريبة تتحرك إلى كل الاتجاهات: قنافذ تسعى تحت الأقدام، قردة كل منها بحجم إصبع تتسلق المقاعد، رؤوس تتدحرج في الفراغات، فراشات هلامية تطفو في الغبار اللامرئي الذي تفرزه الأفواه والأنوف والأعين والذي يختلط بدخان المحرك حيث يجلس نوح المعاصر، سائق الحافلة ومدبّرها والساعي بها في لجج النهار المتلاطمة وشعاب الأرض، رأى الصبي أيضاً أن بعض الصفحات المتناثرة من كتبه قد تحوّلت إلى سكاكين وأكواب وملاعق وصحون ومفكّات ولوالب ومسامير وأجراس أو إلى دمى من الحديد تتشبث بأيدٍ كأيدي الجبابرة برقاب الواقفين والجالسين ورؤوسهم وتمد أصابعها إلى سراويلهم وملابسهم الداخلية وأعضائهم، وفي ظلمة افترضها هو حلّقت خفافيش بيض من هشيم الأوراق المتساقطة وتحوّلت بعد اصطدامها العنيف والسريع بسقف الحافلة وزجاج نوافذها إلى أثمار جافة ونباتات دغلية وأعشاب وزهور ثم تبعثرت أسفل المقاعد لتصطدم بها القنافذ أو تدوسها حوافر خيول صغيرة تسللت من الباب الخلفي أو لتركلها بغال سود ذات أجنحة اقتحمت المشهد من فتحة التهوية في سقف الحافلة ثم رفعته فجأة من ياقة قميصه واحدة من الأيدي الشبيهة بأيدي الجبابرة وألقته من الباب المفتوح وخلال انتقاله من ظلمات العالم السفلي إلى أرض الواقع رأى الصبي سلسلة متعاقبة من الوجوه تصرخ به وتقهقه وتهمهم وتزفر وتتنهد وتتثاءب أو تمد ألسنتها لتلعق ما يمر أمامها من أجزاء جسده.

وقف على الرصيف وحيداً وبدأ الركاب يقذفون بالكتب إليه وكان أحدهم يصرخ بعنوان كل كتاب يسقط على الرصيف إلى جانبه وسط ضجة الأصوات التي تطالب نوح المعاصر بمواصلة الرحلة إلى غايتها: التربية العاطفية، الإمتاع والمؤانسة، الأبله، تهافت التهافت، ديوان البحتري، ملحمة كلكامش، الإلياذة، البخلاء، مسخ الكائنات، أنّا كارنينا، دون كيخوته، المأدبة، المسرات والأوجاع، رسالة الغفران، أنشودة المطر، بينما ذهبت العناوين الأخرى أدراج الرياح ثم ألقيت إليه بقايا الكيس وقذف أحدهم أيضاً بالبساط ووعاء الطعام الفارغ وودّعه الرجل ذو الصوت الأجش قائلاً:

• تحية لك أيها الزبّال الصغير ومرحى لأزبالك.

صنع الصبي على الرصيف تلاً صغيراً من الكتب الممزقة التي تتطاير أوراقها وأغلفتها ورسومها وخطوطها وكلماتها وجلس إلى جانبه واستعاد بقلب حزين صورته وهو يقبع كالمتسول تحت شمس الظهيرة على رصيف في “باب المعظم” إلى جانب باعة الخضروات واللحم والخبز والسكائر وأقفاص العصافير والثياب والأحذية القديمة وقارئي الكف وصباغي الأحذية، يطرد الذباب بمروحته عن الكتب وعن وعاء الطعام الذي وضعه الى جانبه ملفوفاً في جريدة، تذكّر أنه لم يبع سوى كتاب واحد بعد مساومة طويلة مع كهل أعرج عاد لمرتين ثم انتزع الكتاب مقابل دينار واحد، ها هو الآن يجلس إلى جانب حطام كتبه، قبعته هي وعاء الطعام وكوزه علبة صفيح وفراشه بساط ممزق، نظر إلى الأفق البعيد حيث يلعب صبيان في مثل عمره بكتب أبيه التي ظلّ يقول له عنها: هذه الكتب تشبه حياتي، إنها مستعملة أيضاً، سبق لأشخاص آخرين أن عاشوها من قبل إلى أن تهرّأت وامتلأت صفحاتها بالشخابيط وبصمات الأصابع، يصنع الصبيان من تلك الأوراق طيّارات تحملها الريح أو أقماعاً يلقون بها وهي مملوءة بالتراب في وجوه المارة أو يصنعون منها سلاحف تدبّ بين أرجلهم أو تتسلق سراويلهم أو يجعّدونها مثل زوارق تتهادى في بركة ماء آسن قريبة ثم ينظر إليهم وهم يرجمون بها شيخاً عابراً يتوكأ على عصا ويمضي وحيداً في ظلال آخر النهار، ينظر إليهم وهم يضحكون ويتشاتمون ويقرؤون أشعار الأولين التي تساقطت أوراقها بين أرجلهم بأفواهٍ مليئة بالرغاب، ساخرين منها ثم يمزقون الأوراق ويبولون عليها أو يدوسونها بأرجلٍ ذات حوافر فيردد مع نفسه مطلع قصيدة البحتري الأثيرة لدى أبيه: صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي، ثم يكرره لمراتٍ عدة كما لو كان يصلّي، ناظراً من خلال الدموع إلى صورة اليباب ومخلوقاته بينما يتصاعد غبار الكلمات ورمادها وسلاحفها وأسماكها وديدانها وسكاكينها ومناشيرها وأكوابها وقنافذها وقردتها وخيولها وبغالها، حاملاً نشيد الفقر ونشيجه في خليط مدوّ لا يسمعه أحد سواه، إلى السماء، إلى الملكوت القصي.

************************

ماتريوشكا

فتحتْ الكيس الذي لا يزيد حجمه عن قبضة يد وأفرغتْ المسحوق في وعاء زجاجي صغير ثم سكبتْ قدحاً من الماء فوقه وحرّكتْ المزيج ببطء حتى بدأ بالتماسك، لم تكن بحاجة لقراءة التعليمات المكتوبة على الكيس ثانية، إنها عملية سهلة جداً، أشبه بإعداد كوب شاي أو فنجان قهوة أو قدح عصير، بعد أن يبدأ المزيج بالتخثّر ستضيف له بين لحظة وأخرى قطرة من السائل الموجود في القنينة الصغيرة المرفقة بالكيس وتستمر في تحريك المزيج لربع ساعة ثم تضع الوعاء في الثلاجة لعشر ساعات لتجد فيه بعد ذلك رجلاً صغيراً، عليها أن ترفعه بعناية وتغسله تحت حنفية المطبخ وتجففه وتذهب به إلى غرفة النوم وتضعه بهدوء على طرف وسادتها، عليها أن تطفئ أضواء الغرفة تماماً، لا ينبغي أن يكون هناك أيّ بصيص ضوء ثم تخرج وتغلق الباب. بعد بضع ساعات ستجد على السرير رجلاً كاملاً بالمواصفات التي أرادتها أو حددتها من قبل. ها هي تفعل الأمر نفسه هذا اليوم، كررت الخطوات التي حفظتها عن ظهر قلب ثم جلست على المقعد الوحيد في المطبخ، الساعة الآن هي العاشرة صباحاً، سيكون الرجل في شكله الأول جاهزاً عند الثامنة مساءً حين ستخرجه من الثلاجة وتذهب به إلى غرفة النوم وعند الفجر أو بعد ذلك بقليل ستحظى منه باللمسة الأولى أو بالقبلة الأولى أو ربما بأكثر من ذلك إذا كان المزيج من النوع الممتاز. ولكنها تذكّرت بقلق أنها اشترت بسبب نقودها القليلة مسحوقاً متوسط الجودة، وضعت النقود في الآلة الموجودة في البار الذي تذهب إليه بين حين وآخر في عطلة نهاية الأسبوع فظهرت لها خيارات محدودة، أقل بكثير مما كانت تتوقع، لم تجد بينها ما يخص لون البشرة ولا طول القامة ولا محيط الصدر ولا الوزن ولا حجم العضو الجنسي ولا مدة انتصابه، اختارت من بين ما رأته: لون أسود للعينين، أظافر قصيرة، قامة متوسطة، شعر أكرت، رائحة عرق اعتيادية، بشرة نحاسية، شعر كثيف فوق الصدر وفوق العانة ثم ضغطت زر الموافقة، بعد بضع لحظات هبط من خزان في الأعلى مسحوق حليبي فيه حبيبات زرقاء وخضراء وبنفسجية واستقر في كيس بلاستيكي رفعته عتلة معدنية ووضعته في علبة كارتونية كما امتدت العتلة نفسها إلى فجوة في الخلف وسحبت قنينة صغيرة وأدخلتها في العلبة ثم أغلقتها ودفعتها لتخرج من فتحة أسفل الواجهة الزجاجية التي شاهدت المرأة كل ما جرى من خلفها.

أعدت لنفسها كوب شاي ودخّنت سيكارة ثم فتحت المذياع، سمعت خبراً عن سقوط طائرة في مكان ما ثم خبراً عن بقرة ولدت عجلاً بثلاثة رؤوس وخبراً آخر عن سرقة تمثال من متحف في البرازيل، حرّكت مؤشر المذياع فانبعث صوت موسيقى صاخبة، أغلقت الراديو وذهبت إلى الحمام، جلست على مقعد المرحاض للحظات ثم خلعت ثيابها واستحمت وخرجت عارية إلى غرفة النوم، تمددت على السرير قليلاً ثم نهضت وارتدت أفضل ما لديها من ثياب وتعطّرت وحملت مظلتها وخرجت، لم تكن تعرف إلى أين تذهب، دخلت أولا إلى متجر كبير وتجولت في ممراته وبين طوابقه، اتصلت بصديقة لها من تلفون عمومي ولكنها لم تجدها، ظلَّ التلفون يرن في الجانب الآخر دون رد. جلست على مقعد في موقف للباص ثم في حديقة صغيرة، رأت أوراق الأشجار تتساقط من حولها وكانت ريح الخريف تنقلها من مكان إلى آخر، مضى الوقت بطيئاً، ذهبت إلى بارها المفضل، جلست وحدها في إحدى الزوايا، كانت هناك مرآة أمامها، نظرت وهي ترتشف ببطء قدح البيرة بالليمون إلى وجهها الشاحب فيها، شعرها الرمادي، عينيها الذابلتين خلف النظارة الطبية الغامقة، رقبتها النحيلة الضائعة في ياقة قميصها الوردي، التفتت فرأت الآلة التي أخذت منها مسحوق الرجل قبل أيام، قالت لنفسها: أيّ نساء سعيدات أولئك اللواتي يذهبن إلى الآلة بين يوم وآخر ليضعن النقود ويخترن رجلاً بالمواصفات التي يرغبن بها ثم يفعلن معه كل ما يردن أو يشتهين وحين يتهالك ويوشك جسده على الذبول، يحملن ذلك الجسد ويحشرنه في كيس قمامة ويتخلّصن منه أو يتركنه في الثلاجة عسى أن ينهض ثانية أو يحنطّنه داخل علبة ماتريوشكا إلى الأبد. طلبت قدحاً آخر من البيرة، جاء به النادل العجوز وقال لها وهو يضع القدح على المائدة المدورة عبارة ما لم تنتبه لها أو لم تسمعها، حين ابتعد قالت لنفسها: ربما أراد أن يغازلني أو يتودد إليّ، لا بأس هو يفعل ذلك مع كل النساء. فتح هو مسجل الصوت واختار أغنية قديمة تعشقها، نظرت إليه بامتنان وابتسمت ولكنها لم تقل شيئاً، دخل رجل وامرأة وجلسا في الجانب الآخر من البار وأعقبهما رجل وامرأتان جلسوا إلى مائدة قرب الواجهة الزجاجية، فكّرت أنها بحاجة الى أحدٍ ما لتتحدث معه، لا يهم ماذا ستقول، تريد أن تفتح شفتيها وتحرّك لسانها وتقول أيّ كلام، هل سيكون بمقدورها أن تأتي بمخلوقها غداً إلى هنا؟ تجلس معه في إحدى الزوايا، تتركه ليتحدث وتصغي له أو تتحدث هي وتجعله يصغي لها، هل سيصمد جسده بمواصفاته المتواضعة إلى الغد أم سيتداعى ويتلاشى؟ ستحاول أن لا ترهقه كثيراً، ماذا عن الرجل الذي يجلس في الجانب الآخر من البار؟ هل باستطاعته تلبية رغبات المرأة التي تجلس أمامه مهما كانت جامحة أو غريبة؟ هل هو حقيقي أم مجرد كائن مؤقت صنعته بيديها؟ لديه على أيّ حال كل ما يعجبها: وسيم وأنيق وله نظرة عميقة ساحرة، ترى كيف هي نبرات صوته؟ هل هي عميقة أيضاً؟ لم يكن بإمكانها أن تسمع تلك النبرات، كان يتحدث بصوت منخفض وهو ينحني على المائدة طوال الوقت، حاولت أن تجذب انتباهه ولكنه لم ينظر إليها ولا مرة، لا شيء يلفت الانتباه في هيئتها، هي بقايا امرأة أو ظلال لتلك البقايا، شربت ما تبقى في القدح ثم خرجت، ظلّت تتخيل وهي تنظر إلى وجوه الرجال الذين يمرون بها شكل الكائن الذي ستمتلكه هذه الليلة، الرجل الذي صنعته بيديها، الذي دفعت من أجله ما ظلت توفره منذ شهور، لم تكن ثملة، سارت ببطء نحو البيت، سلكت شوارع فرعية لتقتل ما تبقى من الوقت، حين وصلت نظرت إلى الساعة، نصف ساعة أو ربما أقل تفصلها عن الموعد، استبدلت ثيابها وذهبت إلى المطبخ، نظرت من خلال النافذة إلى الخارج، الشارع مظلم وثمة ظلال متعجّلة لأشخاص يمرون على الرصيف المقابل، فتحت قنينة نبيذ وصبّت لنفسها كأساً صغيرة، ظلّت تأخذ رشفات صغيرة منها وهي تنظر بقلق إلى الساعة. عند الثامنة تماماً فتحت الثلاجة وأخرجت الوعاء المستطيل ووضعته على المائدة، رأت كائناً صغيراً في حجم فأر يستلقي في أسفله محاطاً بسائل جلاتيني غامق، انتابها وهي تنظر إلى ذلك الجسد الغريب شعور بالمهانة، هل يرتبط ما تفعله بالخطيئة؟ كيف ستحتمل وجود هذا الكائن بعد سنوات طويلة من الوحدة، كيف ستتعامل معه خارج السرير؟ كيف سيتعامل هو معها؟ كيف ستفسر له وجوده، انبثاقه من اللاشيء؟ هل ستخترع له تاريخاً، ما الذي يعنيه التاريخ لكائن مؤقت؟ كائن بلا ملامح يضطجع داخل الوعاء فاتحاً ساقيه وبينهما نتوء يشبه الدبوس، بطنه منفوخة ورأسه المجعد يتدلى على صدره المبقّع بالسائل الجلاتيني، أخذت الوعاء إلى الغرفة، وضعته على الوسادة وأطفأت الضوء ثم عادت لترتشف ببطء كأس النبيذ وتواصل أحلامها الجسدية: ستفعل كذا وكذا معه، ستتخذ وضعيات ظلت تتخيلها منذ سنين، ستهمس في أذنه بكلمات لم تقلها لأحد، سترتشف قطرات العرق فوق رقبته، ستمرر لسانها فوق ذراعيه وتمرغ أنفها فوق شعر صدره، ستدعه يفعل ما يريد، ربما ستتولد لديه رغبات جامحة هو الآخر، تبدأ تلك الرغبات من الصفر ثم تصل إلى الذروة خلال دقائق كما تقول التعليمات على غلاف علبة المسحوق، ينبغي فقط أن تعرف المرأة كيف تحرّك غرائز مخلوقها. أخذتها تلك الأحلام بعيداً، تجوَّلت في غابات مظلمة، هبطت إلى أعماق قصية وحلّقت مع ملائكة صغار لكل منهم أكثر من وجه، فرغ كأس النبيذ، لا معنى لكأس آخر، لا تريد أن تثمل تماماً، هي الآن عند حافة اللذة، لا تريد أن تنزلق إلى ما هو أبعد منها، وقفت لدقائق قرب باب الشرفة، استنشقت هواءً نقياً ثم ذهبت وهي تترنح إلى غرفة النوم، وقفت أمام المرآة، وضعت قطرات من العطر تحت أذنيها ومررت قلم الحمرة على شفتيها ثم خلعت ملابسها وارتدت قميص نوم قصير واستلقت على السرير، ظلت تنظر لدقائق إلى الكتلة الغامضة التي تتمدد بموازاتها، هل هي حقيقية أم متخيلة؟ هل كان تسلسل الخطوات صحيحاً؟ ربما أخطأت، ماذا سيحدث إذا كانت قد ارتكبت خطأ ما؟ هل سيتحول الرجل إلى رماد أم إلى وحش؟ من يدري؟ لا جدوى من الأسئلة الآن، ستكتشف كل شيء حين تستيقظ.

فتح الرجل عينيه، لم يعرف أين هو، حاول أن يتذكر متى جاء أو من أين جاء ولكنه لم يستطع، كل شيء غائم في ذاكرته، أدرك فقط أنه في غرفة مظلمة، يضطجع فوق سرير ضيق وإلى جانبه جسد ينبعث عنه صوت تنفس يشبه الصرير، أزاح الملاءة عن قدميه وجلس عند حافة السرير، مدَّ يده في الفراغ فوجد علبة ثقاب، أشعل عوداً واستدار، رأى وجه امرأة في البصيص الضئيل، كان مجعداً، ملطخاً بالأصباغ، تغطي جبهته خصل بيضاء، بدا مثل كتلة من الشمع تذوب فوق غطاء الوسادة، نهض وفتح باب الغرفة وذهب إلى المطبخ، شعر كأنه يخرج من كابوس طويل، مرَّ جسده خلاله بأنابيب لا نهاية لها، ظلَّ يتحلل إلى كريات زجاجية تتغير ألوانها، تتكسر ثم تتماسك وتتلاحق في الظلام حاملة كائنات مجهرية تشبهه، وجد قنينة وكأساً على المائدة التي تتوسط المطبخ، صبَّ لنفسه كأساً وشربها بسرعة، شعر بالاسترخاء بعد وقت قليل، كان المطبخ نظيفاً ومرتباً ولكن ثمة رائحة غريبة تنبعث من مكان ما أشبه برائحة طعام فاسد، اكتشف بعد قليل أنها تنبعث من علبة كارتونية موضوعة على المائدة، رأى على غلاف العلبة صورة رجل عار يشبهه ورأى كتابة بلغة لم يفهمها، أراد أن يأكل شيئاً، فتح دولاباً إلى جانبه فوجد علباً زجاجية لكل منها شكل رأس أنثوي، فتح العلبة الأولى فوجد في داخلها علبة أصغر، فتحها فوجد علبة أصغر ثم علبة أصغر وهكذا وصولاً إلى لا شيء، وتكرر الأمر نفسه مع العلب الأخرى، في دولاب آخر وجد علباً ذات رؤوس رجالية لها عيون حمراء جاحظة، استمر بفتحها علبة بعد أخرى فلم يجد شيئاً، فتح الثلاجة فوجد دوارق ملونة فارغة وصحوناً مستطيلة ترقد فوقها كائنات صغيرة في سوائل تشبه الدم المتخثر.

ذهب إلى الشرفة، توقف لدقائق هناك، نظر إلى الشارع في الأسفل فلم ير أحداً، رأى أشجاراً تشبه رؤوساً سوداء عملاقة، أدرك أنه وحيد، لم يكن يعرف ماذا سيفعل لاحقاً، عاد إلى غرفة النوم، أشعل الضوء، رأى فوق السرير جسداً صغيراً بحجم دمية، يشبه جسد المرأة التي كانت تنام هناك حين استيقظ، رفع الجسد بأناة، كان مغطى بسائل لزج له رائحة تشبه الرائحة التي كانت تنبعث من العلبة الكارتونية، سار إلى المطبخ، وضع الجسد في إناء أبيض مستطيل رآه على المائدة، جلس أمامه، قال لنفسه بعد لحظات من الصمت: هل يمكن أكل جسد كهذا؟ تكرر حفيف الأشجار في الخارج، بدا أشبه بنواح حزين.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • قلبي‭ ‬أم‭ ‬كلبي
  • سواد
  • سواد