ثلاث قصص

الجديد  سماح الشيخ [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(88)]

لوحة: فاطمة المحسن
بذاكرة مزيفة أكتب قصة

من ممالك أوروبا القديمة، مملكة صغيرة عشت فيها سنين طويلة، لست أعرف الآن موقعي في هذه المملكة لكنّ ملكها كان عادلاً رحيماً وكانت له زوجة جميلة، سكّان هذه المملكة كان عددهم قليلا فمعظمهم يعمل لدى حاكم البلاد والقلة القليلة الباقية تعمل معه، ولقلة عددنا قررنا –جميعاً- الترحال، لم يكن يزور مملكتنا زوار ولا يعبرها مسافرون، كانت نائية عن أيّ طريق، ولم تكن لها مع أيّ دول أدنى علاقات.

بدأنا نرتحل كالبدو من مكان إلى آخر بحثاً عن أناس نتحد معهم ويكثر عددنا، سافرنا كثيراً ولم نجد أحدا في طريقنا إلا حيواناتٍ رافقتنا برضاها وانضمت إلى حيوانات مملكتنا التي ارتحلت معنا، أذكر شيئاً غريباً جمع بين كل الحيوانات حتى لم يفترس بعضها بعضاً، بل كانت عندما تجوع تأتي على واحد منا.

تابعنا –لن أقل طريقنا فلم يكن لنا طريق- سيرنا حتى وصلنا إلى مصر التي لم نسمع عنها من قبل، قابَلَنا سكانُها بالترحاب وأبدوا إعجابهم بما أقدمنا عليه حتى أن ملكهم –وكان يُدعى أحمد- عرض رسالة مليكنا له على البروجكتور أمام الجميع، وأثنى على خطابه الذي لم يتجاوز سطرين وأشاد بأسلوبه ولغته، ثم عـُرض بعدها -ودون أدنى ترتيب من أحد- فيلم ما على نفس البروجكتور وفي نفس المكان وقد حضرناه مع سكان مصر في رعب عميق، أؤكد أن الفيلم عـُرض لوحده وذُهِل به الجميع، فيلم لم يعدّه أو يخرجه أحد، فيلم حقيقي يحكي واقع ما كان سيحصل لو أننا أتينا غزاة على أرض، أيّ أرض.

شاهدنا الفيلم ونحن نرتجف من هول ما نرى، دماء وقتلى وتشريد وجوع وحرب تأتي على الجميع –الغزاة وسكان الأرض- عدا الحيوانات التي أخذت موقفاً محايداً، فلم تشترك ولم تخسر.

بدأ يحتضن بعضنا بعضاً ويطمئن كل منّا الآخر، نحن نشرح أننا لم نفكّر أبداً في احتلال غيرنا وهم يؤكدون معرفتهم بحسن نوايانا حتى أخذ هذا الشكل التضامني شكل دفاع عن النفس، وراح كل طرف يرافُع ويدافع عن موقفه وكأن الآخر يتهمه، نسينا ما كنّا عليه، واحتدم الجدال إلى درجة ظن كل فرد منا ومنهم أن الجميع أعداؤه وأن الجميع يريد النيل منه، تداركنا ما نحن فيه وقررنا أن نتبادل خلايا أدمغتنا التي صوّرت لنا الفيلم، واكتشفنا بعدها أنه لم يكن ثمة بروجكتور، وألفينا أنفسنا نبيع ونقايض شرائح إلكترونية صغيرة تحمل ذاكرة كل فرد من أفراد المملكتين حتى صار الكل يفكر في أن يغيّر ذاكرة حياته ويبدل في ماضيه ليشتري حاضراً مختلفاً.. فُتِح السوق، ولم يرضَ بعدها أيّ حيوان أن يلتهم واحدا فينا يحمل ذاكرة مزيفة، فماتت من الجوع، وأذكر الآن أني كنت أعمل على راحة حيوان ما في مملكتي وأني حزنت جداً على موته وقررت أن أضرب عن الطعام حتى الموت، لكني لم أستطع.

كانت أرض مصر صحراء، وعندما ماتت الحيوانات لم نجد من يُطعِمنا فبدأ يأكل بعضنا بعضاً من غير حرب.

زاد عددنا فضاقت بنا الأرض وضاقت علينا، فقرر سكان مصر الرحيل عنا وعنها.

************************

عقابٌ شتوي

بيديه الطينية اللون كان يحمل (برّاد شاي) أكبر من رأسه الصغير وعدة أكواب بلاستيكية في اليد الأخرى، رغم قسوة الطقس خرج، ومع أنني كنت أرتدي كل الملابس التي استطعتها لأحتمي من البرد إلا أنه كان يبدو أكثر دفئاً مني وهو يخطو بقفزة خفيفة بين أذرع وأطراف الجندي المجهول، لم يرتدِ إلا تلك البلوزة الخضراء المصنوعة من صوف رديء.

تساءلت عن سادية الظروف التي دفعت بطفل لم يتجاوز التاسعة للخروج في وقت متأخر من الليل كي يبيع الشاي، فأجابني زوجي –الذي كنت قد تعلقت بذراعه من شدة البرد – أن ذلك الطفل لم يخرج من بيته في وقت متأخر، لأنه يقضي نهاره كله ومعظم الليل هنا ليبيع الشاي. إذن لم يعد للبيت ليعاود الخروج. قررنا أن نضحّي بالشيكل تلك الليلة من أواخر الشهر، ونشرب كأسين من الشاي علّنا نصبر على ذلك التيار الجليدي. نادى زوجي على الصبي الذي ركض نحونا وراح يصبّ الشاي كمحترف فناولناه أجرته الزهيدة التي لم نحددها نحن بالطبع، وإذ بطفل آخر –أقسم أنه لا يكاد يكمل ست أعوام- يتجه بخطوة يائسة صوبنا، الغريب أن عينيه كانتا تبرقان بالأمل -ربما هو الحزن المكثف ولكني لم أتيقن حينها- فقد كانت أقدامه شبه العارية إلا من صندل مهترئ أسود اللون لكنه صار أفتح بكثير لشدة الغبار عليه، كانت أقدامه تشغلني، فأصابعه ازرقت مع انخفاض درجة الحرارة، عدتُ لعينيه الحائرتين تنظر للسماء وتنتظر، لم يتفوّه بحرف، فقط كان يعلّق آمالاً على أن نشتري مما يبيعه في صندوقه الصغير –لم أرَ ما كان فيه- لم تمضِ ثوانٍ على استقراره قربنا حتى داهمنا صغير آخر أطول بقليل من صاحب الأعوام الست -على أعلى تقدير- يحمل قراطيس صغيرة ملفوفة بفول سوادني أو بذر بطيخ لن تفرق شيئاً، قراطيس بألوان باهتة كحياته، لكنه قد يكون أكثر حظاً فهو يلبس جاكيت –وإن تكن قديمة واستعملها ما لا يقل عن ستة أو سبعة إخوة- إلا أنها جاكيت على أيّ حال. كان الأخير الأكثر جرأة فقد أخذ يلتصق بنا ويلحّ في مطلبه كي نشتري، بشعره الخشن وأظافره التي استطالت في غير نظافة وبشرته الخشنة المرهقة بدا لي عاملاً في الطوبار، لكن اليدين غضتان يا ربي والأقدام صغيرة، إنه طفل يا إله العالمين.

مهلاً، لا يزال الأصغر حجماً وسناً يقف ولكن يحافظ على مسافة خجلة بيننا وبينه، كأنه يخشى الاقتراب أكثر، ولازالت العينان الواسعتان تلمعان بنظرة قاتلة معاتبة متجهة للسماء، إنه مثل دمية لشدة الجمال، لكنها دمية محطمة على ما أظن، دمية عبث بها طفل مشاكس عنيف أدماها من لعبه، تبادلنا تساؤلات صامتة أنا وزوجي صاحب الطفولة المرهقة أيضاً لكنها لا تقارن بطفولتهم، وجدت نفسي بعدها وكأني الجاني الوحيد، فسارعت بالدفاع عن نفسي وأخرجت محفظتي الممتلئة بالأوراق الصغيرة والبطاقات والعناوين وفي لهفة أخرجت شيكل لكل منهما ولم أشترِ شيئاً فقد رجوتهم الذهاب، ما هي إلا لحظات والتف حولنا ثلاثة آخرون بأطوال مختلفة. قمنا بالتضحية بثلاثة شواكل أخرى. لم أتساءل هذه المرة عن هذا العدد المفاجئ من الأطفال العاملين فقد كان الجواب واضح، فما يجعل إنفاق بضع شواكل هو محض تضحية لموظفيْن مثلي وزوجي يجعل آباء هؤلاء الأطفال يخرجونهم –إن كان لهم آباء- انسحبنا من المكان وظلت أسئلة أخرى تراودني، عن مدى الاستغلال الذي قد يتعرض له الأطفال في العمل؟ وعن الأطفال الذين يعملون دون حتى عقد عمل يحمي حقوقهم؟ وعن الآثار النفسية المدمرة لترك المدرسة والالتحاق بصفوف العاملين؟ وعن طبيعة الأعمال التي قد تهدد سلامة وصحة الطفل؟ أسئلة تتسارع مع خطواتنا الهاربة، الهواء يلفح وجوه الأطفال بمن فيهم وجه زوجي، ويضرب وجهي أنا بخيزران صقيعه، أنا التي حظيت بطفولة قد تكون مرفّهة إلى حد كبير.

************************

تعثّرت بقدرها فسقطت في النور

لم تكن متيقنة، كانت تعرف أن خلف الباب الخشبي القديم سلالم صخرية ولكنها ليست أكيدة من ذلك، ولهذا تهاوت بمجرد فتح الباب. السلالم شديدة الاستدارة شديدة الانحدار والنور يشتد في الأسفل.. أوقفها، منعها النور من استمرار التهاوي، فلشدة سطوعه خاف جسدها وتشبث ببعض الدرجات المتهالكة. لا تدري لماذا تحسست بكل تلك الشفقة أظافرها المتكسرة وتذكرت كم كانت تغسلهم بزيت اللوز كلما حلا لها ذلك. نظرت بيأس إلى عتمة الأعالي فهي على علم مسبق بأن الباب سيتحول إلى حائط عظيم بمجرد فتحه مرة واحدة.

تساءلت كيف تفعل ذلك وهي العارفة بقوة النور وسلطته على المكان، رفعت يدها عن أُكرة الباب وتراجعت للوراء وعقدت العزم ألا تفعل، ففي الظلام نعيم لا يُدرك وأن لا ترى خير من أن ترى ولا تستطيع التغيير، “لن أقدر على حذف الأشعة وإلغاء رذاذ الضوء” قالت لنفسها، واختارت أن يكون الزمن لعبتها.

ها هي خيوط الشعاع الأول تنسلّ ببطء على أنامل القدمين فتكويهما ببرودتها، ترفع رجليها النحيلتين بسرعة وتبدأ في الصعود زحفاً فتتعرقل بشعرها الطويل الأشعث.

تهرب. تركض تاركةً الباب موصودا، تجري في الفراغ الحالك فتتعثر بقدرها. تتخبط على السلالم، تجرّ جسدها الذي تجّرح في الصعود، ينزف الحليب من ثدييها المتخبطَيْن في الصخر فيحيله بلوراً أبيض لامعا. تصرخ في الفراغ الفسيح “لن أفتح الباب ولن أرى النور”، هي لا تعرف الرؤيا، حتى تلك الإضاءة التي بدأت تكشف عن ساقيها لم ترها ولم ترَ ساقيها. “لن يصل النور للعورة طالما لازلت أركض بعيداً عن الباب” ابتعدت آلاف السنين حتى لم تعرف كيف العودة لذلك الباب ومن أيّ اتجاه. إنها ابتعدت، انحدرت، انزلقت في النور المطلق.


كاتبة من فلسطين